المرجعيات الدينية في العراق: عنصر استقرار أم توتر؟

حجم الخط
0

المرجعيات الدينية في العراق: عنصر استقرار أم توتر؟

هارون محمدالمرجعيات الدينية في العراق: عنصر استقرار أم توتر؟عندما يعترف آية الله بشير نجفي، وهو للعلم ليس نجفياً ولا عراقياً، وإنما من الشيعة الباكستانيين الذين وفدوا علي العراق واستوطنوا فيه، بانه لولا دعوة المرجعية الشيعية الي تأييد الائتلاف الشيعي في الانتخابات الأخيرة، فإن الأمور كانت ستصبح بيد من أسماهم بـ(أعداء العراق) وهو يقصد السنة العرب والبعثيين وكذلك النخب الشيعية التي ترفض هيمنة التنظيمات والميليشيات المرتبطة بايران، فان هذا الاعتراف الذي ورد في بيان وزعه مكتبه، الثلاثاء الماضي، بعنوان (تقييم الوضع الحالي في العراق) يؤكد ان المرجعية الشيعية في النجف تتدخل في صميم الشؤون الداخلية العراقية بطريقة فجة وطائفية، رغم ان اقطاب المرجعية الثلاثة (السيستاني واسحق فياضي ونجفي) هم من أصول اجنبية، ايرانية وافغانية وباكستانية، ولكنهم يحشرون أنفسهم في قضايا سياسية تفرق المجتمع العراقي وتزرع الفتنة في صفوفه، مع ان وظائفهم الدينية تحتم عليهم ان يكونوا رجال اصلاح واخوة واتحاد، بعيداً عن التمذهب والتحزب. وقبل بشير الباكستاني، كان احمد الجلبي قد كشف النقاب في ندوة صحافية عقدها في لندن الاسبوع الماضي، عن ان السيستاني هو الذي طلب من ابراهيم الجعفري سحب ترشيحه لرئاسة الحكومة الحالية، بعد ان سمع المرجع بان الرئيس بوش لم يرتح مزاجه لابراهيم وطالب باستبداله، وان السيستاني إضطر الي اتخاذ هذا الامر شعوراً منه بان وضع الشيعة في العراق بات مهددا،ً إذا استمر ابراهيم في تشبثه بالترشيح، فإن هذا الحديث الذي يأتي من عراب الاحتلال ومؤسس البيت الشيعي، اضافة اخري تعزز الادلة علي تدخلات المرجعية السافرة في الشأن العراقي وسعيها المحموم لتكريس الاحتقان الطائفي وتأجيج الاحتراب الداخلي.ولا نريد هنا عرض مراسلات الحاكم الامريكي السابق السفير بول بريمر مع السيستاني التي كان يحملها الموفودون بين المنطقة الخضراء ببغداد والنجف، فهي مثبتة في كتابه (عامي في العراق) وتوضح حجم التعاون والتنسيق بين المرجعية وممثل الاحتلال، وتكشف في الوقت نفسه عن كيفية احتواء الامريكان لمراجع الشيعة الاجانب، بينما لم يجدوا مرجعاً شيعياً عراقياً وعربياً واحدا يقبل التعاون معهم سياسياً، حتي محمد الصدر في الكاظمية فانه رغم الدعوات والولائم التي أقامها لبريمر فانه لم يجرؤ علي اقامة تعاون سياسي مع الاحتلال خشية نفور مقلديه ومريديه منه، واكتفي بتقديم الكباب والبرياني والفسنجون له.. والأخيرة أكلة ايرانية الاصل، حتي ان العراقيين إذا ارادوا ان يسخروا من احد هؤلاء أطلقوا عليه تسمية (ملا فسنجوني) تهكماً.وتعاون فقهاء الشيعه مع الاحتلالات الاجنبية للعراق ليس جديداً، ولعل حكاية آل طاوس وكانوا يتولون رئاسة الشيعة ببغداد والحلة والنجف وتعاونهم مع هولاكو عندما احتل العراق في عام 1258 للميلاد من أبرز صور الخنوع والموالاة والتبعية للمحتل الاجنبي، ومنها ان مجد الدين بن طاوس قاد وفداً شيعياً والتقي هولاكو خارج بغداد قبل احتلالها وقدم الطاعة له وشجعه علي (فتح) سيدة المدن العربية والاسلامية، الأمر الذي أدهش هولاكو الذي سأله كيف أقدمتم علي مكاتبتي والحضور عندي قبل ان تعلموا بما ينتهي اليه امري وأمر صاحبكم ـ يقصد الخليفة المستعصم بالله ـ وكيف تأمنون ان صالحني ورحلت عنه؟فردوا عليه اقدمنا علي الاجتماع بك لأنا روينا عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام انه وصف لنا ذلك، ووجدنا الصفات فيكم، رجوناك فقصدناك، وللمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع يراجع كتاب (كشف اليقين) لمؤلفه الفقيه الشيعي الحسن بن مطهر، ويروي ابن الطقطقي في كتابه (الفخري في الاداب السلطانية) عن عميل آخر من آل طاوس هو رضي الدين علي بن طاوس الذي استدعاه هولاكو بعد احتلال بغداد مع جمع من العلماء واستفتاهم ايهم افضل، السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر، فاحجم العلماء، فتقدم رضي الدين وتناول الفتيا ـ الفتوي ـ ووضع خطه فيها، بمعني توقيعه بتفضيل الكافر العادل علي المسلم الجائر.وينقل هذا الطاوس في كتابه (اقبال الاعمال) في تعضيد رواية ابن الفوطي، فيقول: لم نزل في حمي السلامة الآلهية وتصديق ما عرفناه من الوعود النبوية الي أن استدعاني ملك الأرض ـ يعني هولاكو ـ الي دركاته المعظمة جزاه الله بالمجازات المكرمة، وولاني علي العلويين والعلماء والزهاد، لاحظوا كيف وصف المحتل الاجنبي بملك الارض ومساواته بملك السماء جل وعلا، وقد سبق كل هذا، الدور الخياني المعروف الذي لعبه وزير المستعصم بالله، العميل الشيعــي ابن العلقمي.وعندما احتل الصفويون العراق أول مرة في عهد الشاه اسماعيل عام 910 هجرية، الذي استقبل بحفاوة وترحيب من فقهاء الشيعة، صعد نقيبهم ويدعي محمد حسين الحسني الشهير بـ(كمونة) المسجد الجامع ببغداد، وخطب للشاه الخطبة الاثني عشرية، المعروفة في التراث الشيعي، ودعا له، ولم يكتف الحسني ـ الصحيح او المزعوم ـ بخدمة الشاه الصفوي والعمالة له في العراق، وإنما ذهب معه الي تبريز عاصمة الدولة الصفوية وشارك في معركة (جالديران) التي انتصر فيها السلطان العثماني علي الصفويين وقتل فيها ابن كمونة شر قتلة، كما جاء في كتاب (الطريقة الصفوية ورواسبها في العراق) للعلامة الدكتور كامل مصطفي الشيبي.ومن يطلع علي مسيرة قادة المرجعية الشيعية في العراق، في تاريخه المعاصر، منذ انشاء دولته الحديثة في عشرينات القرن الماضي، وجميعهم من الايرانيين، يلاحظ انهم يطبقون مبدأ (فقه المقاطعة) ضد الحكومات العراقية المتعاقبة، بينما يمارسون ما يسمي بـ(فقه الطاعة) للحكم الايراني، سواء كان بهلوياً أم خمينياً، ويرافق ذلك اعتماد نظرية (التقية) وهي مفهوم انتهازي يقوم علي (إظهر.. خلاف ما تبطن) وقد حرمها اية الله خميني في عام 1963 خلال خلافه مع شاه ايران محمد رضا، ولكنها ما تزال سائدة اكثر من السابق، ومن يستعرض اسماء مراجع النجف الكبار من اصحاب القرار والفتاوي، يصدم من اسمائهم وألقابهم الفارسية والهندية والاذرية الصارخة (خراساني، اصفهاني، شيرازي، نائيني، يزدي، قمي، سبزواري، شاهرودي، ميلاني، بروجردي، طباطبائي، خوئي، سيسيتاني، فيازي، مدرسي) في الوقت الذي يتم التضييق علي العلماء العراقيين والعرب، وتطلق عليهم شتي النعوت الجارحة والاتهامات الباطلة. وذكرنا في مناسبة سابقة كيف صار تقليداً شاهنشاهياً في تنصيب المراجع في النجف، عندما تجاوز البهلوي شاه ايران السابق الايات الايرانيين لتبوؤ المرجعية الشيعية عقب وفاة المرجع الاعلي حسين بروجردي عام 1960 وعلي رأسهم شريعة مداري وكلبيكاني وخونساري، وأسند المرجعيه الي محسن طباطبائي الحكيم في النجف، وقد فسرت هذه الخطوة بانها اهانة للحوزة الشيعية في ايران، كما ينقل عن خميني، كاتب سيرته محمد حسن رجبي في كتابه (الحياة السياسية للامام الخميني). ولم يتوقف مراجع النجف وكربلاء الايرانيون عن معارضة الحكومات العراقية سواء في العهد الملكي او الجمهوري، والتشنيع عليها واعتبارها ظالمة، ومواصلة التأييد للسلطات الايرانية القاجارية والبهلوية والخمينية والخامنئية، بل انهم مارسوا أساليب التسقيط والترهيب ضد علماء وسادة ينتمون الي أسر وبيوتات دينية عراقية وعربية بارزة ولامعة مثل آل الخالصي والجزائري وكاشف الغطاء والبغدادي والصدر، والصاق تهم باطلة بهم، والقصد واضح يتمثل في منع وصول أحدهم الي رئاسة المرجعية رغم علميتهم وأعلميتهم الدينية، وما تعرض له المرحوم اية الله محمد صادق الصدر من هجمات علي شخصه وتشكيك في مرجعيته عبر اصدارات ومنشورات وتصريحات من باقر الحكيم وحاشيته الايرانية موثقة بالتواريخ، رغم قصر الفترة التي أمضاها الصدر الثاني كما يسمي في سدة المرجعية. وثمة ملاحظة أخري جديرة بالدراسة والتقييم، تتمثل في أن خمسة من مؤسسي حزب الدعوة الشيعي الذي يرأس السلطة في العراق تحت ظل الاحتلال من اصل سبعة، هم من الايرانيين، كما تؤكد ذلك أدبيات الحزب وهم: مهدي آصفي وعلي كوراني وكاظم حائري ومرتضي عسكري ومهدي طباطبائي، اما الاثنان الآخران فهما فقيه الحزب المرحوم محمد باقر الصدر الذي انسحب من الحزب مبكراً، والثاني عبدالصاحب دخيل الذي اعدم في عام 1978، ولعل الإطلاع علي مؤلفات الباحث الشيعي المعروف عادل رؤوف (عراق بلا قيادة، والصدر بين دكتاتوريتين، والصدر.. مرجعيه الميدان) والمطبوعات الصادرة عن المركز العراقي للاعلام والدراسات في دمشق تغني الدارسين والمتابعين والباحثين في هذا الشأن. حتي المجلس الأعلي للثورة الاسلامية في العراق ـ كما يسمي ـ فقد ترأسه عند تشكيله الاول نهاية عام 1982 ايراني فارسي هو: محمود هاشمي ويشغل منذ سنوات رئيس القضاة في طهران وجميع اعضائه من الايرانيين، وتروي حكاية حقيقية بهذا الصدد مفادها، ان آية الله خميني، استقبل تشكيلة المجلس عقب اعلانها بفترة وجيزة، وعند اللقاء تفرس خميني في وجوه رئيس واعضاء المجلس الاعلي، وقال مخاطباً اياهم بسخرية لاذعة: أنتم مجلس أعلي للثورة الاسلامية في العراق أم في ايران؟! إن التجارب المريرة التي تركها مراجع الشيعة الايرانيون في العراق، في ارتباطاتهم مع الاجنبي، وتنفيذهم مخططاته وأجندته وتآمرهم علي العراق، بلداً وشعباً وسيادة ووحدة وثقافة وتاريخاً، تفرض علي العراقيين وخصوصاً الشيعة العرب وقفة جادة في رفض تقليدهم، والامتناع عن دفع (الخمس) لهم، وكشف انحرافاتهم وفسادهم وعمالتهم، وبالتالي الي عزلهم وتسفيرهم الي بلدانهم الأصلية، لأن إستمرار وجودهم في العراق وتعظيم شأنهم، سيجران المصائب علي الشيعة انفسهم مستقبلاً، وصدق القول العربي المأثور: لا تأمن للدغة عقرب.. ولا لعجمي إذا استعرب، وهناك مثل شعبي عراقي شائع منذ أزمنة قديمة يقول: اذا كسرت عظم العجمي، يطلع (…..)!.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية