اتسع الفضاء فضاقت الحرية وكلّ العالم أصبح كوريا!
توفيق رباحياتسع الفضاء فضاقت الحرية وكلّ العالم أصبح كوريا!يبدو انها امة تستهلك من الكلام والصور اكثر مما تستهلك من الخبز والماء. والدليل مئات القنوات التلفزية التي تنطلق من مدينة الاعلام في دبي وحدها. هو خلل في حياة الناس، لكنه ليس عيبا. في الغرب، بريطانيا مثلا، قد يكون الحال اسوأ من عندنا. يدخل التلفزيون في حياة الاسرة، بين الزوج وزوجته، الاب وابنته، ناهيك عن تغلغله في المجتمع. من الان تتحدث الصحف عن برامج التلفزيون في اعياد الميلاد، اي قناة تحضّر ماذا، وتوقعات بنسب المشاهدة وغيره. وفي الايام الاخري لا يمر يوم واحد دون ان تقرأ في الصحف عن التلفزيون اكثر مما تقرأ عن رئيس الحكومة والملكة اليزابث الثانية. ربما هناك فرق في كون التغلغل هنا، خارج الازمات المحلية والعالمية الكبري، اغلبه فني اجتماعي له علاقة بالاستهلاك الاقتصادي والاجتماعي، بينما لا زالت شرائح واسعة منا، حكاما ومحكومين، تربط التلفزيون بالسياسة.والسياسة هي المشكلة. لاننا شعوب لا تمارس حقوقها السياسية كاملة في الواقع، رحنا نمارسها عبر شاشات التلفزيون من خلال الاستمتاع ببرنامج ما، او من خلال اتصال هاتفي للتعليق بكلمة او جملة (غالبا ما يحرمك المذيع من اتمامها).هذا ما يجعلنا نصدّق ونستمتع بالكلام القائل ان الحدود سقطت امام الصورة والكلمة، وان الرقيب (العربي طبعا) الذي يلجم الرأي الحر استسلم امام قوة الصور والاخبار العابرة للقارات. وكثيرون منا يتشفون في حكام وملوك لجّموا الاعلام المحلي فجاء من ينكد سكينتهم من الخارج. وقد يكون هذا المنكّد جارا.غير ان كثيرا من الاحداث تثبت، باستمرار، ان الفضاء ليس مفتوحا ولا هم يحزنون. يمكن الجزم بالعكس تماما، بقدر ما اصبح الفضاء مفتوحا وانتقال الصورة والكلمة اسهل، بقدر ما سهلت مراقبتهما وحصارهما.وليعد من انتابه شك الي ارشيف ذاكرته في الاسابيع الاخيرة ويتذكر كم صورة حية ومفيدة شاهد من داخل كوريا الشمالية. ووليتابع مسؤولو القنوات الفضائية العالمية القنوات المنافسة ويسجلوا كم واحدة لديها مراسلون في بيونغ يانغ او اية مدينة داخل هذا البلد اللغز.يحدث هذا رغم ان كوريا الشمالية وضعت نفسها في قلب الاحداث العالمية باقدامها علي اخطر مغامرة علي الاطلاق باجراء تجربة نووية. وبرغم انها، جغرافياً، محاصرة باعتي قوي تكنولوجية فوق الارض: اليابان وكوريا الجنوبية والصين. فكيف حدث انهم جميعا عجزوا عن افادة العالم بشيء ما من داخل البلد اللغز.واذا ما اراد قائل القول ان كوريا الشمالية حالة خاصة بالنظر الي طبيعة حكمها السياسي المجهول للعالم، وبالتالي لا يمكن القياس عليها، اقول ان هناك نماذج اخري لكوريا الشمالية في منطقتنا: احداث التفجيرات التي تحدث في السعودية ممنوعة علي العالم الا من خلال قناة الاخبارية الحكومية. وهذه، عندما تصوّر، لا تفعل كمؤسسة اعلامية تهمها الحرفية، بقدر ما تتصرف كجزء من فريق التحقيق او من الكتيبة العسكرية التي تلاحق هذه الجماعة الضالة او تلك. واستطيع ان اجزم ان صور الاخبارية لا تخرج للدنيا الا بعد معالجتها وغربلتها محليا باشراف (علي الاقل بعلم) الجهات الامنية. والحجة هنا بسيطة وتجد من يتقبلها بسهولة: الحرص علي عدم ازعاج عمل المحققين والقوي الامنية في الميدان بنشر وصور ومعلومات يستفيد منها الضالون .ولا يختلف الامر مع سورية. عندما يقع حدث امني، يلتقط التلفزيون السوري صورا تشبه صور الاخبارية ، صور تزيد من الاسئلة بدل ان تقدّم اجوبة.ولسوء حظ رافضي هذا الامر الواقع، بامكان اية حكومة ان تتصرف مثل سورية والسعودية. لا شيء يمنع المغرب او الجزائر او باكستان او اي كان من فرض هكذا شيء. من السهل القول، اذاً، اننا امام ثنائية طريفة: عندما انفتح الفضاء انقفلت الارض. فالواقع الكوري والسوري والسعودي المذكور آنفا علي سبيل المثال، فرضه إقفال الارض. اذاً، المشكلة الان في الحصول علي الصورة او الخبر لا في انتشارهما. الانتشار ممكن باكثر من وسيلة ومتاح باكثر من اسلوب، من السرقة بكل انواعها، الي الاتفاقات بين المؤسسات والافراد والهيئات. لعلكم تذكرون ان في تفجيرات 11/9/2001 شاهد الناس صورا (اولي) علي شاشات تلفزيون تتزاحم فيها اللوغوهات (الرموز) مثل تزاحم السيارات بشوارع القاهرة، وتتداخل اصوات المترجمين كأنه مولد. سبب هذا ان مصدر الصورة واحد ومستعملوها الف. وحتي الفضاء، لا يصدّق انه مفتوح (او سايب) الا من يعانون من قصور في الذاكرة وغاب عنهم ان قناة المنار اللبنانية، مثلا، ممنوعة في اوروبا الشمالية وامريكا بقرار سياسي اتخذته اعتي الديمقراطيات. اناس بيدهم القوة خضعوا لابتزاز مجموعات بعينها فحكموا، نيابة عن ملايين المشاهدين، بان هذه القناة معادية للسامية فقرروا منع وصولها الي بيوتهم ليحكموا بانفسهم. وسمحت لهم قوتهم باضفاء شرعية علي قرارهم لا يصدّقها تلميذ في الابتدائي.الامر ينسحب ايضا علي الذين اعتقدوا ان الانترنت تصل كل مكان غصبا عن اي كان. هنا اوجهكم الي رئيس تحرير هذه الصحيفة لتسمعوا منه الكلام اليقين، العكس تماما، كيف تتفنن حكومات عربية في حجب موقع الصحيفة بعد منعها من التوزيع التقليدي. من طرائف الامور ان كلمة انترنت اصبحت تلازمها رقابة . فكلما ذكر الاخصائيون الانترنت اضافوا كلاما عن اين هي مسموحة واين هي مقبولة وما طرق حظرها واساليب التحايل عليها. وكي يأخذ الامر طابع الجدية اكثر، استضافت اثينا (اليونان) الجمعة الماضي مؤتمرا دوليا عنوانه الانترنت والرقابة . وازيد ان شركة ياهو العملاقة تتعرض لحملة انتقادات من مدافعين عن حرية الرأي والكلمة، منهم صحافيون بلا حدود بسبب تواطؤها المزعوم مع الحكومة الصينية في التضييق تقنيا علي مستعملي الانترنت المناوئين (للحكومة). ما الذي يجمع الشامي علي المغربي، ياهو وما ترمز له من حرية جامحة، بالصين ومتناقضاتها الكثيرة؟ تجمع بينهم المصلحة. الصين سوق ضخمة من مليار مستهلك، و ياهو عملاق لن يسمح لنفسه بمعاكستها بمغامرة من شأنها تضييع سوق بهذا الحجم. لو فعلت، سيأتي منافس اخر ليملأ الفراغ. ولتذهب الحرية والشعارات الاخري الي الجحيم. الشعارات والكلام الجميل ذخيرة من لا قوة لهم. ستتشدق امريكا والغرب باجمل شعارات الانسانية طالما لا تتعرض مع مصالحها المادية والتوسعية (بكل المفاهيم). عندما تتعارض، كلام اخر.الحجاب كموضة اعلامية الحديث عن الحجاب موضة اعلامية ـ تلفزيونية هذه الفترة. عندما شعرت بي بي سي انها ليست طرفا قويا في الجدل، طلع احد مسؤولي قطاعها الاخباري ليقول لـ صنداي تلغراف انه لا يمانع ان تقدّم سيدة محجبة نشرات الاخبار بها، فقامت الدنيا جدلا بين المختصين . قبل ايام بثت الجزيرة برنامج منبر الجزيرة مخصصة اياه لـ تسييس الحجاب. مرت ساعة كاملة تحدث خلالها اناس من كل اصقاع الدنيا. انتهي البرنامج وليس بين المتحدثين امرأة واحدة، كأن الرجل هو المعني بلبس الحجاب. صدقت احلام مستغانمي عندما قالت اولي بكم ان تتحدثوا عن تحرير الرجل ردا علي سؤال عن تحرير المرأة.لويزة هي الرجل الوحيد! عن النساء ثانية: بيت حانون نكبة اخري. صور مظاهرات نساء البلدة الاسبوع الماضي (واضطهادهن وقتلهن برصاص الاحتلال) بيّنت لمن بقي في قلبه شك ان ذكور هذه الامة ارخص من ان يُساوَموا. وان رجالها الحقيقيين هم نساؤها. سئل القيادي الاسلامي الجزائري علي بلحاج مرة، في ذروة بريقه السياسي، فقال مازحا الرجل الوحيد في هذا البلد هي لويزة حنون المناضلة اليسارية المتشددة قبل ان تخسر رصيدها السياسي والنقابي لاحقا.كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]