القاهرة: بيت الكلمات

حجم الخط
0

عناية جابر

سلمت مخطوطة ديواني الجديد الي شرقيات وانتهي الأمر. حرة الآن تماماً. لا ارتباطات، لا عمل، لا كتابة، لا تخطيط لمطلق شيء. سفر ذهبي، ونسيان كبير. بروحي هذه ذهبت الي القاهرة، الحيلة الوحيدة لكي أكف عن اصابتي ولكي يكون الأمر أسهل. حين حطت بي الطائرة في مطار القاهرة، قلت ان طائرة مثل هذه التي حطت بي، سوف لن تعرف ابداً ما الذي حملته وحطت به. قلت انها حملتني الي القاهرة نفسها التي عرفتها ايمان مرسال، وتمكث بعيدة الآن في كندا. ثم انه النيل نفسه، مفلوش تحت شرفتي، لأجله حملتني الطائرة بأحشائي الملتهبة، وقلبي خفيفاً وثقيلا كقطعة رصاص مجنحة.

أستدعي الصمت في هذه الشقة، والسلام استدعيه. صامتة، أجول في القاهرة وتشبه غرفة نوم قديمة. مدينة لا تتطلب إلا اكثر ايحاءاتي تملصاً. لا لغو عن الحياة او الموت او الاشياء التي تحدث في بيروت بسرعة. أقيم اتصالا تخاطريا مع ايمان مرسال التي في كندا الآن، باللغة الخاصة بنا، لغة الرياضيات العالية من دون أثر للحم او الدم. اتصال عجيب شبحي غولي. لماذا اتذكر فجأة النادي اليوناني وكانت ايمان تجلس معنا بحضورها الرقيق وقوتها الجبارة. كم كدّرني اننا لم ننسحب معاً، نخرج الي الهواء اللطيف ونحكي. مثل ذلك النقصان وحشي، ويظل يحدق الي من السماء والارض، ومن الجدران، ويؤسيني الأسي الذي اكثر مما ينبغي. امطرت تلك الليلة بلا اي تحذير، تذكرين ذلك، لا ريب. لا بأس، اتجول الآن في مدينتك كجريمة سرية، كملاك يُخفي خططاً.

من الطبيعي ان اصيخ السمع في الليل الي هدير المصعد. أتابع ذلك الهدير طابقا طابقا حتي فحيحه الأخير في الطابق العاشر لما أحتاج بقوة هديره المهدئ، في استلقائي القلق ويجافيني النوم حتي في الطابق العاشر القريب من نوم السماء. أنت ليتك تهاتف الآن! لو هاتفتَ آكل بشهية. اسبوع مضي علي اقامتي القاهرية. الأمور حسنة كلها، سوي انني لا آكل جيدا ولا انام جيدا ويكون من الملائم تماما لو هاتفتني فيشبه هتافك امرا معجزا يجعلني آكل بشهية وآوي الي فراشي مترنحة.

لدي مشاكل كبيرة مع النوم، وهكذا يأتي الليل ولا يكون يحمل اي ايماءة من ايماءات التعاطف معي. لا نوم، لا كتابة وها انا مسافرة غير مريحة، مشاكسة ولا املك تصورا واضحا عن السبب القوي الذي يجعل البعض يلقون بأنفسهم من الطابق العاشر، ولكنني واثقة يا صديقتي، انك تعرفين اكثر مني ما الذي يسوق البعض الي القيام بهذه الاشياء. قطعا، لا اظن انك تريدينني ان افكر علي هذا النحو. طيب! اتجول بهدوء في القاهرة الفاتنة ليلا، واتحرك بين الاماكن ببطء، كحيوان ضخم في فيفث افنيو.

يبدو غريبا قليلا انني اصطحبت معي كل اصوات الانفجارات التي حدثت في بيروت. كل الاطفال القتلي وكل البنايات التي تهدمت والزرع الذي اجتثه حريق كبير. ان اللبنانيين يصطحبون معهم مثل هذه الامور، ومهما يكن، لكل غرائبه!

اذهب الي شرقيات مع جرجس شكري واجلس الي الكومبيوتر اري الي كلماتي لمرة اخيرة، قبل ان تصبح كتابا. جدل عظيم يحيي روحي ويصر علي الا اغادر المكان. انتبهت الي جرجس كيف كان ينظرني. نظرة صحية بسيطة ومستحسنة مربتا علي كتفي: كتابك خلص اهوه.. مبسوطة يا ستي؟ لا حاجة للمرء ان يكون ثريا ليشعر بالسعادة، يكفي ان تتألف حياته من الكلمات. لدي هبة حلمي الكثير من الافكار عن غلاف الكتاب وتسميها أساطير الاغلفة. احب الاساطير، لكن لا اهتمام استثنائياً لدي بالموضوع اريده ابيض بالكامل يا هبة، وابتعدي ارجوك عن التزيين. لا اري داعيا لابتكارات خطرة من أجل غلاف كتاب صغير. فكرتي عن كتابي هي تجنيبه القبح، والتركيز علي إحداث توتر في مشاعر الكلمات وفي سلوكــــها وفي وقوعها في قبضة الهذيان.

ان لدي رؤية كافية لأدرك ان العـــــالم متورم، وما من مكان لنا، سواء اتت كتبنا جميلة او قبيحة. يمكننا مع ذلك مـــــواصلة الكتابة، كمن يغـــــذي في داخله فحســـب، ولهاً عميقا بالكلمات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية