رأي حول الفضائيات: الجزيرة اسلامية تتبني اليساريين و العربية غربية بلسان عربي
رائد عواشرةرأي حول الفضائيات: الجزيرة اسلامية تتبني اليساريين و العربية غربية بلسان عربييقول الأكاديمي الاعلامي د. عوض السليمان في مقالة له في صحيفة الحقائق عندما كنت صغيراً، لم أكن لأتصور ولو لحظة واحدة أن تقوم محطة تلفزيونية عربية، بإظهار صورة لرئيس وزراء العدو أو وزير خارجيته… اما الكاتب السوري حكم البابا وفي مقالته في صحيفة القدس العربي يقول لقد تحولت قناة الجزيرة منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) من محطة تلفزيونية الي جبهة حرب، وعلي الرغم من مهنيتها الاعلامية الاّ أن المتابع لبرامجها لا يعوزه كثير من الذكاء لاكتشاف أنها لم تعد تفرق بين السبق الصحافي وبين المصدر الاعلامي، بحيث تحولت الي مايشبه الموقع الرسمي لبث رسائل الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري الإذاعية والتلفزيونية… وتظهر بانها تريد ارضاء جمهور عريض من العرب، يري أنه يعيش مرحلة جهادية متأججة في مواجهة أعداء يستهدفون وجوده، فإن علـيها ألاّ تتجاوز الخط الفاصل الذي يحولها من قناة الجزيرة التلفزيونية الفضائية، الي جبهة الجزيرة التلفزيونية لتحرير أفغانستان والعراق وفلسطين وإعادة فتح الأندلس…. .اري ان ملاحظة الكاتب السوري في مكانها، فكثير من المشاهدين يتساءلون عن سبب الاهتمام او (الترويج) لاسامة بن لادن والظواهري، وقد يتفق البعض مع التحليل الذي يقول ان الجزيرة تريد اسماع جمهورها ـ العرب والمسلمين ـ ما يريدون. وقد يقدم اخرون تحليلا بان الجزيرة لها خطوط اعلامية متداخلة مع اجندة سياسية ترغب بالربط بين التدخلات الامريكية في المنطقة العربية ونمو تيارات اسلامية مثل القاعدة لصالح المطالبة بتغير السياسية الخارجية الامريكية في المنطقة.ان الاراء التي تساق وتتناول فضائية الجزيرة تارة بالتحليل السريع او الوصف وان بدت متناقضة تحمل الكثير من الافكار والمعاني والتي تخلق اجواء محفزة لدراسات وابحاث اكاديمية تنفذ الي الفضائيات والاعلام العربي وتحاول فهم دوافعه واهدافة تصل الي عمق ارتباطه بمستقبل المنطقة وماهية اجندته السياسيه وارتباطها بالانظمة العربية. وكمدخل، فلنأخذ مقارنة سريعة بين فضائية الجزيرة والعربية، فكلتاهما تتناولان موضوعات سياسية واقتصادية واجتماعية تهم العالمين العربي والاسلامي، فالوصف السريع الذي يعتمد علي ما يعرض علي المشاهد يبين الفرق بينهما، فالجزيرة اقرب بموادها الي التصنيف الاخباري والثقافي بينما تبدو العربية اقرب للاخبارية الترفيهية. بين الليبرالية والاسلاميةهل يمكن الجمع بين الليبرالية والاسلامية في الاعلام؟ فان الاجابة هي نعم، خاصة في بلد ثري، وفي منطقة عربية ـ اسلامية تسودها الهيمنة الامريكية، وتتطلع للأستمرارية. في حين يراها أخرون وكأنها جبهة الجزيرة الاسلامية لتحرير فلسطين والعراق وافغانستان والاندلس…تحرير ماذا. الاندلس؟ سؤال من صديق أجنبي حول اذ ما كان المسلمون يعتبرون اسبانيا محتلة ووجب فيها الجهاد وتحريرها مثل فلسطين؟ وصف وسؤال يعبر عن وصف للجزيرة بانها اسلامية لم يبق الا تحجيب المذيعات لتكتمل الصورة. وما ينقض هذا التصور هو حضور الفكر والمفكرين المسلمين في برامج الجزيرة مثل اليساريين والليبراليين ، وموضوعة تحرر المرأة تجمع في تناولها وعرضها بين الاسلامية والليبرالية، ما يدفع عدد من الاعلاميين بالقول ان الفضائية تسير وفق خط التجديد الاسلامي والجمع بين الاصالة والحداثة. اما العربية فلا جدال في صورتها فهي تبدو متجهه نحو الليبرالية والتي هي اقرب الي توجه غربي لم تفلح نكهة اللغة العربية والوجوه الشرقية باضافة الكثير لتجعلها مميزة او فريدة في عملها.قطر والسعوديةوتمول قطر فضائية الجزيرة وتحتضن عاصمتها الدوحة استوديوهاتها ومكاتبها المركزية، فيما تمول المملكة السعودية العربية. وينعكس كلا التمويل والملكية علي الاتجاهات الاعلامية ومواقف وبرامج كلتا القناتين. فكم من الناقدين للجزيرة طالبوها بالحديث عن موضوعات عربية تتصل بقطر وعدم الاكتفاء بتشريح ما تبقي من الدول العربية. وتفتح العربية اهتماما وتفتح المجال للمسؤولين السعوديين فيما يحظي المسؤوليين القطريين حصة ممتازة في تغطية فعالياتهم في الجزيرة. فالملكية والتمويل تظهران وبوضوح الاجندة الاعلامية للفضائيتين في العالم العربي والاسلامي، فالعربية تقترب من مواقف المملكة السعودية السياسية والجزيرة تقترب من مواقف قطر السياسية. مقارنات سياسيةعندمت تغطي وسائل الاعلام اخبار وموضوعات الدول والشعوب، فان أسلوب التغطية قد يعبر أو يدلل علي موقف تأخذه هذه القناة. وباختلاف اسلوب التغطية، فان الجزيرة والعربية تأخذان مواقف مختلفة من موضوعات متعددة، فالعربية في العراق تؤكد دوما علي ما يسمي التفجيرات وتقدمها باعتبارها ارهابا ولا تحاول النفاذ لأبعد من ذلك بيما تركز الجزيرة علي احتلال العراق وضرورة الخلاص منه وتوضح عمليات الارهاب وقتل المدنيين. وفي فلسطين تبدو العربية اقرب لحركة فتح فيما الجزيرة تبدو اقرب للمقاومة والديمقراطية وتتهم بأنها قريبة من حماس من قبل مناصري فتح. وقد دفعت هذه الاتهامات الي احراق سيارات ومكاتب الفضائية، ولا اخفي القول ان بعض من الناشطين السياسيين وبعض التيارات الرسمية في القوي السياسية والسلطة يتهمون الجزيرة تارة بالعمالة مع المخابرات الامريكية وتارة اخري بالعمالة مع اسرائيل. اما المهم وهو نشاط الجزيرة في ابراز ممارسات الاحتلال التنكيلية، وببراعة تتركز حول مستقبل الصراع والقضية الفلسطينية تجعل من الجمهور ان يفرق بين تغطيتها والفضائيات العربية الاخري. وفي الاردن، فقد تصادمت الجزيرة عدة مرات مع الحكومة وتم سحب ترخيصها واعتقال بعض مراسليها بل وكانت القناة سببا في توتير العلاقات السياسية بين الاردن وقطر. ولعل هذه المؤثرات كانت سببا في تخفيف حدة المواجهات ونمط التغطية والتقليل من الموضوعات الساخنة والتخفيف من صراحة” الفضائية.اما العربية فقد ابتعدت مطلقا عن الموضوعات الساخنة وبدت أقرب للرواية الرسمية وخاصة فيما يتعلق بموضوعات الارهاب والاسلاميين.وتحاول الجزيرة التقرب من المجتمع الدولي ومطالبة او ما يسمي بقرارات الشرعية الدولية وخاصة تلك التي تعترف باسرائيل، وتري من المهنية تتطلب تقديم الرواية والمواقف الاسرائيلية الي جمهورها والمشاهدين. وبالرغم من ذلك، فان الجزيرة تحاول صياغة خط لها في تقديم الموضوعات ذات العلاقة باسرائيل، فمثلا تحاول الجزيرة التعامل مع موضوعات تهم اليهود الشرقيين والغربيين بتناولها هويتهم، وبطريقة انسانية ـ ذكية تثير موضوعات مثل دور مؤسسة الجيش في الدولة، والتمييز بين فئات مواطني هذه الدولة، ودور اسرائيل في المنطقة العربية، وقدرتها علي الاستمرار، واسباب الدعم الغربي المستمر وخاصة الولايات المتحدة لها. وفي لبنان، فأن اعلام العربية يقترب من موقف الحكومة او ما يعرف بتيار شباط، فيما تبدو الجزيرة اقرب لمواقف المقاومة اللبنانية وبأطيافها المتنوعة ـ شيوعية وقومية وناصرية وبعثية واسلامية و شيعية ـ والتي يقودها حزب الله. فالجزيرة تفند اسباب الصراعات الداخلية الا انها لا تقدم حلولا، فوظيفة الاعلام تتعدي تقديم المعلومات الي تبيان الصلات والمصالح ومحاولة تقديم الحلول وفقا للاعبين الاساسيين. وفي الموضوعات الداخلية في الشؤون السورية يظهر اعلام الجزيرة بانه يقف مع الفقراء والمظلومين لصالح تعرية النظام الصارم القمعي ، اما في الشؤون الخارجية، فالجزيرة تصطف مع النظام السوري في مواجهة الهجمة الغربية والتي تقودها الادارة الامريكية واسرائيل. وبتقديري فان فلسفة الجزيرة تقترب الي دعاة التعايش السلمي بين الاجناس والقوميات واللغات والتي تتفق والمعني الاخلاقي لرؤية المواثيق الدولية.موظفوها ويتمتع موظفو الجزيرة والذين نراهم علي الشاشة من مراسلين ومقدمي برامج ومذيعين بقدرة اعلامية جيدة ولديهم الكثير من السمات الشخصية والتي يفترض ان توجد في الاعلاميين، فيما يبدو موظفو العربية اقل مهنية واقل ثقافة واكثر اهتامما بالمكياج. وفيما يتعلق بمواقف الموظفين السياسية والفكرية، فعلي سبيل المثال، فان مدير الجزيرة في لبنان يظهر بانه قريب من موقف الحكومة اللبنانية وتيار المستقبل، ومدير الجزيرة في فلسطين يبدو قريبا من موقف الليبراليين وحزب الشعب الفلسطيني. ويحتل الموظفون الفلسطينيون نسبة جيدة واكبر في الجزيرة مقارنة مع فضائية العربية، فالفلسطينيون لديهم نسبة ممتازة في الجسم الاداري وجسم المراسلين ليس في فلسطين ولكن في اماكن كثيرة من العالم. والمميز في الجزيرة تنوع مشارب موظفيها الفكري ـ الاسلامي ـ القومي واليساري والماركسي بينما توجهات موظفي العربية تقترب للاراء البرغماتية البعيدة عن العمق الفكري والفلسفي لدرجة ان البعض منهم يبدو وكأنه قطعة ديكور وفرت لتتلائم مع الصورة الكبيرة للفضائية. المهنية الاعلامية يري الكثير من الاعلاميين ان الحيادية والموضوعية تتطلب ابراز الرأي والرأي الاخر وتقديم حجتهما، فيما يري البعض ان الحيادية لا تتفق مع قول الرسول محمد (ص) الساكت عن الحق شيطان أخرس . ويري الكاتب الأكاديمي د. السليمان ان مواثيق الحيادية والشرف خرجت ناقصة شرف ويستشهد بخارطة فلسطين والتي يظهر الجزء الأكبر منها علي شاشة الجزيرة وقد دمغ بلفظة إسرائيل، في حين ان الباقي يظهر الضفة الغربية وقطاع غزة. ان ما يثيره الاعلامي هنا يستحق الاهتمام، فالعرض المستمر لخارطة فلسطين يدل علي تجذير تغيرها وتعبيرا عن موقف سياسي يستوعب اسرائيل في المنطقة العربية، كما وانه يري عاملا في توطيد وقبول اسرائيل في المنطقة العربية. ويبدو هذا مستفزا وغير مقبول لدرجة يعتبره الكثيرون انه يتنافي والاهداف والقيم العربية والاسلامية ولا يتفق اصلا مع الحديث عن واقعية سياسية تتصل بالقانون الدولي علما ان وحتي هذه اللحظة ما زال الاساس هو قرار التقسيم رقم 181 الي ان يتم الوصول لأتفاقيات نهائية. اما السبق الصحافي، فالسبق قد تراجع في الجزيرة لصالح وكالات الأنباء الغربية، في حين تقدمت في شمولية تغطيتها وحساسيتها وخاصة في الحروب والمواجهات العسكرية والعنيفة، فالتقدم الذي حققته الجزيرة مقارنة مع الفضائيات العربية يسجل وبفخر لها. كما ويمكن اعتبارها وموقعها الالكتروني مصدرا لحقول المعرفة بحيث باتت مصدر مهم من مصادر الاكاديميين والباحثين والمثقفين. اما العربية فهي تجاهد في نسخ برامج الجزيرة وتنظيم برامج موازية ويبدو انها لم تجد ذاك النجاح في التميز او في عدد ونوعية البرامج المقدمة.بعض الملاحظات الملاحظات التي يثيرها الكتاب العرب والمسلمين حول الجزيرة لا بد لها ان تقابل بالاهتمام من ادارة الفضائية، فالمطلوب دراسة الملاحظات حتي لو ان رأي البعض ان كتاب المقالات قد بالغو في تصوير وتخيل ابعاد الملاحظات والانتقادات. وعن علاقة الجزيرة مع الانظمة العربية وكما يقول الكاتب بابا في بدايات إطلاق قناة الجزيرة كان الرسميون العرب يكرهونها لكنهم ينتظرون برعب نشراتها وبرامجها ويحرصون علي مشاهدتها، أما اليوم فالكل يحبون الجزيرة، لكنهم يفوتون كثيراً من أخبارها وبرامجها، ليس لأنهم لم يعودوا يخشونها فقط، وإنما لأنهم يعتبرون أنفسهم مشاركون في تحريرها وإعدادها، وفي حال استمرارها بهذه السياسة لن أستغرب في وقت قريب مشاهدة نشرات أخبار الجزيرة تبدأ بأخبار الزعماء العرب وهم يستقبلون ويودعون ضيوفهم ويبحثون معهم الأمور الثنائية التي تهم البلدين الشقيقين . فالجزيرة والتي تعمل بترخيص مثلها وكافة الفضائيات ـ وهو مهم للعمل والاستمرار ـ والتي دوما ما كانت تثير ملفات ساخنة في الدول العربية، تبدو اقل جرأة، واقل تصادما ضمن سياسة الحذر في التعامل مع الانظمة العربية في سياسيات وتدخلات المصالح الاسرائيلية ـ الامريكية. اي ان المعادلة هي التركيز علي استبداد وتدخلات الادارة الامريكية في شؤون الغير لصالح المناداة والدعوة للتعايش والسلم العالمي ويبقي الاعلام وسيلة تنموية وعنصر استراتيجي فيها، فكيف يمكن تعرية الانظمة القمعية وفي نفس الوقت الحفاظ علي استقلال الاوطان وعدم السماح للدول القوية باستغلال ما تبقي من الاعلام الفاعل وخاصة الفضائيات النشطة. استاذ العلوم الادارية والتنموية 2