ثلاثية عن الأيام الأخيرة للعثمانيين للكاتب السوري محمد سمير جعارة: شاعرية اللغة تغلبت علي مكان وزمان وتحولات البطل

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

تذكرت، وانا اقرأ روايتي حافة الشوق و حارة الشوق (سوق اللحامين) وهما الجزء الأول والثاني من ثلاثية للكاتب السوري محمد سمير جعارة، المسلسل الدرامي السوري الذي عرض علي الشاشة الفضية في شهر رمضان باب الحارة حيث اعادت الرواية في تفاصيلها عن الحارة السورية في مدينة اللاذقية شيئا مما شاهدته من اعادة خلق وتشكيل الحياة في الحارة الدمشقية في بدايات القرن العشرين، أثناء الكفاح من أجل التحرر من الفرنسيين ودعم الثوار الفلسطينيين في ثورتهم ضد الانتداب البريطاني والمشاريع الصهيونية. ولكن حارة الشوق تتشكل من ثلاثة أجزاء ستكون معا ثلاثية عن الحياة في سورية في نهاية الفترة العثمانية، خاصة في أثناء الحرب العالمية الأولي، وهزيمة الدولة العثمانية ودخول الفرنسيين. الرواية مكتوبة بأسلوب الذاكرة المتشظية، حيث يتقطع السرد في مقاطع كثيرة يحاول السارد ملأها وتنظيمها بشكل زمني مقنع. خليل اللادقاني يعود من النفير بعد أن قاتل علي أكثر من جبهة دفاعا عن الدولة العثمانية أو العثمانيين بحثا عن بيت عائلته، وفي رحلته يستعيد عبق الحارة السورية، كبائع القطائف وحارة اللحامين، ولكن الذاكرة الجميلة تخبئ في ثناياها ذكريات عن الأب الصياد الذي رحل الي مرسين التركية بحثا عن فرصة جيدة للحياة ووفاة الأم والأخ الصغير. عودة خليل هي أيضا لب التراجيديا فهو لم يقاتل دفاعا عن العثمانيين كما يفهم من حديثه بل قاتل، مجبرا، دفاعا عن دولة اضطهدت أبناء أمته وقامت بمجازر ضد الأرمن، والأكثر من ذلك قتلت السيدة الحنون التي ساعدته وأطعمته ووفرت له العناية بعد أن هرب من الجبهة بعد الهزيمة.

الراوي في بحثه عن الأماكن القديمةفي الجزء الأول من الثلاثية، التي لم تكتمل بعد، نلاحق بطل الرواية خليل اللادقاني وقد أُجبر علي التجنيد في الجبهات الأمامية مع روسيا، حيث ينقل في القطار الي الجبهة، وفي الطريق يشاهد المشردين الأرمن بفعل القتال ويبدأ بالاستنكار والتساؤل، مما يؤدي به الي الحجز الانفرادي ثم يقاد الي الجبهة، وهناك وفي غابة غطتها الثلوج الكثيفة التي كانت سماكتها علي الأرض تصل الي الركبتين انغرست قدمه اليمني وانزلقت الي أبعد من نصفها علي حافة حفرة مليئة بالثلوج… تجمد في مكانه، ولم يستطع تحريك رجله اليسري خوفا من أن يقع وينزلق الي الأسفل…. ربما كانت أعمق مما تبدو للوهلة الأولي…. حاول بتؤدة وحذر رفع قدمه التي انغرست، أحس بالخدر المقيت والبرد يتوزعان وينتشران في أنحاء جسده. لا تزال البندقية في يده اليمني وفوهتها نحو الأعلي… والقدم اليمني داخل الثلوج، قريبة من العمق… يا الله… ما هذا؟ أيُعقل أن يختل توازنه وينزلق الي الأسفل؟ أيُعقل أن يُدفنَ حيا في ذلك البهاء المتجمد؟ (ص 29). ومضت بضع ساعات وهو متأرجح بين الموت والحياة الي أن رأي غصنا من السنديان يمتد اليه وفاحت رائحته العطرة في أنفه وفي المكان، لنكتشف أن جنديا روسيا أشقر، والذي يُفترَض أن يكون عدوه، هو الذي مد ذلك الغصن اليه لانقاذه. وخلال دقائق كان خليل خارج الحفرة الفخ التي كانت كما قال في دخيلة نفسه مخصصة لاصطياد الدببة والجنود العثمانيين. ولذلك حين يأتي رفاق خليل، الجنود العثمانيون، من بعيد ويطلقون النار علي الجندي الروسي لقتله يساعده خليل علي الهرب. ويشكل هذا المقطع لفتة ذكية من الكاتب محمد سمير جعارة الي أن الجندي انسان وأن الحس الانساني لديه أقوي من العداوة لا سيما في معركة لم يردها بل ساقه اليها رؤساؤه لأسباب سياسية. الاحداث تتتابع بشكل سريع بحيث لا يعطينا الراوي صورة عن الفضاء أو المكان أو الناس الذين يتحركون فيه ونشعر أن السارد يستعيد ذكرياته وكأنه يريد التخلص من حملها. وعلي مدار صفحات قليلة يغادر البطل مدينته مرسين بالقطار الي الجبهة مع روسيا ثم يُنقل لتدخل ضابط في الجيش كان يعرف والده البحار مصطفي اللادقاني، ويقرر ابعاد الجندي خليل الشاب الي جبل لبنان حيث الأوضاع هناك هادئة نوعا ما. لكن هذا الجندي الشاب، خليل، لا يفتأ يتحدث عن الحرب التي لا ناقة للعرب فيها ولا بعير، ويظل يستنكر قتل الأرمن ويدين الأتراك العثمانيين ويقول انه مجبر علي خوض معارك الآخرين، وان كان لا بد من القتال فليكن ذلك من أجل استعادة الحرية. ويستعيض الكاتب هنا عن رسم المكان بتداعي الأحداث واستحضار الذكريات، فبين الفينة والأخري يتذكر السارد حساء أمه، أو عشق والده للبحر والساعة الألمانية التي أهداها له بحار ألماني ساعده، وحب والده للقهوة العثملية ووفاة والدته وزواج والده من خالته التي لم تكن تحب الأولاد، وهجرة الأب من سوق اللحامين في اللاذقية الي أضنة ثم مرسين.

في طريق الجنود الي لبنان يتوقفون عند مرسين ولكن الضباط يرفضون السماح لهم بزيارة عائلاتهم. وينتهي الجزء الأول من الثلاثية، حافة الشوق، بانسحاب القوات العثمانية من فلسطين، وجرح خليل اللادقاني ثم تطبيبه من قبل عائلة مسيحية في لبنان، بعد أن أُجريت له عملية جراحية بدائية في فخذه لاستخراج شظايا الرصاصات التي اخترقت جسده، وأصابته بالحمي والالتهابات، ويجد في مساعدة تلك العائلة فرصة للتحسن والعودة الي مخفر الشرطة القريب من بيت العائلة، ويكتشف اللادقاني أن زوج تلك المرأة كان من الذين جندوا في الحرب ولكنه لم يعد. الرواية جبارة ومكتوبة علي شكل مونولوج طويل يستعيد فيه السارد فظاعة الحرب، وأثرها علي النفس الانسانية، والتشوهات التي تحدثها علي الانسان، ويعود دائما الي والده وحارته وأمه، ويتذكر أيضا كلمات الأب البحار عن فظاعة الحرب. ويمكن تحديد الزمن الحقيقي للرواية في عام 1916 أو ما قبلها حيث مشكلة الأرمن وترحيلهم وبداية الانسحاب العثماني من فلسطين وسورية وهزيمة الجيش الذي قرر الانسحاب الي شمال لبنان كما يقول خليل، لكن خليل الذي شعر بالقرف من الحرب وبشاعتها يقرر الهروب الي جرود لبنان/ جبالها حتي تنقشع الغيمة وبعدها يعود في رحلة طويلة الي سوق اللحامين أو حارتهم بحثا عن والده وأهله وذكرياته والوجوه التي بقيت أو التي لم يبق منها غير آثارها. المونولوج الطويل تقطعه أحيانا مواويل شعبية عن الوطن والأرض. ولأن هذه هي صفة العمل، لم يحفل كثيرا برسم الأماكن أو اعطاء رؤية جسدية للمدن والقري التي مر بها، فالجندي خليل قطع مناطق واسعة وشاسعة ولكنه لم يلتفت اليها أو يصفها الا بقدر ما يعكس حالته الانسانية. يتسيد خليل النص، بذكرياته، ولا يشرك أحدا في صناعة الأحداث، باستثناء محمد الجبلاوي، ابن جبلة السورية الذي يرافقه في الرحلة من الحدود العثمانية مع روسيا الي فلسطين وبعدها يفترقان في الطريق، ليلتقيا ثانية حين يصاب وينقل الي المستشفي الميداني لكي يُعالج.

شخصية خليل اللادقاني لم تتغير لا بفعل التجربة ولا بفعل قساوة الحرب بل ظل علي موقفه وبقي فريسة للنوستالجيا أو الحنين الي الماضي والي الوطن مع أن بلاده اضحت في أسر الاستعمار، ولم يتغير علي البلاد الا الوجوه الفرنسية والجنود السنغال الذين جاؤوا مع المستعمر. من الواضح أن لدي الكاتب محمد سمير جعارة الكثير من الأدوات والمفردات التي تتيح له أن يحولها الي عمل أعمق وذي بعد تاريخي واجتماعي عن الأيام الأخيرة للعثمانيين في البلاد العربية وانهيار الدولة. ومن الواضح أن لديه أيضا مفاصل مهمة في ذلك التاريخ، وإن استعاض عن التاريخ أو الواقع باللغة الشاعرية التي تحدثت عن أثر الحروب وبشاعتها وأدانت الدولة العثمانية التي استعبدت العرب، مع أنها حكمتهم لأكثر من أربعة قرون (ولهذا المدخل الكثير من المحاذير، كأن يجنح نحو التعميم، والتغاضي عن التفاصيل المهمة)، ولعله سيجنح في الجزء الثالث من ثلاثيته الي الاستفادة التامة من تلك الأدوات والمفاصل المهمة في ذلك التاريخ والتحولات التي اصابت مجتمعا بكامله ولامست حيوات الكثيرين ليحفر لعمله جذورا أعمق علي الصعيدين التاريخي والاجتماعي لأيام العثمانيين الأخيرة في البلاد العربية، ولعل هذا ما كان يمهد له حين ختم الجزء الثاني، حارة الشوق ( سوق اللحامين) علي النحو التالي: وظللتُ أبحث وأفتش عن جواب في الأيام والأعوام التالية: كيف حدث هذا؟ ربما أصل الي الجواب بعد حين… ربما أجده، ربما لا أجده!! فالعالم من حولنا يطرح آلاف الأسئلة التي لا أجوبة لها…. حتي الآن.

ناقد من اسرة “القدس العربي”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية