هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (12)

حجم الخط
0

صدام طلب صاحب مقهي في القاهرة كان يتردد عليه.. والرجل اعتذر عن عدم الكتابة له لانه لا يعرف عنوانهنقمة علي عماش.. وبومدين رتب لقاء المصافحة بين صدام والشاه واجهزة تنصت في مقر اقامة النائب بمصر

اعدها: هارون محمدہسحبتُ استقالتي بعد وعود من صدامتصاعدت مضايقات جهاز الأمن في المجلس الوطني حيث مكتب صدام ومكتب الشؤون الاقتصادية، بدءا بتعليمات أصدرها جهاز الأمن بوجوب ركن سياراتنا الرسمية في وضع تكون خلفية السيارة متجهة الي نهر دجلة ـ كاحتياط أمني ـ وليس الي بناية المجلس كما كان الوضع عبر سنوات. وتبين ان الاجراء الجديد يهدف الي تفادي احتمال توجيه قذائف باتجاه بناية المجلس مخفية في صندوق سيارة رسمية! ثم تلا توزيع جهاز الأمن استمارات علي أعضاء المكتب تتضمن طلب معلومات لا ضرورة لها الي جانب أسئلة مقرفة كسؤال ما اذا كان للعضو شقة أخري غير داره يستمتع فيها أثناء وقت الفراغ! وينطبق هذا السؤال علي الموظفين والموظفات مما أثار الدهشة والامتعاض. وحين قيامي بسحب هذه الاستمارات انزعج برزان التكريتي ـ الأخ غير الشقيق لصدام والمسؤول عن الحماية في المجلس الوطني ـ وامتعض صدام من تصرفي. بعدها بفترة أبلغني غانم عبد الجليل(1) عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القطرية ـ وكان مكتبه في المجلس الوطني أيضا ـ بوجوب رحيل مكتب الشؤون الاقتصادية من بناية المجلس الوطني الي مكان آخر!. وكان واضحا ان مثل هذه الخطوة لم تأت دون اشارة او موافقة من صدام. في الواقع لم أنتظر تكامل مسلسل الأحداث، فكنت أقرأ مسارها منذ البداية. فقدمت استقالتي من رئاسة مكتب الشؤون الاقتصادية يوم 29 ايار (مايو) 1975، الاّ أن البكر ـ الذي كان علي علم بالمضايقات التي أحاطت بي ـ رفضها وتحدث بشأنها مع صدام الذي سارع في اليوم نفسه بالمجيء الي مكتبي طالبا العودة عن الاستقالة ووعد بازالة كل المضايقات!

تعييني محافظا للبنك المركزي العراقي في أواسط 1976 برزت حاجة مجلس قيادة الثورة لاشغال محافظية البنك المركزي العراقي بمحافظ أصيل بعد أن أصبح المنصب شاغرا عقب تعيين (المحافظ) الدكتور فوزي القيسي وزيرا للمالية. وأخذ الانتظار والتداول فترة طويلة حتي صدر قرار من مجلس قيادة الثورة في الأول من تموز (يوليو) 1976 بتعييني محافظا للبنك المذكور(2). كانت دهشتي كبيرة وامتعضت من الأمر، اذ لم أفاتح به مسبقا، ولم يؤخذ رأيي، ولم أعلم بالقرار الا بعد أن وضعته سكرتيرتي علي طاولتي وكنت آنذاك خارج المكتب. قابلت البكر وبيّنت له تعلقي بمركزي الحالي ـ رئيس مكتب الشؤون الاقتصادية ـ وعدم الرغبة في المنصب الجديد، وأوضحت له استغرابي من أن السكرتيرة علمت بالموضوع قبل علمي أنا صاحب الشأن! اتصل البكر برئيس ديوانه يحيي ياسين مؤكدا ضرورة ابلاغ المعنيين بقرارات المجلس هاتفيا كي لا يباغتوا. وحين انتقل الحديث الي صلب الموضوع قال البكر: يا دكتور، ثقتنا فيك كبيرة ونريدك محافظا للبنك المركزي، فهذا البنك بالنسبة للبلاد بمثابة رباط علي عنق الرجل، فان أسئ الاستعمال وشُـد بقوة فقد يخنقه، ونحن الآن نـسـلـّم بيدك هذا الرباط لثقتنا الكبيرة بنزاهة الاستعمال. لم أستطع أن أجيب البكر بكلمة بعد تعليقه هذا. ثم تابع كلامه بالقول: ان كنت متعلقا هكذا برئاسة مكتب الشؤون الاقتصادية فبامكانك القيام بالمهمتين في آن واحد. وهكذا صدر قرار لاحق بهذا الشأن، وتوزعت أيام عملي الأسبوعية بين هاتين المؤسستين طيلة عامين متتاليين حتي جاءت مفاجأة أخري. ترشيحي أمينا عاما لمجلس الوحدة الاقتصادية العربيةشـكـّل ترشيحي لهذه المهمة مفاجأة كبيرة لي، حيث كنتُ آنذاك محافظا للبنك المركزي وأتولي رئاسة مكتب الشؤون الاقتصادية لمجلس قيادة الثورة في آن واحد. مساء الثامن من آذار (مارس) 1978 رن جرس الهاتف في داري، وكنتُ منهمكا في ترتيب ملابسي وأوراقي استعدادا للسفر بعد ساعات قليلة الي العاصمة الماليزية كوالا لمبور لحضور اجتماعين متتاليين: اجتماع محافظي البنوك المركزية للدول الاسلامية والاجتماع السنوي لمجلس محافظي البنك الاسلامي للتنمية. كان علي الهاتف حسن علي ـ عضو مجلس قيادة الثورة ووزير التجارة ـ الذي أعلمني بقرار المجلس ترشيحي لمنصب الأمين العام لمجلس الوحدة للسنوات الخمس المقبلة، طالبا مني ارسال نسخة من سيرتي الذاتية الي مكتبه بالسرعة الممكنة بيد سائق سيارته الذي سينطلق نحو داري فورا. ذكرتُ له عدم وجود رغبة لي في هذا المنصب بتاتا، وسيؤدي الي متاعب عائلية جمة أنا في غني عنها، ورجوته بالحاح مراجعة الأمر. لكن ذلك لم يغير من موقفه شيئا وأصر علي قيامي بارسال ما طلب. وهكذا تكرر اتخاذ القرار دون مداولة مع الشخص المعني كما حدث تماما حين صدر قرار تعييني محافظا للبنك المركزي دون علم مسبق. بقي أملي الوحيد، وأنا في الطريق الي ماليزيا، أن أتحدث مع رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر في الموضوع حين عودتي الي بغداد بعد عشرة أيام. يا لها من أحداث متسارعة! ففي اليوم الأول للاجتماع في كوالا لمبور ـ الثاني عشر من آذار (مارس) ـ أعلمتني السفارة العراقية بورود برقية تهنئة لي من بغداد ما جعلني أدرك حسم موضوع الترشيح. وتبين لاحقا ان وزراء مجلس الوحدة الاقتصادية، ومن بينهم الدكتور فوزي القيسي وزير المالية ممثلا العراق الذي كان يحمل معه سيرتي الذاتية، عقدوا اجتماعهم بالكويت في اليوم السابق وقرروا بالاجماع تعييني أمينا عاما للمجلس لفترة خمس سنوات ابتداء من أول ايار (مايو) المقبل، ما يعني وجوب التحاقي بالمهمة الجديدة في القاهرة في غضون ستة أسابيع فقط تلي عودتي الي بغداد!. بقيت مشغولا، فترة من الوقت، بتفسير الاصرار علي ترشيحي لهذه المهمة خارج العراق، في الوقت الذي كنتُ أشغل منصبين مهمين: محافظية البنك المركزي ورئاسة المكتب الاقتصادي لمجلس قيادة الثورة. واسترجعت في الذاكرة ما قاله لي أحمد حسن البكر اثر صدور قرار تعييني محافظا للبنك المركزي قبل عامين فقط أن القيادة اختارتني لهذا المنصب وسلمتني معه رباط عنق البلاد كلها! لم أجد تفسيرا لهذا التطور سوي تطابق ترشيحي مع رغبة صدام حسين في ابعادي عن مسرح السياسة الاقتصادية في البلاد معتبرا وجودي في بغداد يشكل اعاقة لما يريد تمريره بشأن الخطط الاقتصادية والانفاق العام والتحويلات الخارجية.

كبريت المشراق بين عماش وصدامقبل مجيء البعث الي السلطة عام 1968 كان مشروع استثمار مناجم كبريت المشراق ـ قرب الموصل ـ ضمن جدول أعمال الحكومات المتعاقبة في العراق لسنوات عديدة. وكان الرأي العام العراقي منشغلا فيه علي الدوام باعتباره عنصرا هاما من عناصر الثروة المعدنية في البلاد، بعد النفط، وبكونه خارج نطاق المشاكل مع شركات النفط الأجنبية. لهذا كان استثمار الكبريت استثمارا وطنيا يمثل هدفا وقفت وراءه جميع القوي السياسية في العراق من أجل تنمية الايرادات وجعلها خاضعة لمصلحة البلاد. إلاّ أن الجانب السياسي لهذا المشروع كان يمثل، علي أقل تقدير، أحد أهم الأسباب في تأخره. فقبل عام 1968 كان المشروع يدور في دوامة التردد. وكما كان معروفا آنذاك فلا بد من اعتماد استثمار الكبريت أساسا علي التعاون مع جهة أجنبية تمتلك وسائل فنية للاستثمار، وتلك محصورة في حينه بجانبين: أمريكي وبولندي. لم يكن التعاون مع جهة أمريكية مستساغا من الرأي العام العراقي، كما لم يكن التعاون مع الجانب البولندي مستساغا من الواجهات الغربية المعنية. ومن هنا ساد التردد الحكومي في العراق.. ومرت الأعوام الواحد بعد الآخر بانتظار اتخاذ القرار. بعد مجيء البعث الي السلطة كان كبريت المشراق علي طاولة البحث بطبيعة الحال. وكانت الظروف السياسية في البلاد تدفع بالتعاون مع دول الكتلة الاشتراكية الي أمام. فقرر مجلس قيادة الثورة فتح باب التعاون مع بولندة بشأن استثمار الكبريت وغيره من المسائل التجارية والاقتصادية، وتشكل الوفد العراقي في نيسان (ابريل) 1969 برئاسة صالح مهدي عماش الذي كان آنذاك نائبا لرئيس الوزراء ووزير الداخلية والمشرف علي الجوانب الاقتصادية في البلاد، وكنتُ عضوا في الوفد. بعد الوصول الي وارشو وافتتاح جولة المفاوضات العامة مع الجانب البولندي توزع العمل علي لجان، حيث تولي الدكتور رشيد الرفاعي وزير النفط والمعادن آنذاك رئاسة الجانب العراقي في اللجنة الفرعية الخاصة بمشروع الكبريت. خلال المفاوضات برز خلاف كبير حول حجم الرسوم التي طالب بها الجانب البولندي لقاء استخدام طريقته الفنية الخاصة باستثمار الكبريت، والتي تعتبر براءة اختراع خاصة به، اقتضي حسمه اياما عديدة، وكاد الموقف التفاوضي ينفجر بسببه. ويمثل مبلغ الرسوم فقرة مستقلة يتعين الاتفاق بشأنها ضمن اتفاقية التعاون العامة الخاصة بالمشروع. البولنديون خفضوا طلباتهم من عشرين مليون دولار الي مليونفي البدء طلب الجانب البولندي 20 مليون دولار لقاء استخدام براءة الاختراع، إلاّ أن الدكتور الرفاعي استطاع، بقوته التفاوضية وصبره الطويل، أن يخفض المبلغ تخفيضا جسيما أدهش بقية المفاوضين، حيث أوصله الي نحو مليون دولار. بعد التوقيع علي اتفاقية استثمار مناجم الكبريت مع الجانب البولندي ـ مؤسسة سنتروزاب الحكومية ـ في الأول من أيار (مايو) 1969 عاد الوفد ورئيسه عماش الي بغداد منتشيا بتحقيق هذا الإنجاز، الذي أظهره شخصية ناجحة أنهت حالة التردد السابقة تجاه المشروع وثبتت دعامة بارزة في الاستثمار الوطني للثروة المعدنية. عبّر صدام بشكل او بآخر عن مشاعر ذاتية من عدم الرضي لهذا التطور، لالتصاق مشروع استثمار الكبريت باسم عماش، وخشي ـ باعتباره مشرفا علي الجوانب الاقتصادية في البلاد ـ التصاق إنجازات اقتصادية مقبلة أهم باسم الرجل مستقبلا.. وكان تأميم النفط محط الأنظار منذ ذلك الحين، فأصبحت تلك المخاوف والمنافسة نقطة هامة أضيفت الي أخري علي جدول أعمال صدام لإخراج عماش من مسرح ادارة العملية السياسية في العراق. ورغم نجاح صدام في ايلول (سبتمبر)1971 بإزاحة عماش من مجلس قيادة الثورة ومناصبه وإبعاده كسفير الي الاتحاد السوفييتي، إلاّ أنه بقي سنوات عدة ناقما عليه ومحاولا، كل حين، التقليل من أهمية مشروع الكبريت الذي أنجزه، فيما كان الإنتاج قد بدأ فعلا أوائل عام 1972. وأرجع بالذاكرة الي اجتماعات (لجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات) التي يترأسها صدام وكنتُ عضوا فيها، حيث كانت اللجنة تعقد اجتماعاتها في مكتب صدام وعلي جدول أعمالها المشاريع الهامة وتقارير المتابعة وتطورات السوق النفطية وأسعار المواد المعدنية. لكنني كنت ألاحظ إيعاز صدام الي عدنان الحمداني ـ سكرتير اللجنة ـ بنقل تحريري لأي خبر يشير الي انخفاض سعر الكبريت في السوق العالمية الي مجلس قيادة الثورة للعلم. ولم يكن الغرض من ذلك يتجاوز محاولة صدام المستمرة في الحط من شأن مشروع الكبريت وضمور نتائجه. لقاء صدام وشاه ايران في الجزائركان الرئيس الجزائري هواري بومدين يستقبل شخصيا في مطار الجزائر الملوك والرؤساء الذين كانوا يصلون تباعا لحضور مؤتمر القمة لدول الأوبك في شهر آذار ( مارس) عام 1975. نزل صدام من الطائرة ـ وكنتُ عضوا في الوفد المرافق ـ وبقي جالسا في قاعة الاستقبال علي غير عادة الرؤساء الآخرين ممن كانوا يتوجهون الي محل إقامتهم مباشرة بعد الاستقبال. كان التنسيق تم مسبقا مع بومدين ويقضي بانتظار صدام حتي هبوط طائرة شاه ايران. وهكذا تم اللقاء الأول وجها لوجه بين صدام والشاه بحضور بومدين وسط دهشة أعضاء الوفد العراقي ـ او غالبيتهم علي أقل تقدير ـ والذي كان معزولا عما خطط له مجلس قيادة الثورة وانتقال موقفه لحل المشاكل مع إيران من حالة الصراع الي التفاوض. فمنذ نشوء الأزمة بين البلدين وحتي ذلك التاريخ عبأ العراق حملة سياسية واعلامية واسعة في الداخل والخارج، وسخر مؤتمرات وطنية وإقليمية للتنديد والوعيد وكأن التفاهم حول حلول معقولة أصبح طريقا مقفلا. آخر المؤتمرات العربية كان في بغداد ـ قبل شهر واحد فقط من اللقاء المباشر بين صدام والشاه ـ تحت شعار (مؤتمر المنظمات المهنية والشعبية لإسناد العراق ضد الاعتداءات الامبريالية والرجعية الايرانية) وذلك للفترة 1 ـ 3 شباط (فبراير) 1975. وكانت القيادة العراقية قد كلفت (لجنة ارتباط المنظمات) بتنظيمه وعهدت اليّ برئاسة تلك اللجنة. كنتُ آنذاك رئيسا لجمعية الاقتصاديين العراقيين الي جانب مسؤولياتي الرسمية في الدولة. افتتح صدام المؤتمر نيابة عن أحمد حسن البكر في القاعة الكبري لجامعة المستنصرية في بغداد، التي غصت بمئات المشاركين من المنظمات المهنية والسياسية العراقية والعربية والصديقة، وجاء بكلمته المسهبة ما يلي: (لقد مارس النظام الايراني اعتداءات متكررة علي القطر العراقي تمثلت بإلغاء معاهدة عام 1937 من جانب واحد متجاوزا بذلك القوانين والأعراف الدولية مما خلق أوضاعا متوترة في منطقة شط العرب وعلي طول حدودنا الشرقية. .. ومنذ ذلك الحين والنظام الايراني يصعد نهجه العدواني ضدنا بالاعتداءات العسكرية المتتالية. … ويتدخل النظام الايراني منذ سنوات عديدة في شؤوننا الداخلية بشكل مباشر وسافر وواسع النطاق بدعمه للجيب العميل في الحركة الكردية. .. والقوة العسكرية التي تبنيها ايران في الوقت الحاضر دليل آخر علي هذا الدورالذي تلعبه الحكومة الايرانية نيابة عن الإمبريالية وبدفع وإسناد منها. .. إن كلّ القوي العربية سواء من مواقع الحكم او علي صعيد النضال الشعبي والتي تعلمت الدروس من أساليب الإمبريالية مطالبة بأن تدرك هذا المخطط وأن تحبطه ((3. في هذا السياق توالت كلمات المشاركين في المؤتمر طيلة أيام ثلاثة. وكان من بينهم السيد بابكر البشدري رئيس المجلس التشريعي لمنطقة الحكم الذاتي ـ في كردستان ـ حيث جاء في كلمته: (سعت الرجعية الايرانية عبثا لإفشال تجربة الحكم الذاتي وخلق الصعوبات أمام هذا الحكم خوفا علي مصالحها ومصالح أسيادها… إن القوي الاستعمارية والرجعية الايرانية لا تمد فلول الجيب العميل المدحورة بالمال والسلاح حبا بالشعب الكردي وحرصا منها علي تمتعه بحقوقه(4). بعد شهر واحد من هذه التعبئة وإذا بصدام يلتقي الشاه وجها لوجه في الجزائر. خلال أيام مؤتمر الأوبك حيث نضجت نقاط الاتفاق بشأن المسألة الرئيسية ـ شط العرب ـ والمسائل الأخري بجهود الوساطة الجزائرية، وفي إحدي القاعات الجانبية للمؤتمر كان الثلاثة واقفين ـ صدام والشاه وبومدين ـ وعلامات التشنج ظاهرة علي وجوههم. استغرق الحديث المتوتر بين صدام والشاه وقتا أطول بسبب الترجمة التي كان بومدين يقوم بها من العربية الي الفرنسية وبالعكس. شعر بومدين بالإحراج أمام عيون الآخرين من أعضاء الوفد فأخذ بيدي صدام والشاه الي خارج القاعة. وفي سيارة متواضعة ــ رينو 16 ـ جلس صدام والشاه في المقعد الخلفي وجلس بومدين بجانب السائق، وانطلقت السيارة الي مكان لم نعرفه حيث تمت تسوية النقاط العالقة. صدام والشاه يوقعان اتفاقية الجزائرفي اليوم التالي وفي قاعة المؤتمر أعلن الرئيس الجزائري عن حدث هام: الاتفاق بين بلدين جارين عضوين في الأوبك هما العراق وايران. وقف الملوك والرؤساء مصفقين وقتا طويلا لهذه البشري الكبيرة. لكن المفارقة حلت عندما ترك صدام مقعده متوجها لمصافحة الشاه ظنا منه أن الشاه سيفعل الأمر نفسه ويلتقيان في منتصف المسافة لتبادل التهنئة (البروتوكولية). إلاّ أن الشاه بقي واقفا أمام كرسيه ولم يتحرك خطوة واحدة، واضطر صدام أن يكمل المسافة وحده حتي وصل الي الشاه وتمت المصافحة فاعتبر صدام تصرف الشاه نوعا من الإهانة ولم ينس هذا الجرح الشخصي والرسمي طيلة السنوات التي تلت. وُقّع الاتفاق الذي سمّي ( اتفاقية الجزائر) في 6 آذار/ مارس 1975 حيث تم بموجبها حل مسألة شط العرب بتنازل العراق عن جزء منه والاتفاق علي رسم حدود دولية جديدة في مياهه معتمدة علي خط (التالويك)، ويعني هذا من الناحية العملية الخط المائي الذي يهتدي بأعمق النقاط في قاع النهر. من المسائل الأخري الهامة التي اتفق عليها يأتي التزام ايران بالكف عن دعم الفصائل الكردية في حركتها ضد الحكومة، وبالفعل، وعقب فترة وجيزة علي إعلان اتفاقية الجزائر توقفت هجمات الأكراد العسكرية وتوجه الملا مصطفي البرزاني وجماعته الي ايران بعد أن وفر الشاه لهم الإقامة فيها. ويري الكثيرون أن الشاه استخدم القضية الكردية ورقة للضغط العسكري والمالي علي بغداد لتحقيق هدفه في كسب جزء من شط العرب الذي تطلق ايران عليه اسم (أروند رود)، بينما لم يكن هدف الشاه تحقيق رغبات الأكراد القومية في العراق، فتلك مسألة ستعود عليه مستقبلا وتحرجه. ولو كان الشاه صاحب حق وعدل لما ترك الأكراد في ايران نفسها علي ما هم عليه. كان الضغط العسكري من جانب ايران وفصائل الأكراد علي حكومة بغداد جسيما يصعب تحمله طويلا، واستمراره بات يعني استنزافا للموارد وتهديدا حقيقيا للحكم وهو بالضبط ما كان الشاه يريد التوصل اليه. وأخيرا قرأت بغداد النتائج المتوقعة، واستخلصت ـ حسب حساباتها ـ أن ما من باب أمامها للخروج من الأزمة غير القبول علي مضض بمطالب الشاه. وكانت الحصيلة النهائية: خسران العراق جزءا من شط العرب، توتر العلاقة بين بغداد والقوي الكردية عوضا عن تطويرها في ظل بيان 11 آذار (مارس) 1970 وقانون الحكم الذاتي 11 آذار (مارس) 1974، وكان الشاه هو الرابح الوحيد من العملية. أجهزة تنصت في مقر إقامة صدام بالقاهرةفي أواخر شهر آذار (مارس) 1972 توجه صدام حسين ـ حين كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ـ لزيارة مصر علي رأس وفد كبير كنتُ أحد أعضائه. وفي قصر الضيافة المخصص لصدام قام الطاقم الأمني العراقي، كعادته في مثل هذه الزيارات رفيعة المستوي، بفحص مكان الإقامة في الساعات الأولي للتأكد من خلوه من أجهزة التنصت.. فكشف الطاقم عن وجود هذه الأجهزة في حائط خلف الكنبة الرئيسية التي يجلس عليها صدام عادة في صالة الجلوس الكبري. اغتاظ الطاقم الأمني كثيرا الي درجة حاول البعض من افراده حفر فجوة في الحائط لنزع تلك الأجهزة، لكن صدام اكتفي بنقل الملاحظة الي الوزير المصري المنتدب لمرافقته خلال تنفيذ برنامج الزيارة، فتلقي اعتذارا وأفهم أن الأجهزة لم توضع له خصيصا وأنها من بين التركيبات القديمة. ومع اعتبار الموضوع منتهيا إلاّ أن صدام وأعضاء الوفد كانوا حذرين في الكلام كي لا يساء فهم كلمة في فترة ازدهار العلاقات العراقية المصرية التي كان يطبعها الوئام والتعاون. صدام يكرم صاحب مقهي كان يتردد عليه سابقاًوعقب زيارة ضريح المغفور له جمال عبد الناصر ووضع إكليل من الزهور عليه، طلب صدام من التشريفات المصرية أن تجلب له صاحب المقهي الذي كان يرتاده في القاهرة أثناء فترة لجوئه اليها، عقب فشل محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في بغداد عام 1959. وكان هدف صدام من ذلك تكريم الرجل علي العناية به عندما كان أحد زبائن المقهي الدائمين. ويبدو أن مضي سنوات عدة علي مغادرة صدام القاهرة وعودته الي بغداد، لم يسهل أمر تحديد مكان ذلك المقهي الواقع في منطقة مكتظة في قلب القاهرة التي تغص بعشرات المقاهي الشعبية ما أدي الي استقرار الرأي علي طريقة أفضل لتحديد المكان، حيث ارتؤي مسير الموكب الرسمي للوفد بسياراته العديدة ومركبات الأمن المصرية في شوارع ضيقة نسبيا حيث استطاع صدام الإشارة الي المقهي المقصود وكان الوزير المصري المرافق لصدام جالسا بجانبه. وبعد مضي بضع ساعات من عودتنا الي قصر الضيافة جلب رجال الأمن المصريون صاحب المقهي المشار اليه، وكنا جميعا جالسين في الصالة الكبري، فتوجه الرجل الي صدام بخطوات هادئة. كان طويل القامة يرتدي الزي المصري الشعبي وعلي وجهه علامات الوقار. نهض صدام من مقعده ورحب بصاحب المقهي بحرارة وأصر أن يجلس بجانبه علي الكنبة الرئيسية في الصالة، لكن الرجل المسكين لم يكن يتصور حتي في الأحلام انه سيدخل يوما قصر ضيافة ويلتقي مع زبون كان يرتاد مقهاه لقضاء الوقت ثم أصبح بعد نحو عقد من الزمن الرجل الثاني في قيادة دولة. ولم يكن يصدق أن ما كان يجري أمامه هو الواقع بعينه، فظل حذرا متأنيا لا يتكلم إلا إذا اضطر للجواب عن سؤال او استفسار. ثم جيء بأقداح الشاي، وامتنع صاحب المقهي في البداية أن يتناول فنجانا احساسا منه انه رجل بسيط ودون الظرف البروتوكولي العالي الذي وقع فيه. إلاّ انه تناول فنجان الشاي ووضعه علي الطاولة بعد أن طلب منه صدام التناول، ولا أذكر إن كان شرب منه قطرة واحدة. المهم ان صدام سأله إن كان يتذكره، فأجاب بالإيجاب، ثم سأله عن سبب الامتناع عن الكتابة إليه ولو رسالة قصيرة، فجاء الجواب جامعا بين البساطة والسذاجة، إذ قال: يا سيدي لم أكن أعرف عنوانك! . فابتسم الجميع لجوابه الطريف. بعدها أشار صدام لمرافقه الخاص فأحضر ظرفا مغلقا فيه نقود، وهي عادة ألفها العراقيون، قدمه صدام لصاحب المقهي فامتنع عن تسلمه. ولم تنفع محاولات صدام إلاّ بعد أن طلب الوزير المصري من صاحب المقهي تسلم المظروف، عندها تسلمه وأبقاه في يده حتي قام صدام والآخرون في وداعه. توضيح من الكاتب هارون محمد: ثمة توضيح لا بد من إيراده هنا، بخصوص ما ذكره الدكتور قدوري من ان صدام حسين انتظر في قاعة استقبال مطار الجزائر للقاء شاه ايران، والحقيقة ان الشاه كان قد وصل الي المطار قبل وصول الوفد العراقي، ولأنني كنت رئيساً لبعثة وكالة الأنباء العراقية المرافقه لصدام حسين في تلك الزيارة، فقد طلب مني المرافق الأقدم المرحوم صباح ميرزا ان اصحب مصور تلفزيون بغداد الحاج حازم العبيدي والتوجه بسرعة الي قاعة الشرف في المطار وانتظار (السيد النائب) فيها، بعد ان تشاور هامساً مع مرافق الرئيس الجزائري الذي رأيته يلوح لاحد مسؤولي المطار باصطحابنا الي قاعة الشرف. جري ذلك قبل لحظات من استعراض بومدين وصدام لحرس الشرف المصطف علي أرض المطار، ولدي وصولنا الحاج حازم وانا، الي مدخل قاعة الشرف طلب منا المسؤول الجزائري ان ننتظر هنا لحين قدوم الرئيس بومدين وضيفه صدام. وحانت لفتة مني الي صور القاعة فشاهدت شخصاً يجلس بمفرده وبدت صورته مألوفة لي وقلت لزميلي المصور العبيدي هذا الرجل يشبه شاه ايران، فتطلع المصور نحوه وراح يمعن النظر الي وجهه، وفجأة صاح انه هو شاه ايران، وبدأ بإعداد أجهزة التصوير استعداداً لمباشرة عمله، وبعد ثلاث دقائق تقريباً، وصل بومدين وصدام الي القاعة وهب شاه ايران من مكانه لاستقبالهما، وأذكر جيداً ان صدام سلم علي الشاه بجدية ودون ان يبتسم كما هي عادته في مثل هذه اللقاءات. وجلس الثلاثة علي اريكة واحدة، بومدين في الوسط وصدام الي يمينه والشاه الي يساره، وأمضوا في القاعة خمس دقائق تبادلوا خلالها عبارات المجاملة التقليدية، ثم غادروا المكان حيث صحب الرئيس بومدين ضيفيه الي خارج القاعة، وانطلق بهما بسيارته الي مقري إقامتهما في غابات الصنوبر حيث خصصت فيلتان جميلتان لهما. ومما أذكره أيضاً ان الرئيس بومدين ـ رحمه الله ـ وهو يصحب ضيفيه الي خارج قاعة الشرف، التفت الينا، الحاج حازم وانا، وقال لصدام بصوت مسموع وهو يبتسم: جماعتك… عملوا سبقاً صحافياً، فنظر الينا صدام بلا اكتراث. وصحيح ما ذكره الدكتور فخري ان الوفد العراقي المرافق لصدام قد دهش من لقائه مع الشاه، ولكن ليس دقيقاً ما قاله ان الوفد كان معزولاً عما خطط له مجلس قيادة الثورة، لأنني عندما أرسلت خبر لقاء صدام والشاه الي مركز الوكالة ببغداد الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، تلقيت مذكرة برقية من وزير الاعلام طارق عزيز وكان عضواً في القيادة القطرية للحزب ومجلس قيادة الثورة يقول فيها: هل استحصلت الموافقات (الأصولية) علي الخبر؟! رغم انه صحافي ويعرف جيداً، ان مثل هذه الأخبار لا تحتاج الي موافقات، وعند عودتنا الي بغداد استقبلني الوزير في مكتبه وقال لي بصراحة بانه لم يكن علي علم مسبق بان لقاء سيتم بين السيد النائب والشاه في مطار الجزائر بهذه الطريقة، وان الاخير سيكون في استقبال صدام. والشيء الآخر الذي لم يذكره الدكتور فخري قدوري بهذا الصدد ان اعضاء الوفد العراقي وكان من بينهم اعضاء في مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية والوزراء الكبار امثال سعدون غيدان وعزة مصطفي وعدنان الحمداني وسعدون حمادي وتايه عبدالكريم كانوا لا يعرفون ايضاً بالاجتماعات الثنائية التي جرت بين صدام والشاه علي هامش مؤتمر قمة الاوبك، وأحد هذه الاجتماعات استمر لمدة ست ساعات متصلة. الهوامش: (1 اعتمد صدام علي غانم عبد الجليل كثيرا وجعله مديرا عاما لمكتبه، وهو الذي قام بعملية وضع اليد علي المنشآت النفطية في كركوك يوم التأميم بتكليف من صدام، كما كان الساعد الأيمن لصدام في صياغة قانون الحكم الذاتي للأكراد لعام 1975، لكن حياته انتهت بالاعدام ضمن مجموعة الرفاق الواحد والعشرين عام 1979.(2 تأسس البنك المركزي العراقي عام 1947 ليحل محل سلفه البنك الوطني العراقي. (3 و4) النص الكامل للكلمة منشور في جريدة (الثورة) بعددها 1984 الصادر في 2 شباط (فبراير) 1975، اليوم التالي لافتتاح المؤتمر. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية