أن تكون كيوريتراً..! استرسال مع كريستين طعمة
نجوان درويشأن تكون كيوريتراً..! استرسال مع كريستين طعمةقد يكون الكيوريتر curator من أكثر المصطلحات المتعلقّة بالفن البصري التباساً، بدءاً من ترجماته المختلفة وليس انتهاء بتحديد ماهيته وحدوده، إذ لا يقتصر التباس هذا المفهوم علي الثقافة العربية التي ظهر فيها بعض الكيوريترات في السنوات الأخيرة، وإنما يشمل أيضاً الثقافة الغربية نفسها التي لم يمرّ علي هذا المصطلح فيها، باستعماله الحالي، أكثر من خمسين سنة. فالكيوريتر(وهي كلمة ذات أصل لاتيني يعني حارس الروح) والتي عنت تاريخياً القيّم والوصي في لغة القانون، أخذت تطلق علي فئة مختصة في عرض الفنون البصرية وحراكها وتسويقها واختيار موضوعات معارضها وفي بعض الأحيان رسم مسارات وتقديم اقتراحات للحركات الفنيّة. وقد صاحب ظهور هذه الفئة، بصيغتها الحالية، صعود ظاهرة البيناليات الفنية وكوكبية التداول الفنّي، وخروج الفن من المتاحف إلي الناس واقترابه بشتي السبل من مساحات حياتهم اليومية.وبالإضافة إلي إشكالية المفهوم نفسه وجدّته في الثقافة العربية، فإن إشكالية ترجمته تتسبب باستمرار في الخلط بين هذا المفهوم وأعمال أخري في المجال الفنيّ، وفي صعوبة الاشتقاق اللغوي الضروري لتداول المصطلح. فمثلاً مسمي “القيّم” -وهو المستقيم في معني جذره اللغوي و”القيّمة” في القرآن فُسّرتْ بـ”الأمة المستقيمة”- فالفعل واسم الفاعل منه لا يعبّران عن طبيعة عمل الكيوريتر، هذا بالإضافة لما لكلمة “القيّم” من إيحاءات بطريركية. أما فيما يخص “المنشّط الفنّي” – وهو الاسم المتداول في لبنان- ورغم إمكانية اشتقاق فعل منه، ألا وهو التنشيط الفنّي؛ إلا أن ضعفه الأساسي يكمن في عمومية كلمة نشاط، وأيضاً في إيحاءاتها الطبية(المنشط الجنسي وسواه من المنشطات). هذا فيما يخص أفضل الترجمات، ناهيك عن الترجمات الخاطئة التي راحت تهيئ لربة البيت التي تنسّق حديقة منزلها أنها كيوريترة، وصار من يعمل موظفاً في صالة عرض أو سينما أو صالة أفراح يعتبر نفسه كيوريتراً، وقد يأتي يوم ينتبه فيه عساكر وضباط لإمكانية كونهم أكبر كيوريترات في الشرق! وتشتد فداحة هذا الالتباس عند دخول صائدي فرص وانتهازيين محترفين علي الخط، واستغلالهم لصفة الكيوريتر لشغل وظيفة “المُبلّغ المحلي” في أتعس صيغها الكومبرادورية .. إذ لا يعرف أحد ماذا وإلي أين يكورتون!ولعل اللبنانية كريستين طعمه – التي، وباستحقاق، فازت هذه السنة بإحدي جوائز الأمير كلاوس الهولندية – هي إحدي الاستثناءات النادرة التي تمنح مصداقية لهذا المفهوم عربياً، حيث لا نجد تجسيداً عربياً للكيوريتر كما نجده في تجربة كريستين ومساهمتها التأسيسية في مجال الأعمال الكيوريترية والحراك الفعلي الذي أثارته في منطقة راكدة من الثقافة العربية. بالإضافة إلي استعادتها الندّية لجزء من تمثيل المنطقة العربية لذاتها الحضارية في المجال البصري، من أيدي كيوريترات غربيين، قيل الكثير في سوء تعاملهم(عن سوء طوية أو عن جهل أو الاثنين معاً!) مع المنتج الفنّي غير الغربي وتوظيفه في سياقات، أقل ما يقال فيها، أنها مضللة وتفتقر إلي المعرفة الكافية. ما يسجّل لعمل كريستين طعمه هو قدرتها علي التأصيل لريادة فاعلة في مجال الأعمال الكيوريترية، ليس لها تبجح “الريادات” الفولكلورية التي سرعان ما تتحول إلي مشيخات؛ ريادة تخرج علي الثقافة البطريركية وذكوريتها الراكدة، لترسّخ مفاهيم مختلفة وحيوية في العمل الثقافي، ومن ناحية أخري تنقذ سمعة العمل الكيوريتري الذي ابتذل وصار عملاً مجانياً علي يد البعض.لا شك أن تجارب عربية واعية لذاتها الحضارية، كتجربة كريستين طعمه، تأتي بمثابة إسناد قوي للمصطلح، الذي نظن من ناحية إجرائية، أن تعريبه خيار مناسب للخروج من دائرة التباس المفهوم.. فكيوريتر التي يمكن تأنيثها بكيوريترة، وإن بدت للوهلة الأولي غير مستساغة للأذن العربية؛ فاستعمالها وتكريسها في المستقبل سيعطيها الألفة التي لكلمات عُرّبت منذ عقود، مثل سكرتير وسكرتيرة وسكرتارية. وبشكل عام، ففي تعريب بعض المصطلحات الفنّية البصرية مخرج من التباسات ترجمتها؛ والتعريب، إضافة إلي ذلك، من شأنه إخصاب وإثراء اللغة البصرية العربية التي يعاني قاموسها الحالي من تصحّر وقصور هائلين، يجعلان الكتابة في الفنون البصرية باللغة العربية، أمراً صعباً وتحدياً كبيراً. شاعر من فلسطين0