تعيين غيتس يعني بدء وصاية بيكر علي السياسة الخارجية
لندن ـ “القدس العربي”:
يري المراقبون للسياسة الامريكية ان الانتخابات الامريكية التي خسر فيها الجمهوريون الغالبية في الكونغرس (مجلسي النواب والشيوخ) اعادت الي الاضواء دعاة الواقعية السياسية التي حكمت مرحلة بيل كلينتون، وادارة جورج بوش الاب، فالوجوه التي استعان بها الرئيس الحالي جورج بوش الابن، هي وجوه شاركت في ادارة والده، بشكل يوحي ان الابن الذي خاض الحرب كما يقول مؤرخ البيت الابيض بوب وودورد كانت انتقاما من الرئيس العراقي السابق صدام حسين ومن بيل كلينتون الرئيس الامريكي الذي هزم والده. فالادارة الامريكية الحالية تبدو تماما مثل الايام الماضية، حيث عاد الواقعيون الي البيت الابيض بعدما نبذهم المحافظون الجدد لمدة ستة اعوام وظلوا علي هامش القرار الامريكي الذي تحكم فيه بوش ومساعدوه.
ويري المراقبون ان اختيار جورج بوش في نفس اللحظة التي اعلن فيها عن استقالة دونالد رامسفيلد، قدم وزير دفاعه الجديد، روبرت غيتس، احد مسؤولي ادارة جورج بوش الابن ومدير سي اي ايه السابق والمعروف في اوساط المؤسسة السياسية الامريكية بالبراغماتية والعمل من خلال الاجماع، وأحد اعضاء فريق دراسة العراق الذي يترأسه جيمس بيكر، وزير الخارجية السابق، وهو نفسه الذي لم يكن بوش راض عنه وحمله مسؤولية فشل والده. ومن هنا فدعوة غيتس جاءت بمثابة عودة للفريق الذي نصح والده في الماضي، واشار لتحول في توجهات بوش وتخليه عن الفريق الذي ورطه في العراق، وهو الفريق الذي بدأ يتداعي سواء في امريكا او بريطانيا. وفريق الواقعيين، الذي ينتمي اليه غيتس وبيكر، يكره رؤي المحافظين الجدد مما يعني انه قد يملك بيده الحل لاخراج بوش من ورطته، في ضوء عدم تقديم الديمقراطيين الذين سيلجمون الرئيس في العامين المتبقيين من ولايته. ويتوقع ان تقدم مجموعة بيكر توصياتها بشأن الوضع في العراق، وهي التحاور مع الدول المجاورة للعراق، وبحسب مسؤولين مرتبطين بالفريق قالوا لهيئة الاذاعة البريطانية ليلة الخميس، فان التحاور لا يعني بالضرورة الجلوس مع دولتين تمثلان في نظر الرئيس محور الشر، بل من خلال مؤتمر اقليمي تدعي اليه سورية وايران للمشاركة في حل الوضع المتردي في العراق، حيث قتل فيه منذ الغزو اكثر من 650 الف شخص بحسب تقديرات مجلة لانسيت الطبية، وبدا احد مسؤولي وزارة الصحة العراقية يصادق علي تقديراتها قبل عام عندما قال ان اكثر من 150 الف عراقي قتلوا منذ الغزو عام 2003. ومما يعطي هذه التقارير مصداقية، حقيقة ان غيتس وزير الدفاع الحالي كتب تقريرا مع مسؤول الامن القومي في عهد ادارة جيمي كارتر، زبينغو بريجنسكي عام 2004 عن تقديم محفزات لايران تجعلها تتخلي عن برامجها النووية مما يفتح المجال امام امريكا للتحاور معها. كما ان غيتس هو تلميذ، مستشار الرئيس بوش الاب، برينت سكوكروفت الذي تجاهلته الادارة الحالية وأحد الداعين للواقعية في السياسة الخارجية الامريكية، وكان سكوكروفت احد اشد نقاد المحافظين الجدد والذين دعوا لتغيير العالم من خلال القوة الامريكية الصاعقة. ونقلت صحيفة تايمز الامريكية عن ديفيد فرام، كاتب الخطابات السابق لجورج بوش واحد الذين اقترحوا مصطلح محور الشر في خطاب حالة الامة عام 2002 ان جيمس بيكر يتولي ملف الخارجية الامريكية ولكن بلا صبغة رسمية، وان تعيين غيتس يؤشر لمدخل جديد في السياسة الخارجية الامريكية قائم علي الحوار وعلي مفهوم الجزرة بدون العصا. واعتبر احد مسؤولي البنتاغون في عهد رونالد ريغان ان تعيين غيتس هو بداية لوصاية بيكر علي السياسة الخارجية.
ونقلت الصحيفة عن فرام قوله انه يشك بان بيكر قد بدأ فعلا التفاوض مع ايران، حيث سيمنحها عرضا لالغاء العقوبات، ومجالا للتأثير في العراق. ونقلت ايضا عن بريجينسكي قوله ان تعيين غيتس هو بداية لمدخل تصحيحي للسياسة الخارجية الامريكية تجاه الشرق الاوسط. ويري المسؤول السابق ان بداية التغيير ستظهر من خلال النبرة والاسلوب، اما علي المدي البعيد فسيتم احداث تغييرات من خلال تقييم الوضع لان غيتس لن يكون متعاطفا مع اليمين المحافظ. ويعتقد بريجينسكي ان رحيل دونالد رامسفيلد سيترك اثرا علي ديك تشيني، الذي خسر حليفه قائلا ان تشيني هو ضوء يخفت مما يعني نهاية مرحلة تشيني التي كان فيها اقوي نائب رئيس امريكي. اما الخاسر الاخر من رحيل رامسفيلد، فسيكون المحافظ المتشدد، وسفير بوش في الامم المتحدة جون بولتون، الذي اضطر بوش لتعيينه في اثناء غياب الكونغرس لان تقديم ملفه كان يعني مواجهة معارضة، وقد قام بوش باعادة تقديم ملفه لدورة جديدة وهذه المرة سيواجه صعوبات. ويبدو ان الناجي الوحيد من ادارة بوش المحافظة هي كوندوليزا رايس التي دربها وتبناها بريجينسكي عندما كان مسؤولا للامن القومي ولهذا فقد لا تجد صعوبات في التعاون مع الفريق الجديد. وفي محاولة للاشارة الي ميراث المحافظين الجدد الذين تآمروا علي العراق نشرت صحيفة الاندبندنت صورة مهندسي الحرب، ووضعت علامة اكس علي الذين اختفوا وصور الذين ستطالهم لعنة العراق، وضمت الصور، ريتشارد ارميتاج، الرجل الثاني في وزارة كولن باول، وزير الخارجية الامريكي السابق، الذي استقال مباشرة عام 2004 بعد استقالة باول. وصورة خوسيه اثنار رئيس الوزراء الاسباني الذي خسر الانتخابات، وسيلفيو برلسكوني رئيس الوزراء الايطالي الذي خسر الانتخابات الربيع الماضي، وبول بريمر الذي كان تعيينه حاكما علي العراق بعد انهيار النظام فشلا ذريعا ومسؤولا عن الفوضي وتدمير البنية التحتية، كما اختفي اليستر كامبل، المحرك الرئيسي وراء سياسات توني بلير، واحمد الجلبي، زعيم المؤتمر الوطني العراقي الذي كان وراء معظم المعلومات التي استخدمت لتبرير الغزو وفشل في الانتخابات العراقية، وايان دانكن سميث زعيم المحافظين البريطانيين الذي دعم الغزو، وسير جيريمي غرينستوك الذي عمل لبناء تحالف للغزو اثناء عمله سفيرا للندن في الامم المتحدة، وجيف هون وزير الدفاع البريطاني السابق الذي تعرض لانتقادات ويشغل الان منصبا ثانويا في حكومة بلير، وسفير لندن في واشنطن سير كريستوفر ماير، وكولن باول، وزير الخارجية الامريكي السابق الذي اشتهر بخطابه في 5 شباط (فبراير) 2003 امام مجلس الامن عن اسلحة العراق التي لم يعثر عليها، وجورج تينت، مدير السي آي ايه السابق الذي اخبر بوش ان اسلحة العراق موجودة والقضية واضحة سلام داك مثل رمي الكرة في مرمي السلة، اضافة لجاك سترو الذي كان المحرك الرئيسي لسياسة بلير الخارجية والذي نقل الي وزارة هامشية، وجون ويليامز احد موظفي وزارة الخارجية البريطانية الذي كتب جزءا من مسودة الملف البريطاني عن اسلحة صدام الشاملة والذي تبين ان اجزاء منه نقلت من رسالة دكتوراة كتبها طالب قبل عدة اعوام، وبول وولفويتز، نائب وزير الدفاع الامريكي وأحد مهندسي الغزو المهمين الذي نقل للبنك الدولي، وكلير شورت وزيرة التنمية الدولية التي استقالت بعد الغزو احتجاجا علي سياسات بلير، ولم يبق من الزمرة التي خططت لتدمير وغزو العراق الا بلير وبوش وتشيني، ورايس وجون سكارليت مدير الاستخبارات البريطانية ام اي 6 ، ولورد غولد سميث، النائب العام البريطاني الذي قدم النصيحة القانونية لبلير وبررت المشاركة في الحرب، ولم تستبعد الغارديان في تقرير لها عن الاموال التي تلقاها حزب العمال مقابل ما صار يعرف بالحصول علي لقب لورد وعضوية في مجلس اللوردات، واشارت الي ان غولد سميث يتحسر في سره علي النصيحة القانونية بشأن الحرب لان العراق سيلاحقه. ومع اختفاء مهندسي الحرب، فالمحللون ينتظرون ما سيقوم به غيتس، وان شكك بعض المحللين الامريكيين في قدرته علي مواجهة ديك تشيني، الذي وان خسر حليفا قويا في الادارة الا انه لا زال يحتفظ بعدد من المؤيدين له والمسؤولين التابعين له في البيت الابيض. وفي المدي القريب سيقوم غيتس بعملية تنظيف داخل وزارة الدفاع (البنتاغون) من الذين قاموا بالتآمر علي ضرب العراق. وبحسب مستشار الامن القومي ستيفن هادلي، فقد قال ان رحيل رامسفيلد يعطي الوزير الجديد فرصة كبيرة لاعادة التفكير بالعراق. خاصة ان غيتس عبر عن حنقه بعد زيارة للعراق من عدم اتخاذ رامسفيلد الخطوات اللازمة لمنع تدهور الوضع الامني وعدم قيام الرئيس باعادة ترتيب البنتاغون.
ومع ان غيتس لم يتحدث نفسه علانية عن الاوضاع، حيث زار العراق بصفته عضوا في فريق بيكر، وبصفته رئيسا لجامعة تكساس اي ام، الا ان المقربين منه اكدوا لـ نيويورك تايمز انه كان ناقدا وبشدة لمدخل الادارة بشأن العراق. ويعتقد ان جزءا من الحل للازمة الامنية في العراق، ليس ارسال دفعات جديدة من الجنود ولكن ارسال اعداد كبيرة منهم الي العاصمة بغداد، ولكنهم قالوا ان بوش متردد باتخاذ قرار لحين يلتزم نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي بارسال اعداد كبيرة من القوات العراقية لشوارع العاصمة. وحتي الان فالخيارات المفتوحة امام بوش تعاني من مشاكل، فهو ان اختار زيادة عدد القوات الأمريكية ومساعدة الحكومة العراقية في قتال جماعات المقاومة، الا ان من عواقب هذا الخيار خلق مشاكل بدلا من حلها، ومن ابرز مؤيدي هذا الخيار السناتور جون ماكين، وقد يؤيد الرئيس الامريكي جورج بوش هذا الخيار لكن الديمقراطيين في مجلسي النواب والكونغرس سيعارضون هذا الخيار. اما الخيار الثاني فهو الانسحاب الكامل الذي قد يكون مفيدا لبوش وبلير الا انه يعني انتصارا للمقاومة وقد يؤدي لاندلاع حرب اهلية، وهذا الخيار يلقي شعبية كبيرة في أوساط الرأي العام لكنه غير مقبول من الادارة. الخيار الثالث هو انسحاب مرحلي خلال سنة ونصف السنة لكن مع الإبقاء علي بعض القوات علي الأرض للتصدي للجماعات المسلحة وبعد الاتفاق مع كل من سورية وإيران. وهو الخيار الذي يجد قبولا حتي الان من عدد من الاطراف في امريكا وبريطانيا مع وجود محاذير له. واخيرا قد تقرر امريكا مواصلة تواجدها لانجاز ما يقول عنه بوش المهمة، مما يعني تواصل الخسائر المالية والبشرية. وهنا قد تقوم امريكا لتعزيز وجودها بإنشاء قواعد عسكرية دائمة لحماية النفط ومواجهة المقاومة.