كرنفال البوبيّات

حجم الخط
0

كرنفال البوبيّات

إنصاف قلعجيكرنفال البوبيّاتينفجر بالون في صدري..ثم يرين صمت.تمور بالونات وتتدحرج أمامي علي الدرج..أحمر أزرق..ويتوه بي الأصفر.بلهاء ربما كانت ، تتساقط مع البالونات إلي الأسفل..السقوط دائما للأسفل.لو فقط بقيت التفاحة علي الشجرة ولم يلحظها النائم تحتها. هل بردت خطاها علي الدرج من شدة الخوف..لعلها..كان الليل يغمر الغرفة وقطع الأثاث/يتسلل ضوء خافت عبر الستارة المسدلة وينعكس علي الخزانة المقابلة حين نطت من سريرها. الصراخ يعلو..ماما..ماما..وبلقيس ، حفيدتي ، تنهرها معلمة الفرنسي(بوتي ديجونيه) والصغيرة بعنادها تردد: الفطور،وأنا ما بحب الفرنساوي.والأطفال داخل الحضانة يصرخون/ قالوا بأن قاضي الأولاد شنق نفسه/لا أحد يجرؤ هذه الأيام لفزعة بين الصغار/..الصراخ يعلو/نطت تتمتم بسم الله الرحمن الرحيم اللهم اجعله خيرا/ظلام داكن أقرب إلي الكحلي/هلع/يتسرب ضوء القمر قليلا عبر الستارة/تعثّرت بالغطاء الملتف حول ساقيها/أين الضوء..مدّت يدها تتحسس السرير الآخر..قلم رصاص ، صحف ، بعض الكتب مفتوحة عند صفحات لم تكتمل قراءتها بعد/أين زر الكهرباء..يعلو الصراخ..ماما..ماما.أسرعت إلي الباب.الباب مغلق/أين المفتاح ، ضاع ضاع المفتاح/عبثا تلوب أين المفتاح/تروح تجيء..كان المفتاح في مكانه .أدارته وأسرعت تقفز الدرجات إلي أسفل/ماما..مااااااااماااااااا!!تمسك الدرابزين وهي تشمر عن ساقيها لئلا تتعثر بقميص نومها/ما..ما/عشرون درجة وهي تهرع لغرف البنات.ظلام دامس.أشعلت ضوء الممر.صمت.صمت.الضجيج في رأسها ماما/منذ زمن طويل وهي تسمع هذا النداء ، لعله مذ كبرت البنات ، لعله منذ..إقتربت من الباب ببطء ، وضعت إذنها ، أصغت..فتحت الباب برفق.سمعت أنفاسها.أغلقت الباب.فتحت الباب الثاني .كانت الصبية تقرأ في سريرها.نظرت إليّ مستغربة/قلت :لا شيء/الباب الثالث/كانت الثالثة نائمة..إنسحبت بهدوء وحيرة إلي غرفة الجلوس وارتمت علي المقعد الطويل.ـ عبير..عبير في المحمودية ، تصرخ من العراق..ينهشها الجنود الأميركان.أصم أذنيّ ، ماما..هدي علي شاطيء غزة..بابا..ماما..بعد أن دمرتهم قذيفة صهيونية/ ..دم في كل مكان يأتي مع العويل.طفولة تنتحب وأنا أنتحب.ـ تمسك الصغيرة بسترتي ، تشدني ، ترجوني أن أبقي معها في الحضانة.كان عليّ أن أقطع مسافات عبر قطارات لأصل إلي الجامعة وأري أستاذي.المطر ينهمر بغزارة ..ثم ضباب كثيف..ثم مطر..مطر./ترددت ، كيف أتركها بين قوم لا يعرفون لغتها ، ودموعها تستنجد بي/تتشنج روحي/تنتابني رغبات التقيؤ في طريق العودة حين نقطع الطريق سيرا علي الأقدام / والأخري بلقيس داخل رحمي ، صامتة ، لعلها تدرك كم تعاني أمها..ماما..ماما..ـ أسرع للأخري عبر الهاتف/بصعوبة أتذكر رقم هاتف بيتها/جاء صوتها مرعوبا/قلت وأنا أشهق:هل ناديتني/قالت :سلامة عقلك ماما/وأسرعت بإغلاق الهاتف.ـ أسأل :هل انتهي دوري بعد أن كبر الصغار/وما يزالون يعبرون ليلي بتوهجهم/بضحكاتهم/بألعابهم/بكتبهم/برسوماتهم/والروح تتطهر بالمكوث مع الأطفال كما قال كاتب كبير/أما خوزيه أركاديو وقد اهترأ في عباءة الزمن ، فقد ” كانت سلواه الوحيدة أن يجمع أطفال القرية ويأتي بهم كي يلعبوا عنده.كان يري معهم وقت القيلولة وهم يقفزون في البستان علي الحبال ويغنون تحت الشرفة ويلعبون ألعاب التوازن علي أثاث غرفة الجلوس وهو ينتقل من مجموعة لأخري يلقي عليهم دروسا في حسن السلوك….وكأن البيت صار مدرسة داخلية لا نظام فيها”(مائة عام من العزلة).ـ إلي شارع بلقيس المتفرع عن شارع أريتيريا في أم أذينة ، أشد رحالي ربما كان أمس/هل حقا ما قاله أحدهم بأن الوصفة لسعادة كاملة هي أن تكون مشغولا جدا بشيء غير مهم/ولكن حين يرحلون من عالم طفولتهم ، يتركون ذاكرتهم لي../ماذا فعلت الصغيرة بلقيس بي/وقد قالوا:الفالحة بتغزل علي ذنب كلب/قالت:تمددي علي الكرسي بس ليش عيونك كبار يا تيته/لم تكن قد أكملت الرابعة/لن تكوني صغيرة أبدا/نسلت خيطا من علبة الجبنة/لعلها البقرة التي ضحكت قبل حادثة هولندا/وضعت الخيط الأحمر في طرف فمها وقالت بجدية:لا تتحركي واقتربت بالخيط من وجهي/ماذا تفعلين/قالت:أزيل الشعر عن وجهك/من علّمك هذا/قالت:هيك بيعملوا في صالون الشعر/…شعر البنات/الحلوي الوردية حين يمر البائع في الحارة مسبوقا بصوت الهارمونيكا الشجي لتدل عليه/ما يزال الشجن في أذنيّ وطعم الحلوي يذوب في فمي.ـ أخلع أوجاعي وأقنعتي وأدخل في محرابهم..الحضانة /يأتون دائما باكرين ، بعيدا عن حضن الأم الدافيء ،وما يزال الحبل السرّي يمتد / من قال إنهم يقطعون الحبل السرّي عند الولادة /وقد قالت أمي:الحمد لله علي الخلاص والخلقة بين الناس/النوم في عيونهم ، يحملونه مع مناماتهم العالقة تحت ثيابهم/هل كان لي طفولة مثلهم/ذهبت إليهم لأبحث عن طفولتي بينهم/لأبحث عني/كرنفال طفولي/صواريخ ورقية ملونة تتطاير /صخب مرح ضحكات/يريدون أن أصنع لهم طائرة ورقية/كدت أقول لهم بأنني أخاف ذكر الطائرات/طائرات تحمل دائما دمارا/ينشلني من غيابي أصوات بالونات تفرقع/يقفزون فرحين/نريد طائرة ملونة/أجلس بينهم علي كرسي صغير حول طاولات صغيرة ملونة/أذوب بينهم/صخب/لكنهم يثيرونني بعالمهم البريء/قلت:أنا جاك/وجموا/جاك عازف المزمار .هل تعرفون القصة/هزوا رؤوسهم بالنفي/جاك حين صفّر في مزماره ، لحقه كل أطفال المدينة ،كما تفعلون حولي الآن/طفولة ، ضجيج ، والمعلمة تلاحقهم ليلتزموا الهدوء/راشد يقبّل ساندرا/يتعانقان/لا يتركان للأيام القادمة سوي عبق طفولة بريئة من خلال شفاه صغيرة/أين طفولتي/وجه ملفّع بالشجن /هاتفني الصغير قال :تعالي باكرا للحضانة في الساعة الواحدة/إختار أصغر الأرقام لاعتقاده بأنه أقرب وقت/تشدني ساندرا من كمي وتسألني:هل تحبين توم أو جيري/قلت:بالطبع أحب الفأر جيري فهو الأذكي/هبة تتأملني:ليش عيونك كبار/كما قال الذئب لليلي/كي نبقي حذرين من أزمنتنا البشعة/لم أقل ذلك/يا تيتة/هكذا يناديني الصغار/قالت بالأمس يا تيتة ليش بتدخني/لأنني حيوانة(يا مواكب العصافير)..جفلت الصغيرة حين كانت غاطّة في الرسم وقد انطلق صوت المؤذن/أسرعت إلي الهاتف/الانتركوم/همست :من فضلك وطّي صوتك/نهرتها دون أن أعرف أو تعرف.(بقيت رائحة أمي عالقة بي رغم أنها كانت موزعة بين تسعة أطفال.رائحة أمي منذ زمن غابر..كما هي رائحة كل الأمهات تبقي عالقة في ملابس الأطفال..رائحة الحليب الأول ، اللمسة الأولي علي الثدي ، الحنان الأول ، غبش وأحزان متتالية)..أمسك بيد بلقيس الصغيرة/أغني لها:منيمشة منيمشة بعتتني ستي عيشة/تسحب يدها ولسان حالها يردد ما أسخفك/تلك أغان من أزمنة أخري/وتركت الأراجيح تطوّح لوحدها في الأعالي. طفل في حضني/آخر يعبث بشعري/ترتفع أصواتهم فجأة بالغناء/العنكبوت النونو نزل عن السطح/أغني معهم/وأغيب في متاهات الداخل/تغمرني عيونهم بالتساؤلات/ماما..ماما/يعود النداء/هل تحررت حين كبر الأولاد/أغمض عينيّ/ها هي الحرية تغسل وجهي..تفركني مثل كيس الحمام الخشن/تجدد خلاياي/تأخذ معها بقايا من عهود سابقة/عبودية/أيتها الغيوم اعبري سمائي لأعطيك ما تبقي من الروح/…وكما تنسل روح من روح ، تنسل المشاهد الموجعة ، وتنسل ندي الصغيرة من روحي… /في بيتنا وجع.طائرة ورقية!كان الصيف يثيرني لأصنع طائرات ورقية من أعواد القصب والأوراق الملونة/مقصات /أوراق لاصقة والخيطان(المصّيص)..ليفرح اخوتي وبعدها أطفالي../ وبعد ساعات من العمل الشاق الممتع ، تعلق الطائرة في عامود الكهرباء ، ويبدأ العويل /نريد طائرة أخري/ أيها القناص ..تعال اقنصني كي أرتاح /لماذا ذهبت إليهم..إلي الأطفال/ربما لأري طفولة ما عشتها /ما عرفت منها سوي حنين مبكر للمجهول/وقد كانت الرغبات تنمو بخوف/وأخوة يتصارعون/وحب علق بالذاكرة مثل نثار غبار/وكتب كانت عالمي إلي البعيد/وأطالس الجغرافيا/والسفن..والبحار البعيدة.تمرّ نسمة هواء ،تحرك الستارة البيضاء/أخاف أن أعود لغرفة النوم/أن تعود ماما ماما/وهو رحل/رحل من كل الماضي/قال :مسترجلة ! نسي أنني أحمل سيزيف علي ظهري منذ ولدتني أمي/وأحمله في رحمي الذي لا ينجب إلا بنات رائعات/وأحمل جراحات لا علم لأحد بها.تنهمر دموعي/مطر يشتاق لأرض صلبة/حنونة/وتراب عطش منذ دهر/أخفي وجهي لبرهة لئلا يلاحظ الأطفال بكائي/وفجأة يأتي صوت هبة:طيب ليش ليلي قبل ما يجيها الذئب ما كان عندهم سيرلنكية/كانت الحياة أجمل/وكانت الدنيا أمان يا حبيبتي../ سيف يا سيف ، يمد يده ليلمس وجهي/لماذا أنت متوحد يا سيف/الزمان أمامك طويل.. لتتوحد/تكلم أسمعني صوتك/لكنه لا يتكلم/أعانقه/يعانقني بقوة/ويغمر وجهه في صدري / تمتد يده الصغيرة إلي ثديي/صرخت هبة واحمرّ وجهها/تيته بدو يرضع من الزيزيه/وغشي الصغار من الضحك/بلقيس تعلّق: هوّه مو بوبّو/يسحب سيف يده خجلا/أتحسس الثدي الآخر/ذاك زمان آخر/كل جمال آيل إلي الخراب/ أنا الطفلة ذات الروح المهشمة/. الشموس الملونة تزين الجدران /والأصابع الصغيرة ترسم الأشجار/شمس حمراء تشرق علي بحر وقوارب صغيرة/لكنها ليست مثل شمس “الغريب” /أيها الغريب لماذا تحدق بالشمس وبالنصل يعكس أشعتها..يتزاحم الأطفال للذهاب إلي الحمام/كلهم يريدون”نونو”/وقد اكتشفت المعلمة أن بلقيس تذهب إلي الحمام بكثرة/تبعتها يوما لتجدها لا تذهب للحمام وإنما تجلس في بيت بلاستيكي ملون للأطفال تأكل الحلوي التي أحضرتها من البيت/كميات هائلة من الحلوي/حدقت في عينيها عاتبة/وقد قالت المعلمة:إذا أردت أن تعاقب شخصا فانظر في عينيه مباشرة/لغة العيون/المحاكمة/القضاة/الإدعاء/وقد حذروهم : إياكم أن تنظروا في عينيه.عاد الأطفال من الحمام/قالوا إحكي لنا قصة/ إنتظروا يا عصافيري (يا مواكب العصافير..نطرتك أنا..ندهتك أنا رسمتك علي المشاوير) ، هل تحبون الملبّس /كلهم وبصوت واحد: ياي ياي /أخرجت من حقيبتي كيسا صغيرا مليء بالملبّس قضامة وردية وبيضاء كانت تسمّي ملبّس الملك حسين ، لا أعرف لماذا/يطلون برؤوسهم داخل الحقيبة/لمحت بلقيس صورة ، قالت : تيته هادا هادا/وضعت أصبعي علي فمها/عادت تسأل: صح تيته هوّه بالسجن/هززت رأسي/طيّب تيته ليش حبسوه/لأنه ما عرف كيف يقول نعم/صح تيته اليهود حبسوه/نعم اليهود والأميركان و و و/نثرت لهم الملبّس علي الطاولة/وعددت لهم القصص التي أعرفها/قالوا نعرفها كلها ونريد قصة جديدة.(كان اسمها أمونة/ضحكوا من الإسم/كان عماد يحبها من دون بنات الحارة،يجلسان عند الغروب ، يرقبان الغيوم تزداد سوادا /تتجه أنظار الأطفال نحو النافذة ليروا الغيوم / يهرب إلي أمونة حين تنهره أمه/إلي بيت الجيران/إلي أمونة/حين تفتح أمها الباب يركله مسرعا إليها/يعانقهاويبكي/ (سوا ربينا) يا أمونة/وكبر عماد وكبرت أمونة/والأغنية علقت/ (معقول الغياب يمحي أسامينا)/وراحت ، يا أولادي ، أمونة إلي بيت الزوجية/فتيتم عماد/كبر وما عادت أمه تضربه)/يا ليتها بقيت تضربه وبقيت أمونة…/صمت طويل ران علي الصغار/صرخت هبة فجأة:ليش أمونة تركت عماد/نهرتها بلقيس بحدة: لأنها حيوانة يلعن أبوها صح تيته؟/ همست في أذنها: صح يلعن أبو أبوها/ نهرتها المعلمة/عيب عيب/أطاطيء رأسي فوق الملبّس/تتناثر الحبات وتتساقط علي المقاعد الصغيرة/تحت الطاولات/وأترك الصغار يعبثون بشعري/بحقيبتي/وهم يغنون/العنكبوت النونو..ـ ألمّّني فوق السرير/وأصغي إلي ضجيج يأتي من كل الجهات.كاتب من الاردن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية