سأخون وطني كمان وكمان!!

حجم الخط
0

سأخون وطني كمان وكمان!!

نادر قريطسأخون وطني كمان وكمان!!(مهداة الي الصديق الكاتب التونسي حسونة المصباحي) ما أصعب الكتابة.. انها طرق علي أبواب المعني، بقبضة الكلمات.. محاولة لهز قضبان الذات السجينة بين جدران اللغة.. هراء؟ لست بحاجة لهذه الفذلكات، فالكتابة عن القاهرة ليست معجزة أجترحها.. بوسعي أن أفتح أية موسوعة وأقتبس ما أشاء، عن هذه المدينة، التي كانت فسطاطا (معسكرا) لإبل العرب، وأصبحت فسطاطا لسيارات الأجرة والأمن المركزي.. بامكاني أن ألقي نظرة سياحية علي مباني (وسط القاهرة) وأتخيّل الزمن الليبرالي والباشوات والطرابيش، وكل ما تلاشي وراء النقاب والحجاب، أو تشقق كأحذية المصلين البالية. أستطيع أن أتذكر عبد الوهاب، والنيل والأضواء، والمسحة الأرستقراطية لقاهرة الأربعينيات، وأنسي ضجيج السيارات، والباعة، وزعيق كاسيتات الدعاة، والعوادم الخانقة.. تذكرت.. يا للصدفة !! لقد زرت القاهرة في نفس الفترة الشبحية، التي مرت علي أوروبا عام 1582.. آنذاك توقف التاريخ فجأة!! نام الناس ليلة 4 تشرين الاول (اكتوبر) (تقويم يولياني) واستيقظوا صبيحة 15 تشرين الاول (اكتوبر).. كل ما حصل أثناء نومهم، ان البابا غريغور الثامن، قام بنزع عشر أوراق من الروزنامة دفعة واحدة (فيما سميّ بالاصلاح الغريغورياني للتقويم) يا لغرابة الصدف!! قلت في نفسي، ربما يكون السفر هو هروب في الزمن الشبحي من لا معني الي آخر… لا.. لا.. القاهرة مدينة تأسر الحواس؟ كذب وهراء!!.. أقول ذلك لأني كنت مدججا باليورو، الذي أطلقه كالصقر ليفترس الجنيه المرتعش.. أجل كنت هناك لأروي زهرة النرجس العطشي، التي كادت تموت في الغربة الباردة… لا لن أكتب شيئا!! فالقاهرة، هي القاهرة.. أم الدنيا، خالة الدنيا، ضرتها ليس مهما، سأكتب عن شيء آخر ألم بي وهز كياني: ميدان طلعت حرب، أشبه بروما فكل الطرق تؤدي اليه.. هناك كنت أتسمر قليلا أمام مكتبتي مدبولي والشروق ثم أبدأ رحلتي التي تحط أحيانا بالقرب من الحسين.. أما طريق العودة الي الفندق، فيلزمه حاسة الاهتداء عند الطيور، ولكوني فقدتها منذ ملايين السنين.. كنت مضطرا لتكرار نفس الجملة بدون كلل: شارع محمد فريد لو سمحت؟ شارع محمد فريد من فضلك.. أحيانا يصبح هذا السؤال مقدمة للدخول في مقدمة ابن خلدون، والابحار في التاريخ والاجتماع البشري.. فالفضول علي ما يبدو مهنة الناس جميعا (وليس مهنتي وحدي).. أما الحادثة الجلل التي أرويها، فقد بدأت فصولها في منطقة العتبة، (وما أدراك ما العتبة)، مكان يحتشد فيه خلق كثير، وآلاف من العربات والأكشاك والباعة.. قبيل الافطار ترتفع عصبية الناس وعجلتهم وضيق أنفسهم، واستطيع القول (وأنا بكامل قواي العقلية) بأن الكثافة البشرية في العتبة تساوي كثافة الحجيج عند رمي الجمرات.. هناك وسط ذلك الحشد الجماهيري، داهمتني حاجة ملحة لمرافق صحية (بالعربي: تواليت) ثمرة أينعت وحان قطافها، بعد يوم من التسكع، والتسلل الي بعض المقاهي (المفتوحة أثناء رمضان علي خجل)، وبتعدد زيارات التدخين تعددت كؤوس الشاي التي تجرعت..أصبت باحتقان رهيب .. في ريفنا الشامي نسمي العملية (تطيير الماء) والدلالة جاءت علي ما يبدو من عادة التبول علي الهواء مباشرة، في براري الله الواسعة.. وتسمي بالفصحي (الاستنجاء) وقد تركت لنا المدوّنات العربية شروطا مهمة للاستنجاء (خصوصا التغوّط) حيث ألح البعض علي ضرورة استخدام حجر (طاهر، أملس، قالع) واستمر هذا التقليد الي أن أجاز المذهب الحنفي استخدام الماء في التنظيف (لذا أطلق العرب علي صنبور الماء اسم الحنفية).. وعودة الي المصيبة التي كنت فيها، فالسؤال وسط تلك الجموع عن تواليت كان يبعث علي الابتسام والشفقة بآن معا .. بعض المحال المفتوحة وأصحاب المطاعم الصغيرة، المنهمكة في اعداد وجبة للصائمين، أشاروا الي محطة بنزين قريبة، سلمت أمري ومشيت لكن مقاومتي بدأت تتهاوي.. فكرت لحظة.. أأفعلها علي نفسي ثم أبكي كطفل فقد أمه في الزحام؟ وصلت.. يا الهي ماذا أفعل.. فمحطة البنزين الموعودة، لاتحوي مكانا لهذا الترف الامبراطوري.. أشرت الي سيارة تاكسي… وتمنيت لو أنه يطير فوق السيارات، كي أصل الفندق وأدخل بيت الراحة علي راحتي… غير ممكن… فالازدحام شديد ومرور سيارة من ثقب الابرة أهون من مرورها في الشارع.. قفزت من التاكسي بعد أن فقدت الأمل ..في تلك اللحظة المصيرية من تاريخي، وبينما كنت كالمتشبث بغصن كاد ينكسر، لمحت علامة لمحطة المترو! هرولت مسرعا، وهبطت الأدراج، وسألت شرطيا (يرتدي ثيابا بيضاء كالملائكة).. أجاب هنالك تواليت مخصص للموظفين، يقع في الممرات التي يسلكها المسافرون الي الجيزة.. انما توجب عليّ شراء تذكرة للمترو، كي يتسني لي فتح البوابة الآلية (التي تشبة العتلة)… قفزت باتجاه شباك التذاكر.. لكن سوء حظي، وقف لي بالمرصاد (كالعادة).. جموع غفيرة سبقتني الي الشباك وأخذت تتدافع بالمناكب.. قلت: لا حل ولا عزاء… أتوكل علي الله وأبول علي نفسي.. لا.. لا.. عيب (تذكرت للحال أغنية أشد بها أزري تقول: صح يا رجال أيوا صح.. حنا للضيف والسيف والخيل والويل) عدت الي شرطي آخر، ابتسم لي برقة، رجوته أن يفتح البوابة، باستخدام سلطته وحنكته وانسانيته، وبعض جنيهاتي… أخيرا اجتزت المنعطف التاريخي قبل ان يتبلل سروالي…. (هل صدّقتم أنه لم يتبلل؟). كاتب من سورية يقيم في فيينا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية