وطن الأرز والحب علي هاوية الهاويات: هل يضع لبنان آخر خاتمة لحربه الأهلية المستديمة منذ ثلاثين عاماً؟
مطاع صفديوطن الأرز والحب علي هاوية الهاويات: هل يضع لبنان آخر خاتمة لحربه الأهلية المستديمة منذ ثلاثين عاماً؟الحدث اللبناني السياسي لا يُترك لمنطقه الخاص. تقع عليه عمليات التغريب عن ذاته، سواء في مرحلة نشأته، أو عبر تطوره، أو في الهدف الذي كان يقصده. فلا يكاد ينطق بالإشارة المتوقعة منه، ولا يكاد هو عينه يتعرف إلي وجهه الأصلي في مرآة الحشد السياسوي المحدق به من كل جانب: سواء بالاسقاطات الواقعة عليه، أو بالتأويلات المحرِّفة لملامحه، وصولاً أخيراً إلي سرقته واختطافه من لحمه وعظمه، وإخضاعه لمبدأ الانصياع القسري أو الإرادوي، إلي نوع الاستثمار الأقوي، القادر علي احتكاره وتوظيفه لمآربه الخاصة، من دون سواها من الاستثمارات الفوقية أو الجانبية المزدحمة علي التقاط مفرداته واستلابها من أسمائها الذاتية.إغتراب السياسة اللبنانية قديم قدم هذا المصطلح المسألة الشرقية السائدة طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما استثمرت أوروبا الاستعمارية آنذاك انحلال الإمبراطورية العثمانية المتحولة إلي مصطلح الرجل المريض . فاستطاعت إعمال تفكيك طائفي ومذهبي في بنية الشعب اللبناني، والجبلي منه تحديداً؛ صار كل طيف ديني يتبع قنصلية أوروبية معينة، بما يشبه نظام حماية دولي، وليس وصاية فحسب؛ ومعترف به في نادي الدول الكبري المتنفذة، وحائز بالتالي علي مشروعيته بقوة الأمر الواقع.من المسلم به أن التدخل الأجنبي، والغربي خاصة، في الشأن الوطني، حالة عمومية ومستديمة صاحبت التاريخ الحديث لمختلف أقطار العرب والإسلام. لكنه في لبنان كان يقع التدخل كأنه تلبية لاستدعاءات محلية. بل غالباً ما لا يجد التحرك الداخلي مشروعيته، حتي في أعين أصحابه، إلا في احتيازه علي علاقة مميزة مع هذه الجهة الإقليمية أو الدولية المتنفذة أو تلك. بذلك لا يجيء الحدث الطارئ الداخلي، في تحولات السياسة والإيديولوجيا، الا متصادياً مع أجواء متجاوزة لجغرافية الوطن الصغير. وتبرز هذه الظاهرة بصورة أوضح خلال العهد الاستقلالي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فلم يتوقف التباس المتغيرات العامة ما بين الوطني والآخر المختلف إقليمياً أو دولياً، عن حدود الانتماءات السياسية والأيديولوجية فقط، بل سريعاً ما كان يُترجم إلي صدامات دموية بين فئاته، وفي سياق اقتتالات أهلية متكررة ومتنوعة العناوين ما بين الطائفة والمذهب، وأحياناً بين حدي القومية والقطرية بل الجهوية. الأمر الذي ساعد علي اتهامها بكونها حروب الغير أو الآخرين علي أرض الوطن الجميل المجرَّح دائماً بأشواك جيرانه.لكن هذه اللوحة الاغترابية المحزنة تغيرت ملامحها فجأة مع الحدث الأكبر والاستثنائي الذي حققه النصر العسكري الفريد علي الجيش الإسرائيلي الهازم لجيوش الأنظمة العربية. إنها المرة الأولي التي لا تقع فيها حرب أهلية داخلية، بل حرب صمود واقتدار ضد العدو الوطني والقومي والإقليمي، (دولة) إسرائيل وجيشها الهمجي، المتفوق علي نفسه دائماً بنوعية الفظاعات المرتكبة بين واقعة وأخري، ومن ساحة عربية إلي سواها. لكن الهمجية الإسرائيلية المؤصلة، المدمّرة لبعض عمران لبنان لم تنجح في هزم إنسانه.فإذا كان النصر العسكري اللبناني قد ثبّت أحداثه الجديدة في خارطة الواقع الاستراتيجي، القطري والإقليمي، إلا أنه راح يجري إخضاعه لاختطافات التغريب عن حقائقه ومغزاه المصيري، كيما يُحال بينه وبين إنتاج مؤثراته ومفاعيله المنتظرة، في سياق الحياة الوطنية والقومية لمجمل قارة العرب والاسلام، وتغيير علاقات القوة مع أعدائها التقليديين من الصهاينة والأمريكيين. فهؤلاء يجهدون بكل طاقتهم في توجيه الصراع نحو الداخل حتي لو أمكن تحويل لبنان إلي ساحة عراقية ثانية. ومن ثم العمل علي إجهاض هذا الصراع من حمولته الوطنية السياسية ودفعه إلي اعادة الاصطفاف الطائفي والمذهبي المعتاد. ذلك أن معركة الصمود العسكري قد فرضت، ربما لأول مرة كذلك، تحويلاً جذرياً في طبيعة الفرز الطائفي التقليدي، فقد جعلته يتراجع إلي مرتبة شبه ثانوية، بحيث تقدمت عليه هذه الحالة الإيجابية من الفرز الوطني الجديد ما بين أتباع المشروع الأمريكي وغالبية الشعب اللبناني، التي تبنَّت معاني هذا الصمود تلقائياً، وتجاوبت مع مراميه السياسية القريبة والبعيدة. الأمر الذي يكاد يحدث تغييراً بنيوياً غير مسبوق في خارطة الاصطفاف الفئوي المتوارثة، وذلك باختراق حدود الطوائف والمذاهب المعهودة، وتجاوز خاصة تلك الثنائية العتيقة المتحكمة في تاريخ المجتمع اللبناني، ما بين الدينين الكبيرين الاسلام والمسيحية، كمتعارضين دائماً علي مستوي القيادات السياسية في الأقل.لكن إفشال العدوان الإسرائيلي الذي استهدف تدمير البنية التحتية لحضارة لبنان، خلق رأياً عاماً ما فوق الطائفيات والمذهبيات، وكشف عن لُحْمة تشاركٍ وتعاضد عفوي وعضوي جامع لشتات الصورة الاجتماعية الرائجة عن هذا البلد عادة. فكان لا بد لهذا المتغير الثقافي الحاسم من أن يعكس مستجداته علي بنية السلطة الحاكمة المشكّلة في معظمها من طبقة محترفي التسلط والفساد، منذ أيام الحرب الأهلية، ومن بعدها وصاية النظام السوري. وكان من المفترض أن تطيح بها (ثورة الأرز) تحت شعار التحرير واستعادة الاستقلال ـ آذار 2005 – لكن سرعان ما استطاعت هذه الطبقة اختطاف أهم ثورة شعبية حقيقية عرفتها الحياة العربية المعاصرة، التي دفعت بأكثر من ثلث الشعب اللبناني، وبقيادة طلائعه الشابة من كل الطوائف والأطياف الاجتماعية إلي ساحة الحرية، وسط بيروت، مؤذنةً بولادة صيغة المجتمع المدني بالنسبة للبنان وللوطن العربي كله.واليوم، وبعد مضي عام ونصف علي الحالة السياسية الشاذة المسيطرة علي جميع مناحي الحياة العامة في ظل الاستئثار بالحكم من قبل تلك الفئات عينها التي كانت دعامة وأدوات للوصاية الإقليمية – السورية – مقابل تمتعها بحرية التسلط والنهب الجماعي المنظم لمجتمعها، ومن ثم تطوعت سريعاً لتكون أداة للوصاية الدولية – الأمريكية مقابل التمتع بذات عاداتها القديمة في ممارسة الفساد والافساد العلني، ودونما أدني خشية من محاسبة شعبية أو قانونية، مع مزيد من إغراق لبنان في وعثاء المديونيات العالمية من كل جنس ولون.. نقول بعد هذه التجربة المريرة في إحباط مسيرة الاستقلال المستعاد، وتعقيمه عن إنتاج أولويات المجتمع المدني المنشود، فقد جري تحويله إلي مجرد استفراد سلطوي فئوي بالمصير العام، مع إعادة استتباعه، عضوياً إن أمكن لمشروع الشرق الأوسط الأمريكي.لم يكن ثمة من وسيلة ناجعة للتغطية علي الإمعان في اختطاف مسيرة الاستقلال المستعاد، وتكريسه كلياً لمصالح اللعبة الدولية، أفضل من افتعال معركة سياسية وإعلامية شرسة ضد المقاومة. فقد لجأت السلطة الفئوية، خلال الفترة السابقة علي العدوان، إلي مختلف أساليب الضغط والمناورة ضد حزب الله لعله يتخلي عن سلاحه سلمياً وسياسياً؛ ولما أعيتها كل الحيل صدر الأمر الأمريكي إلي جيشه الإسرائيلي في اجتياح الجنوب اللبناني والوصول إلي ضاحية بيروت نفسها، وذلك باستخدام أحدث أسلحة التدمير الذكية في تصحير لبنان ككل تحت حجة الحرب ضد حزب شعبي وحده اسمه حزب الله . لكن الفشل السياسي للسلطة داخلياً ضد المقاومة، تبعه الإفشال العسكري للعدوان الإسرائيلي الأمريكي، لم يعزز فقط من نظرية الاعتماد الذاتي للعمل الوطني وقدراته غير المستنفدة، بل عمل علي تعرية السلطة الحاكمة من آخر أقنعتها الوطنية، بسبب الأداء الحكومي الملتبس خلال معارك العدوان، ومحاولة تحييد الدولة عملياً إزاء المواقف الوطنية والإنسانية المطلوبة منها في أحلك ساعات المصير العام التي مرّ بها الوطن الجريح.من هنا ارتفع مطلب حكومة الاتحاد الوطني كحل للمأزق الأكبر الراهن، وليس تصعيداً له. إنه المأزق الأخطر في مسيرة الكيان اللبناني، في وحدته واستقلاله، إذ تتشابك فيه كل عوامل الحالة اللبنانية، البالغة أوج تصعيدها منذ بداية الحرب الأهلية قبل ثلاثين سنة، وعبر كل فصولها الحارة والباردة. إنه المأزق الذروي الذي يعلن إبطال كل التسويات التي سبقته، وقد أثبتت الأحداث عجزها جميعها عن المعالجة الجذرية الشاملة، إذ كانت غالباً ما تهتم ببعض عناصر الأزمة الراهنة دون سواها، وفي ظروفها الآنية، دون عمقها التاريخي.هذا اليوم من الأسبوع الحالي موعد لبناني وعربي تاريخي حقاً. إذ تلتقي فيه زعامات الأمر الواقع حول (طاولة مشاورات) كما تدعوها، علي أمل اجتراح تسوية لا كسواها، للمأزق البالغ حد التفجر الأخطر. فهل تكون الطاولة الأخيرة التي تُنصب علي حافة هاوية (الهاويات)؟ إذ لن يكون بعدها إلا صمت التاريخ. أم أن الجميع قد يتلاقون هذه المرة علي حد مبدأ الإنقاذ الذاتي الذي ربما تغلب في جدواه علي كل تغريب أجنبي اعتاد استراق الحدث الوطني اللبناني من براءته وقوته الأهلية.المايحدث اللبناني هذه الأيام الفاصلة قد يأتي بالتحدي البطولي ضداً علي كل الواقع العربي البائس، أو أنه يغرق فيه كآخر زهرة في مستنقعه.9