حيث لا تسقط الامطار!

حجم الخط
0

حيث لا تسقط الامطار!

أمجد ناصرحيث لا تسقط الامطار!ليست الغيوم واحدة. ليست كلها خيرا. لا يتغزل الانكليزي، مثلا، بغيمة ولا يسميها بمئة اسم، فهي، تقف كثيفة، داكنة، مهددة، فوق رأسه ككابوس مقيم. هنا، في جزيرة سماؤها قبة من الغيوم، لا تعني صلاة الاستسقاء شيئا. لا ترتفع الاكف الي الاعلي وتضرع الافواه الجافة بالرجاء لصانع المطر كي يبسط كفيه الإلهيتين، فهما مبسوطتان بلا حساب. الدعاء، إن وجد، فهو معكوس، والحال، ليس شائعا ان يسمي الناس ابناءهم وبناتهم بأسماء مستلهمة من الاحوال الجوية وانواع المطر وطبقات الغيوم: غيث، سحاب، مطر، مزنة، جود، ثلجة، رعد، ندي، رهام، ديمة، هتون، رباب الخ..تهبط متاهة قطارات الانفاق الكئيبة المعتمة فتري شموسا برتقالية تسطع في امكنة بعيدة واجسادا تعرّض نفسها لأعطيات الجفاف وتقرأ بيتا شعريا مجتزأ لصاحب الارض اليباب يقول: حيث لا تسقط الامطار!ولكن حيث لا تسقط الامطار ولا تستر عري السماء غيمة واحدة يبتهلون لما لا يُبتهلُ له هنا.للغيم المتفرق الجافل المتمنع البعيد مئة اسم تستدرج، بحيل اللغة والإيقاع والتعزيم، ذلك البخار المتكاثف من حرارة الانفاس كي يتقطر اكسير الحياة وينز وينث ويترذرذ علي أرض وأكف مشققة.فوق بيت حانون لا تمطر (ديمة) ابي تمام، ولا (رباب) الاخطل، ولا (دجن) لبيد، بل غيوم (اولمرت) المسلحة. يسميها، كمن لم يكن يوما ابنا لتلك الارض: (غيوم الخريف)!لو عاش (اولمرت) مئة عام اخري مع اشتاته الذين يؤلفون، بالحديد والنار والتلفيق التاريخي، وطنا بلا ذاكرة ولا ماض، لن يعرف شيئا عن السواري (الغيوم المبكرة)، ولا انشاص (الغيوم المرتفعة)، ولا الدجن (الغيوم المرعدة)، ولا الرباب (الغيوم المثقلة بالماء بطيئة الحركة)، ولا السمحاق (الغيوم رقيقة الحاشية) الخ…ذلك ارث ارض صنعتها اللغة وتركت مئة اسم ووصف لشيء واحد قد لا يستحق كل هذا الاطناب والفضفضة الواسعين لبلاغة مسرفة في الكرم.أولمرت القادم من لغة خارج التداول و بلاد تتعفن من المطر والغيوم والرطوبة يستخدم، بكل استخفاف وجهل ووقاحة، اكثر الالفاظ احتفاء، عندنا، بالخير والرجاء لانزال عقاب جماعي بالفلسطينيين (امطار الصيف، غيوم الخريف)، ولأنه ليس ابن صحراء لن يعرف كيف يمكن ان تكون الغيمة خيمة و(قيعان الماء) بؤرة حياة، ولأنه لقيط علي تلك الارض التي قلَّبها الفلاحون بمحاريثهم واظافرهم ملايين المرات لن يعرف صدوعها وتشققاتها وهسهسة اعماقها شوقا للمطر.غيمه مصنّع، بمعادلات كيماوية قاتلة، في وزارة (الدفاع) وامطاره وابل من رصاص وديناميت انجبته عقليات التوسع والسيطرة والتفوق.أولمرت واشتاته حاقدون علي الارض ورموزها. فهم لا يتوقفون عن الجرف والقطع والاجتثاث. لا يريدون شجرة استند اليها فلاح فلسطيني او آوي اليها راع بدوي قبل هبوبهم العاصف من معازلهم الباردة ليكونوا حرسا دمويا في ورشة النهب الغربية في المنطقة.محمود درويش، الذي له ديوان يحتفي عنوانه بشجرة الحياة في فلسطين اخبرني، مرة، انهم يكرهون الزيتون. لا يطيقون رؤية تلك الاشجار الدهرية التي لازمت ارض فلسطين منذ تحضرها، فيجتثونها من جذورها ويزرعون بدلا منها اي اشجار اخري، برتقالا مثلا.اي شيء الا تلك الشجرة ترتبط بالفلسطينيين وارضهم مثلما ترتبط النخلة بالعراقيين وبلاد الرافدين.في كل شبر من فلسطين هناك حياة يومية لم تنقطع مثلما هناك رمز يجعل لهذه الحياة بعدا صعب الاجتثاث. فهل هي مصادفة ان تصب آلة الدمار الاسرائيلية، التي لا يملكون لسانا او رواية (مقنعة) غيرها، جام غضبها علي بيت حانون ويهدمون جامع النصر الذي يرتبط بواقعة مشهودة مع الصليبيين؟ يروي عبد اللطيف زكي ابو هاشم مدير المكتبات في وزارة الاوقاف الفلسطينية في مقال له عن جامع النصر حكاية بنائه. فقد اقيم الجامع الذي اكتسب اسمه من الواقعة التي انتصر فيها العرب علي الصليبيين في بيت حانون بعد مقتل القائد مؤيد الدولة علي ابواب غزة، وانتقاما لمقتله جرد الامير شمس الدين سنقر حملة عسكرية علي الجيوش الصليبية في بيت حانون وهزمهم فيها، فأمر ببناء هذا المسجد الذي سمي مسجد النصر، وخط كاتب الامير محمد بن احمد كلمات عن بانيه وسبب بنائه علي قاعدة حجرية في مدخل المسجد الذي لم يبق منه الاسرائيليون سوي منارته شاهدة علي فكرة الاستئصال الأثيرة للعقل الصهيوني.فـ(الغوييم)، اي غير اليهود (ان صحت ترجمتي لهذه الكلمة التي سمعتها لأول مرة من مناحيم بيغن) ليس لهم الحق (الشرعي)، او (الالهي) الذي لليهود. فهم ليسوا شعب الله المختار ولا ابناءه المصطفين!ـ ـ ـغيوم مسلحة فوق بيت السيد الكنعاني حانون.دماء بكر تسقي الارض اليومية للفلسطينيين اواخر الخريف.الذين لا يعرفون الارض لا يعرفون السماء، تلك معادلة بسيطة. يتلاعبون، بحقد او جهل، بالالفاظ والمعاني والارواح، من دون ان تندّ عن لحظة العرب الفاضحة صيحة، وتلك، ايضا، صارت معادلة بسيطة. فجماعاتنا منهمكون في (تأهيل) اولمرت من (تحت الطاولة) وضالعون معه في تصفية بؤرة اعتراض او (ممانعة)، استعدادا لمعركة ذات قوس امريكية واسعة تبدأ من غزة. يتركونه، كما قال الياس خوري قبل ايام في هذه الزاوية، يداوي الجراح النفسية لجنوده بعد صدمة لبنان من خلال حقل رماية آهل بأهداف لا تحتاج سوي الضغط علي الزناد.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية