سلم نفسك يا مواطن. مافيش داعي للمقاومة. المكان كله محاصر. هيا يا مواطن! مـش عايزين كـتر كلام! وعلي رأي أخينا في الله الأستاذ طارق بن زياد، مع بعض التعديلات الطفيفة التي لا تغير في المعني بقدر ما تؤكده: الفقر من ورائكم والقهـر أمامكم، فتالله أنتم أضيع من الأيتام علي مائدة اللئام. وعلي ذكر اللئام، والشيء بالشيء يـذكـر: هل تعلم يا مـواطـن أن أخانا في الله الأستاذ طارق بن زياد، كافؤوه علي فتح الأندلس ببيعه ـ كعبد ـ في أسواق النخـاسة، لأن الخليفة في دمشق اتهمه بسرقة إحدي الرجلين الأماميتين لعرش لازوريق أو رودريغو ملك الإسبان؟ بالشين. يعني بالعقل كده: معقولة بسلامتك حتكون أعز علينا من فاتح الأندلس؟ إحنا يا روح امك ماعندناش غالي!
كل الطرق أمـامك مسدودة. إنت إيه؟ بجم؟ مـا بتفـهمش؟ كلها يا مواطن. أما صـحـيح حـاجـة تفـور الـدم! ســلـم نفـسـك امـال ما تبقـاش جبلة! المنطقة مبدورة عساكر. المخبرون في كـل حتـة. داخل قصاري الزرع أو في صفائح القمامة أو تحت حوض المطبخ. خلف الستائر أو ما بين قطع الثياب المنقوعة في البانيو أو علي أرفف دواليب البنات. الوطن ـ يابني يا حبيبي ـ كله محاصر من زمان! إذا كـنـت لسة بتفكر في الهرب، فأحـسـنلك تخـرج رافـع إيديك لـفــوق. وبـلاش التكـشيرة دي. إحنا اللي ينكـد عـلينا بنـروقـه. إضحك عـشان الصـورة تطـلع حـلوة. أنا حاعد من واحد لتـلاتـة. هاه، واحــد! مافيش خـرم إبرة تسـتخـبي فيه. مافيش خـرم إبرة. الماء يا مواطن، إذا خطر علي بـالك أن تشرب، سنتسلل معه بكل ترسانة الفيروسات إلي أبعـد نقطةٍ في جهـازك العصبي. أما إذا سولت لك نفـسك أن تستخدمه في الاستحمام، فذنبك علي جنبك. الشوارع ليس فيها ما هو أكـثر من الحفـر، بعضها يأخـذك مـباشرةً إلي قاع المجاري، حيث تجد ـ أخيرا ًـ ما تأكله، فلماذا ترفس النعمة برجليك؟ لماذا أنت جاحد هكذا؟
الأغنية الحلوة التي كـنت تستعين بها علي قبح الأيام، جففنا منابعها. كانوا يستلهمون أفكارها أو موسيقاها من الحب. أغلقنا نهائياً هذا الملف. أغلقناه نهائياً. بائعات الفل في ميدان التحرير، ألقينا القبض عليهن، وقريباً يمـثلن أمام نيابة أمــن الدولة. قوةٌ خاصةٌ يقودها ثمانية لـواءات من أكفأ العناصر، ثمانية لواءات واخـدين كورس انجليزي في المعهد البريطاني، ضبطتهن ينظرن من بعيد بإعجاب إلي مظاهرات كفاية. كن متلبسات، فتلعثمن حين سألهن المحقق: أجهزة التفجير بالريموت كونترول دي اللي لقـيناهـا معاكو مـسـتخبية تحت عقود الياسمـين جيبتوها منين؟ إنطـقـي منك لهـا! مين مـرنكـو عليهـا؟ أخبار المذابح اليومية في فـلسطين أو العراق سوف لا تسـمح لجفنك بأن ينام. وعلي الوسادة الخالية، لن تجد في انتظـارك سوي صورةٍ تذكاريةٍ كبيرةٍ بالألوان الطبيعية تضم أصحـاب الجلالة والفخـامة المـلوك والرؤساء، وهم يحتفلون بالانتصار عليك. دواوين الشـعر أدرجناها علي قائمة الإرهاب. النيل الذي تـعودت أن تلتمس عنده السلوي في الأمسيات المخضبة بالقهر، ضربنا عليه جداراً عالياً من الكباريهات العائمة أو كتل الخرسانة الصماء. إذا عـن لك من الآن فصاعداً أن تكـحل عينيك برؤيته، فأنت الجاني علي نفسك. لجـوءك إلي الشرطة، شاكياً من تعـرض منـزلك إلي السطو، سوف لا يؤدي بك في النهاية إلا إلي أن تعترف بأنك مختل عـقلياً، وبأنك المسؤول عن جميع الجرائم المقيدة في الدفاتر ضد مجهول. أقم لنفـسك مأتماً قبل أن تفكر في التعامل مع هيئة السكـك الحديدية. اكتب في نعـيك إذا كـنت ستسافر بالعـبـارة: كفي تلويثاً لمياه البحر الأحمر، فأنا أرقد إلي جوار الآلاف مثلي في أعماقه.
سلم نفسك يا مواطن! التهمة ثابتة، والأدلة كلها ضـدك. هل تنكر أنك تشعر أحياناً بالرغبة في البكاء… ؟ الدكتور أحمد يونسرسالة علي البريد الالكتروني6