صواريخ المقاومة سابقة لتغيير موازين معادلة الصراع مع إسرائيل

حجم الخط
0

منذ بداية هذا القرن والمنطقة العربية تعيش حالة ارتباك متواترة مرتبطة وناتجة عن التحولات السريعة والجذرية التى تحدث فيها. مجرد مقارنة بسيطة بين ما كانت عليه سابقاً وما هي عليه المنطقة الآن تسمح بملاحظة أن معظم الحيثيات والمعطيات السابقة، خاصة في ما يتعلق بقواعد اللعبة السياسية، أصبحت تدريجياً جزءا من ذكريات الماضي. البديهي هو أن الغالبية العظمى من المحللين، بمن فيهم الإسرائيليون، يدركون سراً وعلانية أن واقعاً جديداً بدأ يتبلور منذ فترة، وأنه يفرض نفسه بقوة وبشكل فعلي على الجميع. هذا الواقع، رغم تأثيره السلبي والمباشر على العرب، فهو كذلك لا يصب بتاتاً في صالح إسرائيل. أحد أهم التحولات المعنية تمس، العقلية، السلاح، الإرادة والتكتيك المرتبط بالصراع العربي- الإسرائيلي- الفلسطيني. قبل وقت قليل كان هذا الصراع مجرد صراع بين المؤسسات العسكرية الرسمية، أما الآن الأمور اختلفت تماماً بفعل دخول عنصر المقاومة ذات الجذور الشعبية، الإرادة الصلبة والقوة المؤثرة فعلاً لا شكلاً أو قولاً.
كافة المؤشرات تدل على أن إسرائيل لم تكن تعتقد يوماً بدخول هذا العنصر غمار الصراع بسرعة وكفاءة عالية. والمؤكد أنها غير مرتاحة له، لما يحمل في طياته من تفوق معنوي ونسبي.. في المقابل كل من كان يتمنى خروج الصراع من إطار النطاق الرسمي، كان يتمنى كذلك بروز مثل هذا العنصر يوماً ما، لأنه فعلاً عنصر مهم وفاصل في معادلة موازين الصراع القائم.
منذ تأسيسها خاضت إسرائيل عدة حروب مباشرة مع العرب، وخرجت من معظمها شبه منتصرة. ونقول شبه منتصرة لأن أياً من هذه الصراعات لم يحسم وضعية وشرعية دولة إسرائيل حتى اللحظة. وهي أكثر من غيرها تعلم وعلى يقين بأن معظم الاعترافات، المفاوضات العلاقات التي أقامتها مع الجهات الرسمية غير مجدية، اذ ليس لها عمق ولا تحظى بدعم ورضا جماهيري.
ما تدركه كذلك إسرائيل هو استحالة الاعتراف أو القبول بها من قبل أي مواطن عربي أو فلسطيني، طالما لم تكن الهيبة والهيمنة لهم فوق الأرض وتحت السماء. على هذا الاساس ومنذ أن نشأت دولــــة إســـرائــــيل وحتى هذه اللحظـــة لم تهنأ ولن تهنأ يوماً باستقرار أو بشرعية مقنعة ومتكاملة.
وهي رغم الانتصارات الشكلية والدعم الخارجي ، مازلت تعيش بشكل دائم تحت فعل الضغوطات المتواصلة التي تمنعها من العيش بأمن وسلام. على هذا المنوال نفسه سوف تستمر طالما تمسكت بسلوكها الهمجي والعدواني الغاشم. كافة المؤشرات تدل، وهي على دراية ويقين من ذلك، بأن حاضرها ومستقبلها لن يكون افضل بكثير من ماضيها.
غباء قادة إسرائيل يكمن أساساً فى عدم إدراكهم عنصر الزمن واستغلاله لتسوية أوضاعهم فى المنطقة، من خلال الرضوخ لواقع المنطق والأغلبية التي تملك عنصر القوة الكامنة، التي لم تستغل بعد بشكل فعلي. لو ادرك قادة إسرائيل حقيقة ذلك وتيقنوا من استحالة بقاء قواعد الصراع ثابتة لما وصلت دولتهم إلى المأزق الذي هي فيه حالياً، والذي من المحتمل أن تنغمس فيه أكثر وأكثر بحكم التغيرات التي تحدث تدريجياً في معادلة الصراع القائم ونضوج أجيال وفكر اكثراً تماسكاً وإصراراً في رفض وجودها وعربدتها في المنطقة.
لقد فعلت إسرائيل كل ما بوسعها لمنع تغير وانقلاب موازين القوى. وقد اعتمدت اساساً على عامل المواجهة الكلاسيكية والسريعة لمنع حدوث مثل ذلك. استناداً الى هذا أرادت دائماً أن تكون المواجهة محصورة بين الجيوش، لأنها تدرك أن الجيوش العربية بالتحديد لم تكن يوماً من الأيام مجهزة ومدربة لمحاربتها، وإنما أساساً للدفاع عن أنظمة الحكم القائمة. ضمن هذا النطاق تم تسليح هذه الجيوش ورسم الاستراتيجيات والخطط العسكرية. وما حال الجيش النظامي السوري الآن سوى الدليل على هذا الوضع المؤسف. فهذا الجيش وأمثاله بدل أن يواجه عدوان إسرائيل ، وقف ضد الشعب بجانب النظام، ترك إسرائيل تسرح وتمرح في سمائه. من المؤكد أن الشرفاء في صفوف الجيوش العربية في حيرة من أمرهم، وهم يرون كيف أن مجموعة صغيرة من رجال المقاومة تفعل بإسرائيل، ما لم تفعله هي رغم امتلاك دولهم كافة أنواع الأسلحة. ما سوف يستنتجه هؤلاء هو ان القضية هي قضية إرادة، ضمير وعزيمة. على ما يبدو أن رجال المقاومة يملكون منها الكثير.
انطلاقاً من الواقع الجديد، الذي تعلمه إسرائيل حق العلم واعتقادها الدائم بأنها محصنة بجدرانها، فقد اضحى جلياً أمام الجميع أن استراتيجية المواجهة الكلاسيكية واهية في هذا الوقت، وأن من الأجدى تسليم زمام المبادرة لقوى المقاومة القادرة فعلاً وبلا خوف أو تردد على الردع ودق معاقل بني صهيون بالصواريخ قبل المدافع. في الواقع لم تكن تتخيل أو تحلم إسرائيل بأنه سيأتي اليوم الذي تصفعها المقاومة الفلسطينية بهذه الثقة والكثافة. تراها دائماً تعتقد أن طائرتها هي من يقذف ويدمر، وأن مدنها لن تكون يوماً هدفاً عسكرياً مباشرا، مثلما كانت المدن العربية. لقد جاءت المقاومة الفلسطينية اليوم، واللبنانية والعراقية فى عهد صدام حسين سابقاً، لتقول بأن ضرب العمق الإسرائيلي أمر ممكن وشرعي وضروري. في الواقع ما تقوم به المقاومة من دق للمدن الإسرائيلية، خاصة تل أبيب، يفتح المجال أمام أفعال مستقبلية مشابهة وأكثر شدة ووطأة. عاجلاً أم أجلاً لكل فعل ردة فعل، والآن وفي المستقبل غير البعيد كل الأفاق والاحتمالات واردة. لقد فهم وتعلم المقاوم الفلسطيني أساليب المحتل، وها هو يستعملها بشموخ وكبرياء. انها تحتسي الآن كأس سمها.
المؤكد أن إسرائيل تعلم وتسجل ذلك وحتماً هذا ما يؤرق قيادتها العسكرية قبل السياسية، خاصة أنها تعلم أن المقاومة فتحت الطريق لمن يريد لاحقاً أن يسلكها بعزيمة وبشكل أقوى. في قضايا البقاء والكرامة، ليس هنالك إنسان منزه ومدن منزلة. بفعل ما فعلت من قذف لكافة المدن فقد قدمت المقاومة الفلسطينية سابقة تاريخية جديدة لم يكن يفكر أحد فيها بجدية وبشكل فعلي خوفاً من ردة الفعل الإسرائيلي والدولي. الآن وقد اكتشف الجميع امكانيات دولة إسرائيل حال مواجهة أكبر زخم من هذا النوع من القذف، فمن الممكن وبدون تردد أن يتم ذلك وأن تنقل ابتداء من الآن رحاب المعركة إلى العمق الإسرائيلي. مثل هذا التصرف هو ما سوف يهز فعلاً كيان هذه الدولة ويغير قواعد اللعبة والمعادلة القائمة.
لقد كسرت المقاومة، ذات الإمكانيات البسيطة، كافة الحواجز وتجاوزات كافة الاعتبارات التي كانت تشل إرادة قيادات هذه الأمة. على الجميع، وبالذات إسرائيل، أن يدرك ويخطط على هذا الاساس وأن يضع بالحسبان كافة الاحتمالات الواردة والممكنة.
وعلى المتردد والمتأرجح، خاصة من أهل السياسية، أن يكون واعيا بأن المقاومة فتحت الأعين والطريق نحو العمق الإسرائيلي ودلت الغير على كيفية التأثير الفعلي على القادة العسكريين والسياسيين منهم. تــــكريماً لهذه المقاومة، أجدى ما يمكن أن تفعله الحكــــومات العربية حالياً لقطاع غزه هو أن تمد رجالها بكافة أنواع الذخيرة والعتاد، وبالتحديد الصواريخ طويلة وقصيرة المدى.
بالنسبة لنا جميعاً، كعرب وفلسطينيين عامة، ما يحصل في هذه القطعة الباهرة والصامدة من الوطن، رغم عمق المأساة وغلاء الثمن، يجب أن يجعل منها ساحة إدراك للواقع وتسجيل للملاحظات التي يمكن أن نستفيد منها في ما بعد. إضافة لذلك وأمام عجز القدرة والإرادة العسكرية يجب المراهنة ومساعدة هذه المقاومة، لأنها حتماً سوف تساهم في اكتشاف أفضل وأسرع السبل لتغير موازين القوى وأنجع الطرق لفرض واقع يجعل قادة إسرائيل يعيدون بلورة كافة جوانب استراتجيتهم العسكرية والسياسية في المنطقة.

٭ كاتب فلسطيني- إسبانيا

د. ناصر عبد الرحمن الفرا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية