بين غيمتين، بين لغتين
رشيد برهونبين غيمتين، بين لغتينبين غيمتين يستظل النص بالانتماء المتعدد المزدوج، وبين لغتين ينتصب المثني ليخلق التباس الانتماء إلي المترجم والكاتب، ولكن أليس المترجم كاتبا؟ ولم الهوس بنسبة النص؟ ألم يتحرر النص من الأب الواحد ليصبح ملكا لقرائه؟ لعالم الكتابة قوانينه الخاصة، وأولها أن له آباء بعدد قرائه، وهم في ديوان بين غيمتين مزدوجي اللغة ليصبحوا حينها مخيرين بين النظر هنا وهناك، ليتابعوا الحوار بين لغتين وشاعرين، أو بالأحري بين شاعرة وشاعر، وداد بنموسي وجلال الحكماوي. وقد يكون قارئ الديوان أحادي اللغة، لينصت حينها إلي أحد الصوتين الشاعرين، منطلقا من اليمين إلي اليسار، أم من اليسار إلي اليمين، فالصفحتان المتقابلتان تنضحان معا شعرا، قد يفيض عنهما ليتابع سيره الشفيف أصداء ومعاني تهجس بها نفس القارئ، فقارئ الشعر لا بد أن يكون شاعرا وهو يقرأ الشعر، ومترجم الشعر لا بد أن يكون شاعرا، قد لا يكتب قصائد، ولكنه يترجم الشعر شعرا أبعد من الوزن والقافية والروي، وأقرب إلي روح الشعر، يجتمع الشعراء إذن في حضرة القصيدة، هذا يكتبها أولا، وهذا يرحلها إلي اللغة الثانية ليعيد كتابتها، وهؤلاء يقرأونها أي يعيدون كتابتها مرات ومرات تعادل مرات قراءاتها. هكذا ألخص تجربة مرسم وقد اختارت أن تعيد الترجمة إلي أصلها، لتعدها كتابة أصيلة لا تستنسخ، ولكنها تنسخ النص، بالمعني المزدوج الملتبس للفظة النسخ أي كمحو وكمضاعفة. نسخ الشيء: كرره، ونسخ الشيء أي محاه، نحن إذن في قلب فعل الترجمة والكتابة، أي في المرسم وهو اسم مكان يلتقي فيه الشعراء ليترجم بعضهم بعضا. تراهن تجربة مرسم في صيغتها المزدوجة اللغة علي شجاعة المترجم وهو يكشف أوراقه، وقد التقي في الفضاء الواحد النص المصدر والنص الهدف، لتنطلق عملية المقارنة والانتقال بين النصين واللغتين، وتتناسل الأسئلة حول هذه الكلمة أو تلك، وهذه الصورة أو تلك، إما من منطلق البحث عن تطابق مستحيل يختزل الترجمة في عملية إيجاد المقابلات اللفظية ولا يعدها سوي عملية نقل حرفي يسعي إلي الأمانة بمعناها الأخلاقي الضيق، وإما من منطلق الإقرار بأن الخيانة في الترجمة، ولا سيما في الترجمة الشعرية، هي أفضل أشكال الأمانة. وتراهن هذه التجربة أيضا علي سماحة الشاعر وهو يري النص الأجنبي يزاحم نصه العربي، خاصة في الترجمة الشعرية التي هي تحويل واختلاف وإبداع، وهو أيضا يري أن تعبيره هذا أو ذاك اتخذ لبوسا آخر، باختصار، وهو يري قصيدته تكتب من جديد. لننظر فقط في هذه النماذج: غني ادخلي إليك… وارقصي(…) في السماء الصغيرة قرب النهر ثمة قارب Chante Vois en toi-mˆme…et danse (…) Dans le bleu du ciel Tout prٹs de la riviٹre Il y a une barqueتحول الدخول رؤية وتحولت السماء الصغيرة إلي سماء زرقاء، ليعلن النص أنه ناسخ بالمعني المزدوج للنسخ. وتقول الشاعرة: أرأيت…؟ النوم في حضن محارة أشهي من الموت علي صدر العبارة فيقول جلال الحكماوي: ٍVois-tu؟ Le sommeil dans les bras des coquillagesEst plus exquisQue la fauche de la mort dans la main des mots تتحول الصورة كلية، فإضافة إلي التحول من الصدر بإيحاءات الدفء الذي لا يجتذب الشاعرة وهي تستعيد صورة الرحم والماء في انغلاق المحارة ككائن مائي يحيل علي البدايات إلي اليد وهي توحي بالأحري بالشدة والاعتصار، يختار المترجم صورة كلية يصبح فيها الموت مرتبطا باختطاف الأرواح. إنه تحول يحدث ناتج عن استثمار بعض أجزاء الجسد وقد ترسخت في صور دلالية ثقافية، بل إن أغلب صور التحول تم في مستوي الجسد في شكل إضافات تمنح النص الفرنسي بعدا حسيا: حتي في صمتك تشبه ألمي (ص122)Mˆme dans ton silenceTu as le visage de ma douleur باحت لك الأعالي بأسرار الطيرLes hauteurs te murmurent dans le creux de l’oreilleLe secret des oiseaux من يآخيني وهذا الصمت؟ من يحلق بي قصيدةً وارفة الأسرار Qui me tendra?La main de ce silenceQui me mera sur un tapis volant?Poٹme obscur ہ كاتب من المغربعنت لي هذه الانطباعات وأنا أقرأ ديوان بين غيمتين أو لأقلEntre deux nuages، فللنص عنوانان ولي أن أختار القراءة من اليمين إلي اليسار، أو من اليسار إلي اليمين، بعيدا عن الانتماء الضيق الي يمين ويسار. # قدمت هذه القراءة في إطار فعاليات مهرجان المعتمد بن عباد تموز (يوليو) 2006 بمدينة شفشاون. 1 بين غيمتين لوداد بنموسي وترجمة جلال الحكماوي إلي الفرنسية، منشورات مرسم، 20060