في المحاضرة السنوية التذكارية الثالثة لتخليد ذكري ادوارد سعيد:
لندن ـ “القدس العربي” ـ من سمير ناصيف:
القت الروائية والناقدة البريطانية المصرية الأصل اهداف سويف المحاضرة السنوية التذكارية الثالثة لتخليد ذكري المفكر الفلسطيني ـ الامريكي الراحل ادوارد سعيد.
والقيت المحاضرة وهي بعنوان قلب المسألة: فلسطين في العالم اليوم بدعوة من قسم دراسات الادب المقارن في جامعة واريك البريطانية العريقة، علما ان سويف لها مؤلفات ادبية عديدة وكانت صديقة لسعيد ومعجبة بنتاجه الادبي وقريبة من مواقفه السياسية الجريئة.
وتحدثت في مطلع كلمتها عن حفرة عميقة كانت موجودة في قصر واريك القديم حيث كان يرمي فيها الناس المفترض ان يتم نسيانهم، وعن قشعريرة الخوف التي انتابتها عندما رأت هذه الحفرة للمرة الاولي في زيارتها للقصر عام 1985. ثم قالت بأسف انه توجد حفرات مشابهة في العالم الذي نعيش فيه اليوم، ترمي فيها جثث الذين يفترض نسيانهم، ولكن ليس علي اثر قرار من اقطاعي او بارون من القرون بل عبر قرارات قيادة اقوي دولة في العالم اليوم تعتبر نفسها الممثلة التي انطلقت منها شرعة حقوق الانسان. بيد ان ماكيناتها الحربية الطائرة ترمي البشر (المفترض نسيانهم) في حفرات الموت العصرية الكثيرة.
وتساءلت سويف لماذا، وفي الوقت الذي يجب ان تتوحد فيه البشرية سعيا للعثور علي حلول لقضايا البيئة الانسانية الشائكة وعندما يجب ان نشفي كوكبنا الجريح ونعيد اليه صحته وجماله، فاننا قررنا ان نشن حربا زائفة علي الارهاب؟.
واعتبرت انه بعد الانجازات الانسانية والاجتماعية الكبيرة التي تحققت في القرن العشرين، فاننا في مطلع هذا القرن نعيش في عالم تسوده الفوضي وحيث تشن الدولة التي يفترض ان تكون الحكم النزيه والشرطي الصالح لهذا العالم حربا غير شرعية تعاونها فيها وتحرضها عليها بشكل رئيسي بريطانيا.
وأوضحت انه عندما خاضت الحكومة الامريكية الحرب الاخيرة ضد العراق، كذبت علي شعبها وعلي الامم المتحدة وعلي العالم. وهي تستمر في كذبها حول دوافع هذه الحرب وطريقة تنفيذها، وادائها فيها، والآن تكذب حول الاستراتيجية الممكنة للانسحاب منها، في وقت تمهد فيه لحرب جديدة، هذه المرة علي ايران.
واضافت انه عندما تقصف صديقتها وحليفتها اسرائيل لبنان بالقنابل المدمرة تحبط امريكا (ومعها مرة اخري بريطانيا) الجهود الرامية لاعلان وقف اطلاق النار.
وفي الوقت عينه، تستمر اسرائيل في احتلال الضفة الغربية، حسب قولها، علي رغم صدور قرارات من الامم المتحدة شاجبة لهذا الامر اكثر من أي قرارات في شؤون اخري، منذ تأسيس الامم المتحدة، ومع ان اسرائيل تستمر في مخالفة ونقض المعاهدات الدولية المختلفة.
كتاب ادوارد سعيد الاستشراق، تقول سويف، نشر منذ ثلاثة عقود، واحدث تغييرا في نمط معالجة شؤون ودراسات الشرق الاوسط، انتشر في العالم برمته، وأثر علي توجه الباحثين المعتنقين لمبادئه وجعلهم غير مفيدين للشؤون الاستخباراتية في الحرب علي الارهاب حسب اقوال شهود من عالم الاستخبارات الامريكي.
وعندما اعيد طبع الكتاب في عام 2003، قالت سويف، كتب ادوارد سعيد في مقدمته الجديدة: اتمني لو كان بامكاني القول بان الفهم العام لقضايا الشرق الاوسط والشؤون المتعلقة بالعرب والمسلمين في الولايات المتحدة تقدم، حتي الي حد ما، ولكن للأسف فانه لم يفعل ذلك. وتحدث سعيد، حسب قول سويف، عن تحجر المواقف، وانتشار التعميمات التي تحط من قدر المفاهيم، والكليشيات الانتصارية، وهيمنة التوجهات السلطوية الفجة والاحتقار التبسيطي للمنشقين وللآخرين.
وقالت بحسرة ان هذه كانت آخر قطعة نشرت مما كتبه ادوارد سعيد من افكار قيمة.
واكدت سويف بان فلسطين كانت دائما قريبة من عقل وقلب سعيد كالقضية السياسية الاساسية في عصرنا، ولهذا فانها (اي سويف) اختارت ان تضع فلسطين في قلب محاضرتها في هذه المناسبة. ورأت بان موضوع المحاضرة هو ان المشروع الصهيوني في اسرائيل ـ فلسطين في طريقه الي الفشل، والسؤال الاساسي المتوجب طرحه هو ماذا ستكون انعكاسات هذا الفشل؟ وكيف بالامكان تعزيز النتيجة التي نفضلها في هذا الشأن؟
وقرأت سويف في محاضرتها رسالة نشرت في صحيفة الاندبندنت البريطانية العام الماضي كتبها دان ماير، حفيد السير ليون سيمون، احد واضعي وعد بلفور، قال فيها ان الحل العادل الوحيد لقضية الشرق الاوسط هو نشوء دولة في فلسطين يعيش فيها اليهود والمسلمون والعرب والاوروبيون في بوتقة واحدة ويتمتعون بحقوق متساوية وحصص متوازية. وهذا امر لم يدركه جدي.
واكدت سويف بأن المشروع الكولونيالي (الاستعماري) الاستيطاني لا يمكن ان ينجح، حسب ما اثبته التاريخ، الا عبر التخلص من السكان الاصليين في البلد الذي ينفذ فيه، اما عن طريق قتلهم جميعا او الاقتراب من هذا الهدف، كما حدث في امريكا الشمالية مع الهنود الحمر.
واضافت ان المشروع الاسرائيلي ـ الصهيوني يواجه حاليا ثلاث مشاكل، أولها وجود اكثر من مليون فلسطيني يملكون الجنسية الاسرائيلية ولم يتم تطهيرهم عرقيا في عام 1948، وثانيها وجود ما يوازي الثلاثة ملايين فلسطيني في اراض ليست اسرائيل مستعدة للتخلي عنها، وثالثا تواجد حوالي الاربعة ملايين فلسطيني في اماكن مختلفة من العالم قرروا عدم التخلي عن حق العودة الي وطنهم، الذي وفره لهم القانون الدولي. وفي الواقع المشكلة بالنسبة للمشروع الاسرائيلي الصهيوني، برأيها، هي مشكلة واحدة تتمثل بوجود الفلسطينيين علي هذه الارض.. واعتبرت سويف ان عددا اكبر من الاسرائيليين بدأ يدرك بان الصهيونية لا يمكنها الافلات من ماضيها وانكاره، وانهم يشاهدون بأم عينهم كيف استوعبت اسرائيل الاجزاء الكبري من الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية وضمتها الي اسرائيل، مما يجعل فصل الاسرائيليين والفلسطينيين في دولتين غير ممكن تحقيقه بشكل عادل ومنصف.
واستشهدت سويف بأقوال اسرائيليين معارضين للصهيونية حول ما قالته في هذا الشأن. واضافت قائلة انه في نهاية عام الالفين بدا من الواضح ان الفلسطينيين ليسوا راغبين بالغياب من الوجود وقرروا الصمود ودعمهم فلسطينيو الداخل فقتلت القوات الامنية الاسرائيلية 13 من هؤلاء، وارتفعت اصوات الفلسطينيين في الشتات دفاعا عن اخوانهم.
اما في العالم العربي، فعلي الرغم من مواقف القادة، استمرت فلسطين بالتواجد علي رأس اجندة الشعوب العربية، وظلت قضيتهم الاولي وبقيت قضية اساسية في دول العالم غير الغربي. وحتي في الغرب نفسه بدأ الرأي العام يتغير بحيث صار ينظر الي اسرائيل كما هي في الواقع وليس عبر نظارات مشوشة الرؤية.
واشارت سويف الي قول ادوارد سعيد ان الشعوب لا يمكن ان تنهزم الا عندما تقرر الاقرار بهزيمتها وقالت ان اسرائيل لن يكون بامكانها دفع الفلسطينيين الي هذا الاقرار، بل سيظل الفلسطينيون صامدين امام كل محاولات اسرائيل لتقسيمهم وازالتهم وفرض الضغوط عليهم.
وتساءلت سويف: ماذا بامكان اسرائيل ان تفعل ازاء هذا الموقف الفلسطيني الصامد؟ واجابت بان اسرائيل مستمرة في برنامجها الصهيوني التوسعي وبممارسة الاغتيالات والتدمير ومعاودة غزو الضفة الغربية وغزة والاستمرار في بناء الجدار الفاصل. وبالتالي فانها سطرت مستقبلا مليئا بحروب جديدة.
واستشهدت سويف بأقوال لرئيس الاركان الاسرائيلي دان حالوتس يؤكد فيها بان الصراع مع الفلسطينيين لا يمكن حله وهو صراع دائم ومستمر.
والمشكلة بالنسبة لحالوتس، حسب تقييمها، هي ابقاء هذا الصراع علي مستوي يمكن ان يقبل به المجتمع الاسرائيلي. ورأت سويف بأن التعاون بين الجيش الاسرائيلي ومجموعة وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد يري بان الحل للمشكلة يكمن في وضع الفلسطينيين خلف جدران وقتلهم وقتل قادتهم.
واشارت سويف الي ارتباط مشروع القضاء علي الفلسطينيين بمشروع القضاء علي العراق، حيث ذكرت برسالة وجهها المحافظون الجدد في امريكا في عام 1998 الي الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون اعتبرت بان السلام في الشرق الاوسط يمر عبر بغداد ووقعها نجوم نظام بوش الابن الحالي جون بولتون وزلماي خليل زاد وريتشارد بيرل ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتز.
ورأت سويف ان هجمات 11 ايلول (سبتمبر) 2001 علي نيويورك وواشنطن شكلت ورقة بيد المحافظين الجدد في الادارة الامريكية ومشروعهم في اسرائيل والعراق. وربط قادة اسرائيل (من مختلف التوجهات) بين ما حدث في امريكا وما يحدث في اسرائيل من ارهاب عربي اسلامي. وفضح هذا التوجه بالنسبة الي مفهوم الارهابي المسلم المفكر الاسرائيلي المعادي للعنصرية لدي شعبه ايلان بابي، حسب قولها.
وبالتالي اكدت سويف استمرار محاولة اسرائيل والمشروع الصهيوني فيها، بالتحالف مع المحافظين الجدد واليمين المسيحي المتعصب في امريكا، تضخيم خطر الارهاب العربي ـ الاسلامي وتصعيد النزاع وتحويل انظار العالم عن النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وتركيزها علي العراق وافغانستان ولبنان وايران والسودان. وصار العدو للعالم الغربي عدوا يصعب العثور عليه، ويستحيل التفاوض معه وهو يكرهنا لاننا غربيون وليس بسبب ما نفعله ـ وهذا، برأي سويف، جزء من السياسة الاسرائيلية ذات الاهداف البعيدة المدي من أجل استقطاب عطف العالم الغربي، منذ ايام ثيودور هرتزل مؤسس الصهيونية وحتي الآن.
وفي ظل هذه الاجواء، قالت سويف، شنت الحرب الامريكية ـ البريطانية علي العراق في عام 2003، وظهر وكأن الادارة الامريكية تريد ان ترتب العالم كما يجب قبل ان تتعرض لهجوم منه.. وأوضحت سويف دور اسرائيل في الترويج للحرب الامريكية علي العراق واعطت امثلة حول هذا الموضوع وبينها التعاون بين ريتشارد بيرل واحمد الشلبي وغيرهما، في هذا الشأن.
كما ربطت سويف هذا الموضوع بما يجري للترويج لهجوم امريكي علي ايران وللتدخل الدولي القسري في السودان في المستقبل.
ثم عادت وربطت، برؤيتها الثاقبة، ما يجري في فلسطين والعراق بما جري ويجري في لبنان. وقالت: صحيح بان حزب الله اللبناني اختطف عسكريين اسرائيليين اثنين، ولكن هذا الأمر جري في نطاق نزاع حدودي بين حزب الله واسرائيل تمت خلاله اختطافات بين الجانبين وتبادلات رهائن عبر المفاوضات. وبالتالي، فان الرد الاسرائيلي المبالغ فيه قد يدعم النظرية القائلة بان اسرائيل وامريكا كانتا تحضران لحرب في لبنان في خريف عام 2006، وحدثت الحرب قبل ذلك. ولا شك في ان تلكؤ امريكا وبريطانيا في الدعوة الي وقف اطلاق نار سريع في هذه الأزمة يدعم هذه النظرية، حسب تقييمها. واضافت سويف بان سورية عرضت في مناسبات عديدة رغبتها في التفاوض مع اسرائيل لحل مشكلة الجولان العالقة بين البلدين ولكن اسرائيل وامريكا رفضتا التجاوب مع هذه العروض. كما اشارت الي عرض مؤتمر القمة العربي في بيروت عام 2002 لاسرائيل للتفاوض والذي لم تتجاوب اسرائيل معه.
واعتبرت بانه اذا استمر التحالف بين اسرائيل الصهيونية والمحافظين الجدد في امريكا، واذا استمرت اسرائيل في اختبار اسلحتها المتطورة الجديدة الخطيرة، التي تحصل عليها من امريكا، علي سكان غزة والضفة ولبنان، فان مستقبل المنطقة سيكون خطيرا الي اقصي الدرجات، واذا استمرت اسرائيل وامريكا في ممارسة التعذيب في السجون الرسمية وغير الرسمية التابعة لهما في بلدان عربية بينها سجن ابو غريب في العراق، فان العالم سيواجه ردود فعل من جوانب مختلفة، وفي اماكن متعددة وذكرت في هذا المجال ان اسرائيل دربت الشرطيين البريطانيين الذين قتلوا الشاب البرازيلي جان شارل دي مينيزيز خطأ في القطار النفقي في ستوكويل (لندن) العام الماضي، وانها تدرب العاملين في ما يسمي أمن العراق حاليا علي صعيد الشركات الامنية وغيرها، وفي افغانستان ايضا. وبالتالي، فان تعديات ترتكب ضد حقوق الانسان في العالم برمته بحجة مكافحة الارهاب، كما ترتكب تعديات ضد حرية الرأي وضد كتاب وكاتبات يحاولون عرض الحقيقة، كما هي، بطرق تخالف التوجه الصهيوني الامريكي المنحاز.
والسؤال برأيها هو: من يدير هذه العملية؟ اسرائيل او امريكا؟ وجوابها هو انها عملية مشتركة. وعما سيحدث في المستقبل قالت سويف: المؤسسات الانسانية العالمية تخشي حدوث تطهير عرقي ضد الفلسطينيين يزيلهم من الوجود. والفلسطينيون، وليست اسرائيل هم في خطر من الزوال، ولكنهم باقون وصامدون برغم كل هذه المحاولات.