أهمية آلية وتوقيت الاصلاح
د. علي محمد فخروأهمية آلية وتوقيت الاصلاحفي كل عملية اصلاح توجد عوامل لها تأثير علي تلك العملية، اما سلباً أو ايجاباً. من بين تلك العوامل عامل الوقت الذي تستغرقه عملية الاصلاح وعامل آلية اجراء الاصلاح.1 ـ أما عامل الوقت فان الأقدمين عرفوا أهميته عندما رددوا بأن الوقت كالغول ان لم تقتله أكلك.. فالاصلاح الذي يمكن انجازه في خمس سنوات سيتشوه ويترهل، بل ومن الممكن أن ينقلب الي ضده، ان استغرق انجازه أضعاف ذلك الوقت. ومن هنا أهمية الرصد الصارم للسرعة التي تتم بها كل عمليات الاصلاح. اذ هناك فرق هائل بين سرعة السلحفاة وسرعة الأرنب.في أرض العرب يستعمل موضوع الوقت بانتهازية بارعة للالتفاف حول ملفات الاصلاح. فعندما ترفع قوي المجتمع الأهلي مطالبها الاصلاحية تواجه عادة بقبول السلطات المهيمنة لتلك المطالب ولكن بشرط أن تتم ضمن جداول وقتية تضعها السلطات. وتبدأ المسيرة الاصلاحية حركتها ببطء السلحفاة، بل وتتقدم خطوة لتتراجع خطوتين، بحيث يأكل غول الوقت ويجرح سيف الزمن كل العناصر الأساسية الأصلية للاصلاح، وبحيث تدور عملية الاصلاح في حلقة مفرغة حول نفسها وحول شعارات لاتتحقق في الواقع وانما تظلُ حبيسة الأحلام والآمال.في عام 1983 دعت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي مجموعة من مثقفي دول المجلس لتتقدم بتصوراتها حول قضايا الاصلاح الكبري المطلوب تنفيذها من قبل المجلس ودوله، أي علي المستويين الوطني والاقليمي. وقد قدّّمت تلك التصورات بشكل عميق وشامل. وظلت التصورات حبيسة الأدراج الي حد كبير. فقد قمت بمقارنة تلك المطالب التي مر عليها عقدان من الزمن بأجندة اصلاح جذري وضعها منتدي التنمية، الذي يضمُ مجموعة ممتازة من مثقفي دول مجلس التعاون، في عام 2004. فكانت المفاجأة أن كل عناصر أجندة الاصلاح الأخيرة مطابقة الي أبعد الحدود للمطالب التي كتبت في عام 1983، لكأنُ الزمن قد توقف والتاريخ ظل حبيس ذلك الزمن الآسن.في القضايا المفصلية الست ظل الحال في دول المجلس كما هو. فالعلاقة بين السلطة والمجتمع التي تؤدي الي الفصل بين الدولة وشخصية الحاكم والفصل بين المال العام والمال الخاص لاتزال تراوح في مكانها. وتأسيس شبكة أمان اجتماعي في حقول البطالة والتعليم والعلاج قد تراجعت وضعفت في عصر حمي الخصخصة لكل الخدمات الاجتماعية التي كانت الدولة الريعية الخليجية تقوم بها، بل وتفاخر بها. والخلل السكاني قد تفاقم بسبب الطفرة النفطية الجديدة التي أدت الي زيادة استيراد العمالة الأجنبية غير العربية الأمر الذي ينذر بأوخم العواقب في زمن بدأت الضغوط الدولية فيه بالمطالبة بحق الأجانب في الحصول علي كل حقوق المواطنة بعد انقضاء فترة عمل قصيرة. واصلاح الخلل الانتاجي لايزال يراوح مكانه، اذ لازالت الدول تعتمد بشكل كبير علي عائدات البترول في بناء اقتصاد استهلاكي غير منتج وغير قادر علي الانقلاب الي عملية تنمية مستدامة بعد انتهاء حقبة البترول. وأما اصلاح الخلل الأمني فانه تراجع بشكل كبير اذ أصبحت كل دول المجلس، بشكل مباشر أو غير مباشر، مرتبطة في أمنها بالقوي الأجنبية بعد أن تراجعت آليات الأمن المشترك وضعفت الرغبة في الاعتماد علي النفس. وأما مطالب الديموقراطية وحقوق الانسان وتنمية المجتمع الأهلي فانها تحبوا ببطء شديد وتقف أمام عقبات كبري يعرفها الجميع.الذين يتلاعبون بالوقت ويراهنون عليه يدركون جيداً كم يفعل مرور الوقت بأحلام الانسان، بطموحاته، بقدراته علي الصمود، برغبته في الممانعة، بل وبانتماءاته الاجتماعية التي كثيراً ما تتبدل من حال الي حال. 2 ـ أما آلية التغيير فان التاريخ قد أثبت مراراً أن الاصلاح الداخلي الفوقي، الذي يقدم كمنحة من هذه الجهة أو تلك، والاصلاح الداخلي الذي يتم بسبب ضغوط خارجية لايصمد أمام الزمن الاً اذا رافقته مشاركة حقيقية من قبل قوي المجتمع كلٍّها. فالضغوط الخارجية تتلاشي بتبدل المصالح، والنوايا الحسنة الفوقية تموت بموت أصحابها وتتراجع بتغير أمزجة ومشاعر مطلقيها، مالم تواكبها مشاركة شعبية تمنع تلك الانتكاسات وتحمي المكتسبات. قضية آلية الاصلاح في دول مجلس التعاون مرتبطة بمدي التقدم الذي يحصل بالنسبة للمطالب الستة المفصلية التي أوجزناها سابقاً وعلي الأخص مطلبي تصحيح العلاقة بين السلطة والمجتمع والتقدم في ارساء الديمقراطية وحقوق الانسان وتنمية قوي المجتمع.عملية الاصلاح تتجمد اذا اكتفينا بالتعامل معها كطقوس ولم ندخلها كلعبة تحد وبذل جهد وتحقيق انجازات. وقوي مجتمعات الخليج تحتاج أن تعطي اهتماماً كبيراً لعاملي الوقت والآليات ان أرادت أن تمنع انقلاب عملية الاصلاح الي طقوس لا تغيٍّر الواقع ولا تهتم بالزمن.9