حفل استقبال
محمود الريماويحفل استقبالامرأة أول خمسينات العمر، الشاحبة ذات الوجه المألوف، التي تشبه نساء السينما ذوات الدم البارد والحزن القوي، بقامتها المعتدلة المائلة الي الطول، بملابسها اللائقة المحتشمة ذات الألوان الداكنة، وباللمعان الغائر في عينيها اليقظتين، تلتفت في غمرة ضجيج الحفل الحاشد الي الرجل الساهي، الرجل الذي لبي الدعوة الي الحفل لمجرد تلوين ضجره.. ضجر السنة الثانية من التقاعد، ولاستطلاع مكان جديد في جبل عمان الذي يفتنه، وخوض تمرين اضافي من تمارين تقبل الحياة كما هي عليه.تمد المرأة يداً نحيلة للمصافحة، في الضوء الكابي للحديقة ساعة حلول أول الليل، فيلتقط يدها وهو يغالب شروده، يصافحها باهتمام وبأقل قدر من البرود. تقدم له نفسها: مدام عبد الرحمن. أوه، هذه.. انه يعرفها. انها زوجة صديقه، وليست أية سيدة أخري. لقد رآها بصورة عابرة مرة أو مرتين من قبل، في بيت عبد الرحمن بيتهما، ثم بصحبة زوجها في بيت صديق آخر، فلن يكون مُلاماً أمام نفسه اذا لم يتذكرها للتو كما حدث معه بالفعل. علي أنها هي سرعان ما تذكرته وعرفته وبادرت للسلام عليه، بما جعلها في موقف أفضل منه. وقد سارع الرجل للسؤال بلهفة عنه، عن صديقه الرسام المشاغب الضحاك، الشغوف المفعم بالشهوات واللامبالي بكل شيء، سوي باكتشافاته الحسية والذهنية في كل مجال، والذي لم يسعفه الوقت ليخطو خطوته الأخيرة والصغيرة، نحو العالم المسحور للبوهيميين، والغائب المغيَب منذ خمسة عشر عاماً.كان يود أن يضيف شيئاً ما الي السؤال المجرد عنه، شيئاً لا يعرفه علي وجه التعيين، ولو عرفه فالشك يساوره بأن يُحسن التعبير عنه. ربما كان سيتحدث عن اشتياقه وافتقاده له، فالصديق انقطع وأمعن في الابتعاد بعد وقوعه في مرض لا يرحم، مرض استفحل ثم استعصي شفاؤه علي الأطباء والجراحين، في الخارج كما في داخل البلاد، فبات حبيس جدران البيت، بعدما فقد ذاكرته وصلته بالعالم الخارجي (بكل ما هو خارجه)، وفقد خلال ذلك صلته بالريشة والألوان والطبيعة والمعارض، حيث أخذ يعمد منذ عشر سنوات وأكثر، الي تخريب وتكسير أحب الأدوات اليه، حتي أن بعض لوحاته لم تنج من عبثه وغضبه ، وجري بعدئذ انقاذ بقية اللوحات وحفظها في حرز حريز. لا يكفي حقاً السؤال العابر عنه في لقاء بالمصادفة، ولكن ما الكلام الذي يمكن قوله، ويكون له معني أو أثر طيب، ولا يتسبب باثارة المزيد من الألم؟ علي أن زوجة الصديق وسط هبات ريح أيار الخفيفة، وأضواء السيارات التي تتلامع في الشارع المجاور، لم تترك له فرصة التحديق بهذا الخاطر، فما أن سأل عن عبدالرحمن بنبرة ملهوفة تضمر اعتذاراً، حتي سارعت وحدجته بنظرة حفرت في داخله. نظرة مسترسلة و حميمة ملؤها الألم ثم التقريع، قبل أن تنعي علي الناس جميعهم، وبصوت تغلب المرارة علي نبرته، أن احداً منهم لم يعد في هذا الزمان، يبالي بغيره أو يسأل عن أحد، وهو ما وافقها عليه بايماءة سريعة، وحاول أن يزيد عليه ولم يلبث أن تراجع. ولما أسعفته ذاكرته المكدودة، وأنبأها أنه سأل غير مرة ابنهما الأكبر أمجد (المتزوج والمقيم بصورة مستقلة عن والديه) عن أبيه عبدالرحمن، فقد سمعت الملاحظة ويا للعجب باستخفاف بالغ وبضيق ظاهر، قبل أن تجيبه بصوت بالكاد يُسمع: حتي أمجد لم يعد يسأل عن أبيه. واذ قال لنفسه : ان هذا لكثير، فقد استذكر حين سمع كلامها أن هذا الشاب ـ الذي يكاد يشبه أباه بابتسامته الطلقة وشعر رأسه الكثيف وعينيه السودايين المتسعتين ـ، حين يلتقيه فانه يتحدث عن أبيه بعد سؤاله عنه، بصوت اذاعي مستنسخ عن صوت الأب، ولكن بحيادية مصنوعة ومُدبَرة بدعوي التسليم بما حدث، ثم يسارع للحديث بطلاقة في أي موضوع آخر أقل قتامة. لم يقل لها ذلك حتي لا يزيد كدرها، ولم يكن يسعه قول أي كلام، بعدما فاجأته ووضعته في موضع الدفاع عن نفسه. ومع صوت صرير سيارة تسابق سيارة أخري في الشارع المجاور، واختلاط أصوات المحتفلين في حفل الاستقبال، ومع هبة ريح نشطة حركت قامات أشجار السرو المحيطة بالحديقة، ودامت لهنيهات وراقت للساهرين، الهانئين بالطعام والشراب وبالفرجة علي بعضهم بعضاً، رغم أنها ريح شرقية بل ريح خماسين جعلته يشعر بتعرق عنقه تحت ياقة القميص.. مع هذا وذاك كانت السيدة بملابسها الرقيقة التي لا لون لها في الليل نصف المضاء، وبوجهها الشاحب، قد انسلت بخطوات خافتة علي العشب وسط الحشد، وقد استغلت كما بدا له مرور شخص، ضل طريقه وسط الجمع وعبر بينهما، فانصرفت.فوجئ باختفائها بلا كلمة وداع أو ايماءة انصراف، مستشعراً ما يحمله هذا الإختفاء من رسالة قاسية. وما أن بدا متوحداً في وقفته، حتي فوجئ بشخص يندفع نحوه. رجل مهندم متهلل القسمات باسم المحيا، ليست تربطه به معرفة وثيقة وبالكاد يطيقه، ومع ذلك لم يتردد هذا الشخص في مداهمته، ولم يكن القادم قد أنهي ابتلاع طعام في فمه (شاورما كما دلت الرائحة العابقة)، وقد سارع وأمطره بوابل من القبلات اللاهثة، ثم أسرف في مخاطبته بتوجيه حديث حار ومجامل لا أساس له من الصحة، دون أن يترك له فرصة للرد أو الافلات، بعدما أطبق عليه بنظراته العاطفية الغامرة، وسد عليه المخارج بجرمه الضخم ويديه الممدودتين، مما أربكه وضيَق الخناق عليه وجعله يتنَبه لأول مرة، الي أن ذنوبه، لا شك، عظيمة وعليه التكفير عنها تباعاً، بطيبة خاطر وقبل فوات الأوان. كاتب من الاردن0