الليل والنهار في الخطاب الروائي العربي الحديث
محمد خريفالليل والنهار في الخطاب الروائي العربي الحديثالعشاء والفجر والمغرب والظهر والعصر من شارات المواقيت التي تحيل الي ملكة الادراك البصري متحولة من فيزياء اللون الي ميتافيزيقيا الآذان وهي شارات تتفاوت في الانتساب بمقادير الي الظلمة والنور في فضاء يوم قرينتاه الليل والنهار.الليل والنهار ثنائية حاضرة في مظان الفكر الانساني قديمه وحديثه وهي اليوم في ثنائية الحدثان تجمع حسب التأويلات الآنية والزمنية بين افراد التأنيث وافراد التذكير وبين أفراد التأنيث والتذكير. فالليل والنهار احداثيتا الأسطورة والشعر والنصوص العظمي فهي ذريعة الاعتبار والتفسير والفخر والقسم.ثنائية الليل والنهار تظل محمولة علي التصحيح أو الانحراف والتعديل لتبلغ أوج عدولها مع نثرية جيران فيتحول الليل من ملاذ القسم وملجأ الأحبة وشاهر العظمة الفرد الي جبار صنو الأنا متمردا يحرر الليل من بريقه الاسناد بنثرية اللا نحو شاهر عظمة الفرد فرد الطبيعة والذات: الشاعر.والخطاب الروائي العربي الحديث، ان كان من العسير الوقوف علي جل المعطيات النصية العالقة بشوارد الليل والنهار فيه فان من نصوصه الوجيهة ما يكفل الظفر بقرينتي الليل والنهار بكثافة.الليل والنهار قرينتان تحضران بشكل لافت في الزيني بركات لجمال الغيطاني ومريود للطيب صالح وغيرهما من النصوص العربية المعاصرة كالنهايات لعبد الرحمن منيف والبحث عن وليد مسعود لجبرا ابراهيم جبرا، كما تحضران في الأدب المغربي الناطق بالفرنسية والعربية في الليلة المقدسة وليلة الضلال للطاهر بن جلون وليل الهلع والخبز الحافي لمحمد شكري، وهما قرينتان تجعلان من اليوم الروائي المعاصر في أبعاده النهارية والليلية شارتي قص تنشئان نثر المقاومة والتحدي والتبشير بالمذهب.وكان النص الأعظم هدف المقاومة في الليلة المقدسة فتصير الظلمة نورا وتحررا وكانت ظلمة الزيني بركات مقتولة بالفوانيس مجاز بحث عن فسحة الحرية مقموعة ببدع الساسة وكانت الليلة في كل من مريود والطيب صالح ليلة خصب جنائزي يخترق المعهود ليحرر الجماعة بسعيها الدؤوب بين العشاء والفجر نحو اليسار مشروع الواقعية الاشتراكية ضد الصهيونية والامبريالية في النهايات والبحث عن وليد مسعود. نصوص ثلاثة يواجهها النص الروائي العربي الحديث وان بدا التعبير عنها ضبابيا لطبيعة التعليق النحوي الذي يجعل من الليل والنهار باعتبارهما متممين من متممات الاسناد عناصر متداخلة بالتضاد والاستبدال الاستعاري فيصير الليل نهارا أو جزءا من النهار كما يصير النهار ليلا أو جزءا من الليل ومشتقاتهما العشاء والفجر والظهر والعصر وما بعد هذا أو ذاك من المواقيت.الليل والنهار في الخطاب الروائي العربي الحديث من حجب الفن الروائي الحديث يسعي بهما الخطاب الروائي الحديث الي الاقناع بضرورة تحديث الفكر العربي بتوظيف التالد والطارف: بالمراوحة بين قرائن التقليد من ليل ونهار وعصر ومغرب فعشاء وفجر وبين قرائن التحديث من مضارعة وتسويف أو ترهين بالأنا والفوانيس والمحاكاة الساخرة.زوج الليل والنهار زوج تأنيث وتذكير اذ الليلة ولود وطالع خير وبركة والضوء أو النهار نذير شوم وهتك حرمة البيوت وكلاهما يدافع عن كيان الأنا مغيبا في الماضي بقرائن الحداثة من أجل الخلاص من تبعات الحداثة نفسها.لكن ان كان الخطاب الروائي المغربي الناطق بالفرنسية عاصفا بليل النص الأعظم ونهاره دون مقاومة ليل الحداثة الغربية ونهارها اجمالا فان الخطاب الروائي العربي الحديث علي أكثر من واجهة من أقطابها في منظومة النص الأعظم نص عقيدة وما يعاضدها من نصوص السلطان الدخيل وان بدا ذلك محتشما بالمقارنة مع النص الروائي المغربي مما يجعله غير قاطع مع نهار الأب وليله والأب أم وأسرة وامام وقنصل.واللافت في الخطاب الروائي العربي الحديث أنه يتعامل مع الليل والنهار باعتبارهما فضاء زمنيا مفعولا به مأمورا لا آمرا ومحل صراع بين خصب الظلمة وجدب النور فيصبح الضوء لونا تحدد جهته الجماعة ويأمره الانسان الضوء في الشرق علي يميننا كأنه ينتظر اشارة من أحد (مريود). فكأنْ تشوش أطر الصورة فتفتح المجال للظلام لينفتح أو يندمج في الضوء بالتخيل والمدبر راوي الكلام صانع الجمل يصارع ضمن الأربعة نهرا وقت الغروب ليصل الي محجوب والغروب مُولد الليل مجاز الخيال مصدر اليقظة حين أفقنا كان الظلام قد استتب له الأمر محجوب انتبه دفعة واحدة وأخذ ينادي في الظلام ويلعن السهر ويندب صديقه ولكن الطاهر ود الرواسي ما لبث أن هل علينا من ناحية اليسار سمعناه يضحك في الظلام أخذ محجوب يلعن الرواسي كما يلعن السهر ثم ضحكنا كلنا علي محجوب وعلي لا شيء (مريود).اللعنة رابط وجيه بين مريود في هذه الوحدة القصصية والزيني بركات في وحدة قصصية أخري تلعن فيها الفوانيس وهي لعنة تدين كل من يقاوم الظلام سواء بالسهر أو ببدعة الفوانيس والملعون ضوء والضوء نهار واللعنة الضاحكة سلاح البارودي معول من معاول الواقعية الاشتراكية في الأدب.هتف الخلق في الجوامع والطرقات لعن الله الفوانيس، لعن الله الفوانيس (الزيني بركات).فالليــــل يخـــــرج من حكم النحـــو التقليدي الذي يجعل الليل طرفي النهار الي حكـــــم الواقعية الاشتراكية التي تؤسس نحوها الروائي تأسيــسا عادلا يجعل الليل والنهار شخصية روائية تسعي الي التحام في يوم واليوم يختزل بحؤوله الأدب ليصير عشية والعشية تصير لحظة تقرها كان وتخلعها كأن في تلك العشية حين حمل جثمان مريم في ذراعيه كأنه يعود القهقري الي نقطة البدء (مريود).والنهار يخرج ببديلة الفوانيس من لاحق أو متمم الي مسند اليه باعث اضاءة يتحول بدوره بتحول مسانديه الي قوي توجه قوي أخري محكومة بثنائيتي الخير والشر في وظيفة الاقصاء أو الطرد ببعديها الديني والسياسي اذ تتيح الفرص بوهم البركة والتوكل لتنير وتفتح بصائر الغرباء في الليل وتحمي الأبرياء من هجوم المتردين ومماليك الساسة الأمراء.الاسناد يقد تحوله من ذاته عمدة وفضلة فيطفح المسند اليه بما ينسجه مع مسانديه ولواحقه أو متمماته يوقع في السرد الروائي ايقاع تضامن متنافر يجعل الفوانيس غريبة في التحول بتدبير السارد من شارة هيمنة بوليسية الي معول بناء اشتراكي.وهكذا يصير الليل والنهار ببدعة الفوانيس السياسية استعارات خطاب وخطاب مضاد مولانا السلطان تعليق الفوانيس يجمع الحارات في تشجيع حريم العامة علي النزول بعيد العشاء والتحول في الطرقات والسهر أمام الربوع والأسواق وهذا مخالف للحشمة وخادش للحياء (الزيني بركات).هذا خطاب الليل أما خطابه المضاد فيومئ اليه خطاب النهار باني أسطورة الرواية بما تتيحه للسلطان من هتك حرمة البيوت والأعراض ومخالفة السائد في اختيار قرائن الظرف الليلي بعيد العشاء .والخطاب الروائي العربي الحديث ان كان من الصعب الوقوف علي كل المعطيات النصية العالقة بشوارد الليل والنهار فيه كما ذكرنا آنفا فان تلون تلك المعطيات في انشائيتها يعطي قرائن الليل والنهار أبعادا أسلوبية في هذه الوحدة القصصــية غير ما يعطــــــيه في تلك الوحدة أو في هذا الأثر الروائي دون ذلــــك الأثر وسهرت الليل كله في الحديقة ولم يكن معي في الظلام شيء والنجوم تومض في القمة وسألتها متي يتحقق الحلم المنشود وصرخت حتي اضطربت لصرخاتي خلايا السرو، وعاندت كل شيء ورنوت الي نجم متألق بين النجوم، أريد أن أري، فهمس انظر فنظرت فرأيت فراغا لا شيء فيه (الشحاذ).ناقد من تونس0