ندوة حول حرية التعبير وحق الاختلاف في الرباط
ندوة حول حرية التعبير وحق الاختلاف في الرباطالرباط ـ القدس العربي : أقر المتدخلون في ندوة حرية التعبير وحق الاختلاف نظمت بالرباط، من خلال مقارنة موضوعية بين الفكر الاســلامي والفـــكر الحداثي الغربي، أن ممارسة هذين الحقين لدي الفكر الأول مسيجة بضوابط ثابتة ترفعها الي مستوي الكليانية، وأنها لدي الثاني متغيرة ومنزاحة لفائدة فردانية يحكمها الهوي وزيغ المصالح .وأثار المشاركون الانتباه في هذه الندوة التي نظمها منتدي الحكمة للمفكرين والباحثين، الي أن مصدر الخلاف والاختلاف بين الطرفين يستقي منبعه من هذا التباين بين جانب يعتبر أن لا شيء في أفعال الانسان أو أوصافه يتميز بالاطلاق، وبالتالي فان حرية التعبير وأيضا الحق في الاختلاف غير مطلقين بالنتيجة، وبين من يمجد الانسان ويرفعه الي درجة الألوهة ويعطي للأخلاق سياقا مرنا يجري التلاعب به خدمة للمصالح المتغيرة بتغير سلطة الغلبة.وعمد المفكر المغربي طه عبد الرحمن رئيس المنتدي ولصرف المعني المستنكر ممن ينكرون حقيقة كون حرية التعبير مقيدة وحق الاختلاف غير مطلق، الي استبدال مفهوم التهذيب بالتقييد، أي اعتماد مفهوم تهذيب حرية التعبير بدل تقييدها وتهذيب الاختلاف بدل عدم اطلاقه، بالاستناد الي ضرورات أخلاقية قيمية لا تستقيم انسانية الانسان الا بتطبيقه لها، اذ أن حرية لا تتوخي مقتضيات التهذيب تصير حرية مسيبة وحق اختلاف خارج عن التهذيب هو بالتأكيد مسيب، وبالتالي خارج بمعتنقه من دائرة الانسانية والنظام الي الفوضي والبهيمية .وبحسب طه عبد الرحمن وبهذا المنطق يكون عدم الاطلاق مجرد تقييد لما هو خارج عن الأخلاق مناف لها وبناء علي هذه المقدمة المفاهيمية يمكن صياغة الأسئلة الحقيقية من قبيل.. ما هي القيود الأخلاقية التي تدخل علي حرية التعبير أو حق الاختلاف؟ كيف يتم الالتزام بها؟ وماذا عن القيود القانونية والسياسية؟ وما مصير المخترق لهذه الحقوق هل يتابع أم يتساهل معه؟ ولماذا نجد المشرع يعاقب علي الخرق القانوني والسياسي ولا يعاقب علي الخرق الأخلاقي؟ ثم أليست القيود السياسية والقانونية قيوداً أخلاقية منزوعا منها وصفها الأصلي؟ وما هي طبيعة العلاقة بين حرية التعبير وحق الاختلاف، هل هي علاقة تداخل أم تعارض أم تداخل من وجه وتعارض من وجه آخر؟ وهل يجوز أن تجور حرية التعبير لدي البعض علي حرية الاختلاف لدي البعض الآخر؟ وانتهي طه عبد الرحمن الي اقرار حقيقة أن الدين عند المسلمين أولي بالاحترام من الفرد بخلاف ما هو عليه الأمر لدي الغربيين و من يستظلون بما يسمي الفكر الحداثي وانه اذا كان المسلم ينزل القول منزلة الفعل من باب من عبر فقد غير ، فان الغربي يعتبره ابداء للرأي لا يلزم الا صاحبه ووفق هذا المنظور يري أنه لو كان الغربيون ملتزمين بتهذيب أقوالهم وحقهم في الاختلاف ما كان لحادث الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لشخص الرسول الكريم أن يقع وغيره كثير.ودعا المسلمين الي اتخاذ موقفهم السياسي من كون انسان العصر الحالي تطغي عليه حقيقة أنه فاقد للقبلة التي تجبره علي تهذيب أفعاله وأقواله ومن ثمة يجب أن نسلك معه مسلك المعالج وندفعه الي الاقلاع عن ارتكاب مثل هذه الأضرار والعمل علي اقناع العالم بأن الأهواء الناجمة عن فقد الوجهة تحديات ينبغي التصدي لها بشكل جماعي. واعتبر أن أمرا كهذا لن يستقيم للمسلمين الا اذا ضاهوا الآخرين في مكتسبات العلم والعمل، وحثوهم من خلال هذا الاجتهاد في العلم والعمل علي البحث في ما لقيمهم الاسلامية من وجاهة، ورجعوا بالاستدلال الي النصوص الأصلية لبناء خطاب نقدي يكون قادرا علي مواجهة الخطاب الناقد والساخر. واستعرضت الباحثة رجاء ناجي مكاوي في مداخلتها حرية التعبير ، ضوابط حرية التعبير في المنظومة الفكرية الاسلامية وأولها استعمال حرية التعبير في ما أعدت له وفق شروط أساسية، هي المسؤولية وتحرير النفس عن الهوي والأفكار المسبقة الجاهزة، أي بخلاصة اعتماد الفكر المرشد. ثانيها التحرر من استعباد الآخر والتخلص من كل أصناف العبودية سواء تجلت في ضغوط او املاءات أو خوف مبطن وغيرها. وثالثها حرية المعتقد اذ لا اكراه في الدين فالانسان مسؤول ولا حرية بدون ارادة.أما شروط الفكر السليم فأوجزتها في بناء الرأي علي الفكر والمعرفة، وتجنب الظن والطرق غير العلمية، ونبذ الاقصاء، واعتماد المحاججة بالعلم وأدبيات المقابلة والوسائل المقبولة شرعا وأخلاقا، وحرية التعبير خدمة للجماعة لا لمصلحة الخاصة، واحترام عقيدة الآخر وثقافته وقبوله بل والاقبال عليه، وتجنب الجهر بالسوء، والفحش اللفظي، والايمان بأن الاختلاف رحمة.وتعتقد مكاوي انه اذا كان الأساس الأول المنظم والضابط لحرية الرأي يستلهم مضمونه من الفكر السليم فان الأساس الثاني يرتكز علي حسن تدبير الاختلاف باعتباره أحد مقومات الحرية الي جانب الافادة والاستفادة من هذا الاختلاف باعتباره غني مع اعتماد رأي الأغلبية وفق قاعدة ما اجتمعت أمتي علي ضلالة ، بينما يستند الأساس الثالث علي البعد الكوني لهذه الحرية باعتبار حرية التعبير في الاسلام شاملة ولا تقر الشريعة من تراتبية الا ما تفرضه سلطة العلم.أما الأساس الفلسفي للفكر الحداثي فينبني بخلاف ذلك علي القانون الطبيعي واستبعاد الدين، وينطلق من بيولوجية الانسان كما هو لا كما يجب أن يكون، مثيرة الانتباه الي انه بالرغم من بعض ايجابيات العهد اليوناني وعصر الأنوار المنبعين الجوهريين لهذا الفكر، فقد تضمنت اختلالات كثيرة، أهمها أنها لم تكن كونية ولم تبتغ ذلك، اذ أن مفهوم الحريات الذي جاءت به كان مخصوصا بفئات دون أخري، فضلا عن اغراقها في تمجيد الفردية وجعلها العقل هو المعيار مع ما يخالطه من هوي وزيغ .وخلصت الباحثة الي أن حرية التعبير وحق الاختلاف لدي الفكر الحداثي ولدا مأزومين اذ بمجرد ما صدرت الدساتير المنظمة للحريات، انطلقت الحملات الصليبية والامبريالية وما لا حصر له من الحروب ما بين معلنة وباردة، وأن موت الاشتراكية المنازع الوحيد للبيرالية جعل هذه الاخيرة تبحث في الاسلام عن عدو بديل لها ما دام هو الوحيد الذي بقي عصيا علي الاختراق والتبديل والتحريف ، وأنتجت في صراعاتها الجديدة مفاهيم من قبيل الأمن القومي والدفاع الاستباقي وقانون الحريات الدينية الدولية والاتفاق الحر والعولمة، وبثت منطق الصراع بين الطبقات والأجناس وسعت الي تصدير الحروب الي أراض غير أراضيها.و بما أن الوضع مأزوم علي هذا النحو، والمسلمين يمتلكون أدوات التصحيح فقد رأت الباحثة أنه من واجب المسلمين الفعل في هذا الواقع والمساهمة في صناعة حاضر ومستقبل هذا العالم مع احترام حرية الاخر وحقه في الاختلاف والاستفادة من تجربة المنظومتين الاسلامية والحداثية الغربية علي نحو يتم فيه تجاوز ما ساد من تفاوت بين النظر والتطبيق لدي الأولي وما اعتري الثانية من فساد في المقدمات. واوضح عبد المجيد الصغير في مداخلة بعنوان محاضرة البابا قناعات معرفية أم اهداف استراتيجية؟ الي توضيح القصور المنهجي في المحاضرة وغياب النزاهة والموضوعية وضوابط المقارنة من شخص مفروض فيه أن يتصف بصفات العالم ويتجنب التلفيق واعتماد نصوص أو وجهات نظر متطرفة، مؤكدا ان استناد بابا الكنيسة الكاثوليكية في محاضرته التي ألقاها في 12 ايلول/ سبتمبر الماضي علي نص مناظرة مشكوك في حدوثها بين أكثر السلاطين اليونانيين كرها للاسلام والمسلمين وبين فارسي مسلم في زمن كانت فيه القسطنطينية تعاني حصار الأتراك المسلمين (من 1394 الي 1402) والاعتماد في فهمه للإسلام علي منقولات ممن كان يسميهم في محاضرته بالخبراء دون الرجوع الي نص القرآن يعتبر خللا منهجيا كبيرا وصادما.ولدرء تهمة الارهاب عن الاسلام دعا الباحث البابا ومن قد يساند وجهة نظره الي مراجعة تاريخ الكنيسة في العصور الوسطي وحروبها الصليبية وتاريخ أوروبا الامبريالية وتاريخ الأوروبيين حين استوطنوا العالم الجديد (أمريكا) علي جثث الهنود الحمر، لكي يبصر ويبصروا عن بينة بأن تاريخ الغرب الحديث تاريخ ارهاب بامتياز . أما في ما يخص الأهداف الاستراتيجية لمحاضرة البابا فأوجزها في ما اعتمده من توقيت متعمد تزامن مع ما بعد ذكري 11 ايلول (سبتمبر)، والعدوان الصهيوني علي لبنان وأزمة الرسوم الكاريكاتورية وغيرها كثير، ليضفي بذلك الشرعية الدينية علي كل ذلك، لافتا الانتباه الي أن خاتمة محاضرة البابا أكدت هذا التوجه وحملت صدي الايديولوجية المناوئة للاسلام خصوصا حين ثمن الدعوة الي الحوار وحصره بقوله: نعم للحوار ولكن مع شركائنا .0