استنباط العلامات الطقسية لحضارات منطقة وادي الفرات القديمة

حجم الخط
0

استنباط العلامات الطقسية لحضارات منطقة وادي الفرات القديمة

باسم القاسم يعيد إحياء فرقة الرقة للفنون الشعبية :استنباط العلامات الطقسية لحضارات منطقة وادي الفرات القديمةالرقة القدس العربي ـ من أنور بدر: تأسست فرقة الرقة أواخر الستينات علي أيدي الأستاذ عبد الفتاح السطاف كفرقة للمسرح المدرسي، ما بين ثانوية خديجة الكبري للبنات ومدرسة الرشيد للبنين، وقد اهتم الأستاذ السطاف بالموشح الأندلسي والقدود الحلبية، إذ تقدم البنات يا غصن مكللاً بالذهب، حامل الهوي تعب.. ، ليظهر الشباب لاحقاً في فيروزيات جميلة.كيف انتقلت هذه الفرقة المدرسية إلي أهم فرقة للفنون الشعبية؟ وكيف يجري الآن إعادة إحيائها بقوة؟ أين مكامن القوة فيها وأين تكمن عناصر الضعف؟ هذه الأسئلة وعلامات استفهام أخري كانت محور لقائنا مع الشاعر الدكتور باسم القاسم الذي ترك منذ الوهلة الأولي بصمة إيجابية في مستوي الفرقة ونوعية أعمالها. د. باسم القاسم كيف انتقلت فرقة الرقة المدرسية إلي فرقة للفنون الشعبية في سورية؟ منذ البداية كان الأستاذ إسماعيل العجيلي جزءا من تلك الفرقة التي شكلها الأستاذ عبد الفتاح السطاف، لكنه ما لبث أن غادر دمشق والتحق بفرقة أميّة للفنون الشعبية، أنهي تدريبه، واحترف، ثم عاد إلي الرقة أواسط السبعينات ليؤسس فرقة الرقة للفنون الشعبية، باعتبارها امتدادا للمسرح المدرسي الذي تتبناه وزارة التربية.كانت الفرقة تعتمد علي جيل من الشباب والبنات من عوائل مرموقة، وهذا التفصيل أذكره هنا لخصوصية المجتمع الرقي المحافظ وبناه الشعائرية، فلم يكن شيئاً تقليدياً في هذه المحافظة النائية أن تصعد البنات والشباب علي منصة المسرح، لكنها بدأت فرقة أهلية، وكانت توجد علاقات عائلية و أواصر رحم سمحت لإسماعيل العجيلي أن يقول: أريد ابنك أو بنتك للفرقة. وهكذا كان.العصر الذهبي للفرقة بدأ في الثمانينات مع مجيء المحافظ محمد سلمان الذي حاول استيعاب الفرقة مادياً وإعلامياً. وأمّن لها كل الدعم المطلوب والاحتياجات الممكنة، فوصلت في فترة قصيرة إلي بريطانيا وهولندا واسبانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا… ومختلف أصقاع العالم. كانت فرقة الرقة هي الوحيدة الموجودة علي الساحة بلا منازع.وبدأ إسماعيل العجيلي العمل علي المادة الفنية التراثية والفراتية تحديداً، بعمقها التاريخي، وملفظها المعقد، لكن الجمهور الأوروبي تحديداً كان ينظر إلي الفرقة كما ينظر إلي فرقة إفريقية. يُعجبون بالنغمة والرقص، يُتابعون الحركة والأزياء دون أي اهتمام بالكلمة أو مضمون الرسالة التي تحملها الفرقة.قدّم إسماعيل العجيلي مسرحيات صيد الحباري و برج عليا وهما للدكتور عبد السلام العجيلي، اعتمد علي عروض الشو Show التي تستمر لنصف ساعة أقل أو أكثر قليلاً، وفي هذه الفترة تطورت علاقته مع لبنان عن طريق المحافظ محمد سلمان، ففتحت قنوات كثيرة عبر القوميين السوريين، كثير من الشعراء كتبوا له: طلال حيدر، جوزيف حرب، زكي ناصيف كشاعر، كما غنوا معه مثل غسان صليبا وعلي حليحل. هذه العلاقات ساعدت إسماعيل العجيلي في تلوين الفرقة وعروض الشو الفلكلورية، لكنه بقيّ لعشر سنوات يبحث عن عمل متكامل جديد يقدمه حتي جاءني عام (2000) في عيادتي الريفية التي تبعد (20) كم عن الرقة. أنت طبيب أسنان ناجح، كيف دخلت هذا الجو؟ بداية كانت علاقتي بأعمال الأطفال، وكما تعرف نافذة الأطفال الوحيدة في سورية هي منظمة طلائع البعث، وبغض النظر عن أيديولوجيتها، كان لي عمل معها عن البيئة، تقرر تكريمه في مهرجان أعمال الطفل في مصر علي مستوي الوطن العربي.حتي في عام (2004) طلب مني عمل لمعسكرات الأطفال السكريين، قدمت مسرحية أميرة الأحلام اعتمدت فيه علي المعوقين الأفذاذ أمثال المعرّي و بيتهوفن ، وقدمت الأطفال بطريقة رائعة، حتي أنّ ممثل منظمة اليونيسيف طلب اعتماد العمل، وأخذ الـ (C) معه، قائلاً: أنا لم أر عرضنا في كل أصقاع الوطن العربي بهذا المستوي، وصارت أغنية العمل شارة التلفزيون لبرامج المعسكرات لاحقا.والأستاذ إسماعيل العجيلي كان يعرف ذلك، وكانت الفرقة في تلك الفترة في درجة الصفر إن صح التعبير، ليس لديها إلا اجترار القديم، وكان مطلوبا منها المشاركة في مهرجان التراث في دبي، لذلك جاء يطلب مني عملاً متكاملاً للفرقة. وكان ليل البوادي ؟ نعم، وكانت المرّة الأولي التي أكتب فيها باللهجة الشعبية. لم نكن نفهم معني الموروث أو كيفيّة التعامل معه، صحيح يوجد فرق بين الشعبي والعامودي والحديث، لكن المفردة هي المفردة، آلية البناء داخل النص هي واحدة، فقط المعجم اللغوي هو الذي يتغير. ليل البوادي عمل يستغرق (27) دقيقة، وفيه (30) بيت شعر نبطيا، وقد اعتمدنا في هذا العمل لأول مرّة علي الطريقة التاريخانية في العرض، مبدأ الإشارة أو الرقص، هو مبدأ سيدي وشيخي محي الدين بن عربي حين يقول من لم يفهم إشارتنا لن تفده عباراتنا . درست منطقة وادي الفرات بحضارته الفنية، بما فيه من طقسية خاصة، زالت مظاهرها الحياتية اليومية، لكن السومريين، والبابليين، والكنعانيين، مملكة توتول، حزنها وفرحها، عاداتها وتقاليدها، ما زالت موجودة في أعراسنا. اذهب إلي أي عرس رقّّي واسمع النغمة، وسيجيبك أي خبير عن أصلها، انه قد يصل إلي الأصل السرياني، أنا أمسكت بداية طرح الصايل، موسيقا العلامة من العهد القديم إلي أن أصل إلي اغنية عيني عل الغربون والتي يغنيها الآن كثيرون دون أن يعرفوا منشأها.في ليل البوادي بدأت العمل علي (جينولوجيا النغم) وهذا المصطلح سيعترض عليه بعض جهابذة النغم، لكني اعتقد أن الجين يخضع له أي شيء في الفكر، دائماً يوجد ذلك الجزء البسيط الذي لا يتجزأ، وهو المسؤول عن كل ما يصدر حالياً أو صدر سابقاً أو سوف يصدر لاحقاً. بهذه الطريقة درست العمل، ففي الدقائق العشرين الأولي كان يحكي عن طقوس بعض الديانات ما قبل السماوية، وصولاً إلي الطوطمية، كيف كان التعامل مع الموت، الحصاد، الزواج، الحروب… كل ذلك عرضناه، ثم دخلنا بعدها إلي الراهن المعاش حالياً. لكن هذه التجربة كانت مغامرة بالنسبة لإسماعيل العُجيلي، فهو كان يقدم نصاً مباشراً ومفهوماً، يحكي عن الفساد أو الحب، بينما قدمت له نصاً يحرض المتلقي أن يتعب قليلاً كي يفهم الإيحاء والدلالة. وكانت مغامرة ناجحة رغم أن العُجيلي عجز في البداية عن تقديم العمل كاملاً، بسبب قناعاته، واكتفي بالجزء الثاني الذي يعتمد علي الشعر النبطي، وقد حقق العمل حضوراً رائعاً في أول ظهور له في دبي، وحصل علي جائزة مهرجان التراث هناك. أين تكمن إشكالية الفرقة أو نقاط ضعفها؟ المسألة الأولي تكمن في الحظ العاثر لإسماعيل العُجيلي مع الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية، بسبب خوفه علي الشباب والصبايا العاملين معه، فبعض العائلات قد يعترضون إن قامت جهة فنية بتسويق أعمال الفرقة، كذلك خوفه من اللصوصية، فنحن ليس لدينا قانون حماية للملكية الفكرية والفنية. المسألة الثانية والأهم أن إسماعيل العُجيلي جزء من مؤسسة تابعة لوزارة التربية كما أشرنا في البداية، فالفرقة ما تزال تتبع المسرح المدرسي، صحيح أنه نزع الغطاء الخارجي والإعلامي للمسرح المدرسي، وصار اسمها فرقة الرقة للفنون الشعبية، لكنه إدارياً ما زال جزءاً من تلك المؤسسة، ولديه دفتر توقيع للحضور والغياب. لذلك هو لا يستطيع أن يسوق أياً من أعماله، لأن كثيرين سيسألونه عن ذلك، طبعاً هم يقدمون له النقل والإقامة وأشياء أخري، لكنه لا يحق له قانونياً أن يسوق أعمال الفرقة، حتي لو كان العائد لجهة تطوير الفرقة. أنت أدري بتلك الإشكاليات البيروقراطية، فالمسرح المدرسي مؤسسة غير ربحية أصلاً، ولم يوجد حتي الآن أي تخريج قانوني لذلك. ألا توجد إمكانية لإخراج الفرقة من تبعيتها الإدارية للمسرح المدرسي؟ إسماعيل العُجيلي ما عنده مشكلة، هو يسعي للفت نظر الجميع طالباً الدعم، محمد سلمان حين كان محافظاً ومن ثم وزيراً للإعلام تبني الفرقة، وكانت في عصرها الذهبي، الآن اختلفت الأمور، الوجوه تغيرت، نظرات العالم تغيرت. اليوم يصرف إسماعيل العُجيلي رواتب العاملين معه من جيبه الخاص، أو عبر تأمين عقود عمل لهم أو لذويهم عن طريق المحافظ، إسماعيل العُجيلي ينحت بالصخر وقد استطاع أن يحافظ علي وجوده بطريقة استثنائية، لكنه يسأل كفنان : لماذا يتبني الجميع في سورية فرقة إنانا ولا يتبنون فرقة الرقة؟ ويكون الجواب أن إنانا فرقة خاصة بينما أنت لست كذلك.إسماعيل العُجيلي لا يطلب الدعم لذاته، فهو إنسان يحب بلده، ويعتقد أن عمل فرقة الرقة يرقي إلي مستوي المهمة الوطنية، عليها أن تبرز اسم سورية في المحافل العربية والدولية، فرصته الآن مع وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا فهو معجب بالفرقة أصلاً، وعرض عليه أن يضع الفرقة علي ملاك وزارة الثقافة، لكن مشكلة الدعم المالي تبقي هاجس الفرقة، فهذه الأعمال تتطلب ميزانيات ضخمة تفوق جداً كتلة الرواتب التي يمكن أن يحصل عليها أعضاء الفرقة. مع ذلك قدمت الفرقة عرضها الأخير قمر علي الشرق وهو عمل متكامل كلمات ولحناً وأداء؟ إسماعيل العُجيلي يعتقد، كما قلت لك، أن فرقة إنانا منافسة لفرقة الرقة، وهذا غير صحيح، فإذا كانت الفرقتان تستخدمان الرقص لتجسيد النص، فإن فرقة الرقة تنحو باتجاه النمط التراثي وإعادة استنباط ثقافة المنطقة، فيما تذهب فرقة إنانا في خط معاصر، يمكن أن تستفيد من جملة أو نغمة تراثية لكن توظيفها يجري في حقل آخر. ومع ذلك طلب إسماعيل العُجيلي عملاً متكاملاً يستطيع أن ينافس به تلك الفرق المشابهة، وفي ظل غياب شبه كامل لأي دعم مادي أو سياسي، باستثناء بعض الناس ضمن المحافظة، ممن أبدوا إعجابهم بالفرقة وتبنوا تمويلها. كتبت قمر علي الشرق وتبنيت فيه الطريقة التاريخانية في العرض أيضا، وهو يحكي عن القيم الأصيلة في البنية العربية، يعرض محاسنها، ويجعل المشاهد يقارن ما هو عليه الآن بما كان عليه سابقاً، فمفهوم العفة مثلاً كان في السابق غير مفهوم، العفة راهناً، مفهوم الشجاعة، مفهوم الانتماء الفيزيولوجي للخلية الاجتماعية – لعشيرة، والتبعية لرئيس العشيرة، كثير من الأمور كنا نعتبرها عشوائية، لكننا بالتدقيق نكتشف أنها تشكل منظومة للتكافل الاجتماعي. مسائل أخري كعلاقة المرأة مع الرجل إذا أردت أن يوافي ، أنت تلاحظ أنني استخدم في كلامي مفردات قد تبدو مستهجنة الآن، حاولنا أن نعيد تأهيلها، أن نستنبت الوردة الحلوة ورائحتها الجميلة من الصحراء، اتجهنا إلي النقاوة الصرفة، طبعاً استخدمت في العمل ما يعادل 50 سطراً من شعر التفعيلة، وهذا الشعر مرتبط بالنبطي، كنا ننتقل من التفعيلة إلي النبطي ضمن المقطع الواحد، أقول مثلاً: وترحلين مع الأبد أو يُسأل الغسق المهاجر أين شمسك لا أحد أنت الأصيلة والأصايل من خصايلها الوفا ولو عفرت بها المحامل. تلاحظ كيف دخلنا من شعر التفعيلة إلي الشعر النبطي، والإلقاء بالنسبة للمقاطع يعني الحبكة، شبكة عقدية فيها عقد، العقدة تعني شعراً، والشعر ينفذ مع الرقص، والموسيقا كإيماء مدماك العمل المسرحي. هذا يأخذنا إلي السؤال عن الألحان، والتعاون مع شربل روحانا؟ شربل روحانا كان خياري، وهو معروف لدينا في معزوفاته، ذهبنا إليه في بيروت وأعطيناه أغنية واحدة، أبدع فيها شربل روحانا، وأعجب هو جداً بهذا المزج بين الأنماط الشعرية، وقررنا التعاون معاً. الدكتور شربل روحانا هو مدرس العود في الكونسرفتوار، ومعه دكتوراه في العود، وكانت أول تجربة له في التراث البداوي، كما يسميه هو، كلف العمل 12 ألف دولار للأستوديو فقط، لأن صاحبه أرمني في بيروت، ولنا صاحب أرمني في سورية فمان عليه. ساعدونا، تعبنا، وظهر العمل، كان لا يزال في الأستوديو حين دُفع لإسماعيل العُجيلي مليونا ليرة سورية، لكنه رفض. غنّي معنا في هذا العمل غسان صليبا، سمية البعلبكي، خولة الحسن، وكما شاهدت أنت كان عرضاً متميزاً، لكنه يرقد الآن في الأدراج بانتظار دعوة الفرقة إلي حفل هنا أو هناك. لماذا لم تقدم بعضاً من أعمالك خارج فرقة الرقة؟ كثيرون حاولوا معي في سورية ولبنان، لم أكن قد أصدرت مجموعتي الشعرية الأولي آخر الرثة من سلالة النخيل ولم أكن أرغب في الظهور كشاعر غنائي فقط، كثيرون من شعراء العربية الذين لُحنت قصائدهم وقُدمت غناء، لكنهم كانوا قد احتلوا مواقعهم في خريطة الشعر العربي أولاً. وأنا لم أشأ الظهور كفقاعة فقط، كنت أخشي أن أظهر بنصوص تراثية أو شعبية مهما تنوعت مضامينها، الآن أستطيع أن أعطي في هذا المجال دون أن أخشي شيئاً، فبعد أن صدرت مجموعتي الأولي، وبعد الأعمال التي عُرضت لي أستطيع أن أسير خطوات مع القافلة، لكنني لا أريد أن أكون زعيماً لها، لأن أساس العلم المستقر هو الجهل المستقر لا يجب أن تقبض عليه، وهكذا مسيرة الإبداع والحياة أيضاً. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية