يا لبؤس مثقف الاحتلال
يا لبؤس مثقف الاحتلالهيفاء زنكنة اغتيل يوم الخميس عميد كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد جاسم الذهبي وزوجته وابنه في بغداد. وقبله، يوم الاثنين الماضي، تمكن الغزاة من اسكات صوت طالما دافع عن حق المواطن في الحياة، وطالما كرس وقته وجهده دفاعا عن الاكاديميين والتعليميين، انه الصوت الذي كلما سئل ماهو الحل لما يجري من كوارث في العراق؟ كان جوابه واضحا لا التباس فيه: (يكون الحل من خلال الضغط علي المحتل لجدولة الانسحاب، أو إعلان الكفاح المسلح. وإن أي أمن لا يتحقق ما دام الاحتلال موجودا وما دامت المليشيات المسلحة موجودة أيضا). انه صوت الدكتور عصام الراوي، رئيس رابطة التدريسيين الجامعيين في العراق، وهي رابطة تضم 1400 أستاذ جامعي، منهم 225 أستاذة جامعية، وقد تأسست في 19 من اذار (مارس) 2003. وهو العالم الجيولوجي المعروف بابحاثه العلمية وتدريسه في العديد من الجامعات، وهو التربوي الجليل والوطني المناهض لتفتيت الوطن كل حسب انبوب نفطه. وقد سمعناه في مئات اللقاءات والمقابلات الاعلامية والندوات، حاملا علي كتفيه مسؤولية المثقف العراقي التاريخية في الدفاع عن ابن بلده ووحدة وطنه وحقه في مقاومة الاحتلال. وحتي يوم الاحد الماضي، عندما سألته احدي القنوات العراقية، قبل اغتياله بساعات، كرر بلغته الهادئة الخالية من التزويق، وبشكل لا يتحمل التمويه والالتباس، بأن العدو الاول لنا هو قوات الاحتلال الغازية وما افرزته من سموم خلال فترة الاحتلال. ولن يتمكن العراق ومواطنوه من استرداد العافية ودمل الجروح النازفة الا برحيل المستعمر الجالس علي عرش المنطقة الخضراء وهو يزود مستخدميه بالسلاح بيد وبالمال بيد اخري. ازاء هذا، هل من المعقول السماح للصحافيين والاعلاميين والمثقفين والاكاديميين بمزاولة اعمالهم والبقاء في العراق ؟ هل من المعقول بقاء الدكتور الراوي او من يشبهه علي قيــــد الحياة؟ اشتهر المثقف العراقي عموما بانه مرتبط تاريخيا واخلاقيا بقضايا شعبه وهمومه. من هذا المنظور، غالبا، مايكرس المثقف حياته دفاعا عن ماهو عام اكثر منه خاص ونادرا مانجد مثقفا من مثقفينا قادرا علي الفصل مابين ما هو شخصي وما هو سياسي. وان كان الفصل بين السياسي والايديولوجي ضروريا ويستحق الاشارة. وتزداد مسؤولية المثقف ويتوسع دوره في حالات تعرض شعبه للمخاطر بانواعها، المستهدفة لهويته وتاريخه وكل معطيات ثقافته، كما يجري حاليا في ظل الاحتلال. كما أشرفت الادارة الامريكية باجهزتها المتعددة علي الاعداد العسكري للغزو، استنفرت كل مايمكن توظيفه في مجالات بناء منظمات المجتمع المدني والاعلام والثقافة. وتاريخ عمل جهاز المخابرات الامريكي السي آي ايه وتجنيد المثقفين في العالم لنشر (الديمقراطية) في اعقاب الحرب العالمية الثانية وخلال سنوات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي معروف وموثق. حيث انخرط في صفوف نشر (الديمقراطية) كأيديولوجية بديلة للشيوعية، في مجالات الكتابة والنشر والاعلام وتأليف الموسيقي والشعر والقصة والمسرح والباليه، العديد من البارزين في هذه المجالات، لاسباب عديدة من بينها الرغبة في التخلص من الايديولوجية التي قادت العالم الي الحروب في حالة النازية او ايديولوجيا الحزب الواحد ودكتاتورية البروليتاريا في حالة الانظمة الشيوعية ولتوفير المغريات المادية وتعليب ايديولوجيا الهيمنة الامريكية بورق الديمقراطية الملون. وقد انتبهت الادارة الامريكية، في ظل المحافظين الجدد، وسياستها التوسعية عسكريا واقتصاديا، الي ضرورة اعادة تجنيد المثقفين في الخط الثاني للاحتلال بعد استبدال النازية وبعبع الشيوعية بشعار (محاربة الارهاب). فرصدت ميزانية تقدر بملايين الدولارات وبمسميات عديدة لدعم المشاريع الثقافية ذات الرائحة (الديمقراطية). فكان من بين اوائل المشاريع، فيما يخص العراق، تأسيس المعهد العراقي لصاحبه كنعان مكية في عام 1991 وبمشاركة السيدة رند رحيم فرانكي وبرهم صالح، تزامنا مع مبادرة السي آي أيه في تأسيس المؤتمر الوطني لصاحبه أحمد الجلبي. كان هذا هو الابن البكر للادارة الامريكية ومؤسساتها وسرعان ماتلاها عدد آخر. كما هو معروف، انعكس وضع الاحتلال علي مستخدميه من سياسيين بشكل سريع ومباشر، وعلي المثقفين عموما بشكل أبطأ، بسبب وجوب توفير آلية الترويج ونشر الافكار (الديمقراطية) واستهداف بنية المجتمع العراقي الفكرية والثقافية العامة. الا ان ولادة (مثقف الاحتلال) العراقي، كان ضرورة ملحة للادارة الامريكية لانجاح مشروعها الامبريالي مما استدعي اعلان النفير والعمل السريع لتجنيد من يمكن تجنيده خارج العراق بداية ثم في داخله. ولم تكن المسألة صعبة جدا في ظل تعليب المشاريع بألوان (الديمقراطية وحقوق الانسان) وارتباط رفع الحصار الجائر عن الشعب العراقي بتغيير النظام فضلا عن المغريات المادية ومحاصصة المناصب واشباع جشع الرغبات والطموحات الفردية في بعض الحالات. وسارع الكثيرون للانضمام الي مؤسسات (الديمقراطية) اما لانهم يعرفون جيدا مايفعلونه او لانهم البلهاء السذج الذين احتاجتهم الادارة الامريكية، في اللحظات الاخيرة، لتوفير المبرر الاخلاقي للغزو اولا، خاصة بعد تبخر كذبة اسلحة الدمار الشامل، ثم للاحتلال وديمومته ثانيا. وسرعان ماكشفت مرحلة الاحتلال بصراعاتها وتناقضاتها عن كيفية استخدام دور مثقف الاحتلال من قبل السلطة الموظفة له وتسخيرها له. حيث لم يعد مثقف الاحتلال مبررا لغزو بلده بحجة (التحرير) فحسب بل صار مشاركا فعليا في ارتكاب جرائم الاحتلال وانتهاكاته بحق المواطن العراقي عندما اختار الوقوف صامتا امام التعليب (الديمقراطي) لهذه الجرائم وتلاوة آيات (الحرب علي الارهاب) علي جثث العراقيين واشلائهم الممزقة. بداية، اقتصر دور مثقف الاحتلال علي توجيه النصيحة لرب عمله. ولعل نصيحة (البروفسور) كنعان مكية لجورج بوش، اثناء دعوته، قبل ايام من شن الحرب علي العراق، الي البيت الابيض، ان العراقيين سيستقبلون قوات الاحتلال بالزهور والحلويات، هي واحدة من ادوار اخري سيضطلع بها مثقف الاحتلال فيما بعد. من بينها، ايضا، اصغاؤه وهو المعروف بشغفه بالموسيقي الغربية الكلاسيكية، اثناء الغزو، منتشيا بموسيقي القنابل العنقودية واليورانيوم وهي تسقط علي بغداد، وقد ارتسمت علي وجهه ملامح الاسترخاء تلذذا باصوات ضحايا الصدمة والترويع وهم يحترقون وتذوب اجسادهم بالقنابل الفسفورية. الي المدينة التي طرب لصوت القنابل الملقاة عليها وأنين جرحاها وصمت قتلاها، عاد مثقف الاحتلال، من امريكا، ليكتب بنفسه (الذاكرة العراقية ومعاناتها) التي توقفت معاناتها، حسب مثقف الاحتلال، عند دخول الغزاة بغداد. معه، ايضا، عاد مثقف احتلال آخر، مصرحا وهو يستلم منصبه الاعلامي بانه عاد (ليساهم في كتابة التاريخ). بينما اكتفت اخري، عادت، مع حزب تأسس علي عجل، قبل الغزو بعشرة أيام بالتحديد، وتم تعيينها في منصب ثقافي، بانها تعمل من اجل (خلق الانسان العراقي الجديد). هكذا بلغ مثقف الاحتلال اقصي درجات البؤس الفكري حين توهم بان تكوين الذاكرة وكتابة التاريخ وخلق الانسان، امور بسيطة لا تتطلب اكثر من الصعود علي دبابة امريكية ومصاحبة رعاة البقر. ولن اكتب عما فعله مثقف الاحتلال في العراق وخيبة امله في (تخلف العراقيين) وسوء تطبيقهم (الديمقراطية) لضيق المساحة ولكنني ساكتب عما يفعله المثقف العراقي الاصيل المناهض لثقافة الاحتلال في مسؤوليته ونضاله وتمثيله لابناء وطنه. لقد حذر المثقف العراقي الوطني من الغزو وماسيترتب عليه من مآس بحق الشعب. حذر من النهب والسلب وجرائم الاحزاب التي شكلت بابوة اجهزة المخابرات العالمية والاقليمية. حذر من المحاصصة بانواعها وسياسة فرق تسد الامبريالية. وواصل عمله، تحت الاحتلال، كتابة وتصريحا واعلاما وفنا وتعليما وبحثا علي الرغم من جنون الوضع وارهاب الاحتلال ومرتزقته الذي فاق الخيال. الا ان استثمار الغزاة في العراق ومشروعهم المستهدف للمنطقة ومواردها اكبر واهم من ان يسمحوا لمناهضي الاحتلال بكشف الحقيقة وفضح التضليل. هكذا تم اغتيال مئات المثقفين، زبدة الطبقة المتوسطة العراقية، من علماء واكاديميين وحاملي القلم والاعلاميين والصحافيين والباحثين والاطباء ومربي الاجيال. وتم استهداف البقية وترويعهم فرحل من رحل هاربا حرصا علي سلامته وسلامة عائلته وقتل من قتل في حملة التصفية المنظمة، كما تم اعتقال العديدين، من بينهم الصحافية اطوار بهجت وعبد الرزاق النعاس. واعتقل من اعتقل ومن بينهم الاكاديمي والناقد قيس كاظم الجنابي، مؤلف عشرات الكتب في التراث والادب، الذي مازال معتقلا في سجن المطار السيء الصيت، بعد مداهمة بيته بالاسلوب الاسرائيلي، وهو محروم من ابسط حقوقه كمواطن واديب فاضل بدون توجيه تهمة اليه او تقديمه للمحكمة او حتي الاعلان عن سبب الاعتقال.مرة، صرح المرحوم عصام الراوي قائلا ان جميع عمليات القتل سجلت ضد مجهول ولم يقدم للعدالة مجرم واحد بتهمة قتل استاذ جامعي. وتساءل الاستاذ الراحل : هل يعقل ان قوة امريكا الاستخباراتية والاحزاب المشاركة معها تعجز عن اكتشاف جريمة واحدة؟ فما الذي يقوله مثقف الاحتلال تبريرا لاغتيال الفكر والمعرفة والحياة؟ 9