الساحة اللبنانية بين زمجرة سياسييها ورعب مواطنيها

حجم الخط
0

الساحة اللبنانية بين زمجرة سياسييها ورعب مواطنيها

نهي المصريالساحة اللبنانية بين زمجرة سياسييها ورعب مواطنيها قيل: ان خير الناس أنفعهم للناس ونضيف: خير الناس أعذرهم للناس .وقد يصح هذا القول في المواقف الفردية، ولكن في القضايا الكبري تختلف الحسبة تماما، والأدلة علي ذلك كثيرة، علي سبيل المثال؛ بل والحصر..! أي عذر يبرر للسيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني، القيام بعملية أسر الجنديين الاسرائيليين كخطوة غير محسوبة ـ كما أقر بنفسه لاحقا وان بشكل غير مباشر ـ والتي بمحصلتها دمرت اسرائيل الكثير في لبنان؟وان استطعنا ايجاد المبررات الكافية لعملية الأسر، كما فعل الكثير منا، فأي عذر يبرر له محاولة الأسر الثانية ـ لو صح التعبيرـ والتي تستهدف بالدرجة الاولي القرارالسياسي في لبنان حصرا، لأغراض غير واضحة ولكنها حتما خطيرة؟عملية الأسر الثانية والجارية علي قدم وساق خطيرة بكل المقاييس، إذ أثبتت الحرب الأهلية في لبنان ان حرب الغاء الآخر هي حرب فاشلة بالضرورة، وأن لا بديل عن القبول بذاك الآخر، لا بل والتلاحم معه علي قاعدة واحدة ومشتركة، وهي ما اصطلح علي تسميتها بالوطن ، لكي تصبح كل المذاهب والأديان جزءا من نسيج واحد أوحد بمعزل عن الرغبات والمشاعر، لأن الوطن لن يكون له وجود خارج هذه الفسيفساء، بل سيتحول الوطن الي دكان يباع ويشتري، وحتي لو أوحت الشعارات المطروحة في سوق الهاب المشاعر الغوغائية بغير ذلك..الكل يعي اليوم أن لبنان يقف علي كف عفريت مرتبط بالخارج ، ومن الواضح ان السيد حسن نصر الله هو لاعب أساسي علي الساحة اللبنانية الطائفية في هذه المرحلة علي الأقل، ولكن علي أي اساس؟ لعل الأساس يعود بالدرجة الأولي الي نشأة الحزب التي ارتبطت بحركة أمل الشيعية ابتداء ثم بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، مع العلم ان تاريخ المقاومة يعود الي ما قبل نشوء حزب الله، وانشقاقه عن حركة أمل بسنوات عديدة.فقد استطاعت القضية الفلسطينية، ومنذ وقت مبكر استقطاب جهود وتعاطف العديد من القوي اليسارية والقومية والوطنية والدينية الفاعلة في لبنان، كالجماعة الاسلامية، والحزب الشيوعي، وقوات الانصار، والميليشيات التابعة للتنظيمات القومية المختلفة، من بعثيين وناصريين وقوميين سوريين، وحركة 24 تشرين، وقد ساندت هذه التشكيلات بشكل عام المقاومة الفلسطينية، الي أن تأسست بعد ذلك أفواج المقاومة اللبنانية المعروفة اختصارا بحركة أمل الشيعية عام 1975م. وبالرغم من أن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في نيسان (ابريل) عام 1975م، قد قام بتشتيت طاقات القوي الوطنية اللبنانية، غير أن الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1978، والذي عرف بعملية الليطاني، جمع تلك القوي اللبنانية اليسارية والقومية والاسلامية من جديد، تحت مظلة المقاومة اللبنانية التي باتت أساس المقاومة التي خاضت المواجهة مع اسرائيل عام 1982 من خلال التحالف مع المقاتلين الفلسطينيين تحت مسمي القوات المشتركة للثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية .ولكن بعد حصار بيروت الغربية، وخروج قوات المقاومة الفلسطينية من لبنان، ثم احتلال بيروت، بعد ذلك تحولت المقاومة الي لبنانية صرفة، بل واتسعت دائرتها لتشمل الي جانب تلك القوي العديد من المتطوعين من كافة المناطق اللبنانية بمختلف مذاهبها، والمتطوعين من جنود وضباط في القوات الخاصة في الجيش اللبناني، الذين أصبحوا نواة القوة القتالية لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، بل وبفضل عملياتها القتالية ـ التي لم تقتصر عملياتها الاستشهادية علي فئة أو حزب معين من بين القوي الوطنية والاسلامية اللبنانية ـ التي اتخذت شكل حرب العصابات والتي استهدفت قوات الاحتلال من بيروت الي الجنوب، وأرغمت اسرائيل علي الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية عام 1985 ثم استقرت قواتها المحتلة في الشريط الحدودي في أقصي الجنوب اللبناني بمواجهة المقاومة الوطنية اللبنانية.أما حزب الله فتعود نشأته الي انقسام حصل داخل حركة أمل الشيعية الطائفية ، وذلك سنة 1985، أي بعد ثلاث سنوات علي انطلاق (المقاومة اللبنانية ـ الفلسطينية) ضد الاحتلال الاسرائيلي للبنان. وقد تمركز الخلاف (الشيعي الداخلي) حول المرجعية، اذ رأي القسم الأول أن المرجعية الشيعية للحركة يجب ان تكون من داخل لبنان، في حين دعا الجناح الآخر (حزب الله لاحقا) الي اتخاذ الخميني كمرجع أعلي للشيعة ليس فقط في لبنان بل في كل انحاء العالم، ثم تفاقمت الأزمة بعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت والانسحاب منها، فولد حزب الله الذي ارتبط بايران، وهذا واضح في بيانه الصادر في 16 شباط (فبراير) 1985، والذي جاء فيه: ان الحزب ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه وتم تجاهل مرجعية أغلب قادة حزب الله الذين كانوا يقلدون مرجعية النجف الشيعية العربية في العراق، وليس مرجعية قم الفارسية بدءا بموسي الصدر مؤسس حركة أمل ، ومرورا بالشيخ صبحي الطفيلي أول أمين عام منتخب لحزب الله، وأمين الحزب عباس الموسوي الذي اغتالته طائرة اسرائيلية هو وزوجته وابنه، وكذلك كان السيد حسن نصر الله الامين العام الحالي، ثم أصبح ممثلا لخامنئي في لبنان. لقد عمل حزب الله بعد تأسيسه في اطار جبهة المقاومة اللبنانية، قبل أن يتحول الي العمل منفردا، خصوصا أن منطقة الجنوب كانت بيئته الحاضنة ومركز قاعدته الجماهيرية.وكان نظام الوصاية السوري ـ الايراني قد ساعد علي تكريس دور حزب الله في لبنان دون غيره من القوي الوطنية التي كان لها دور فاعل في مقاومة الاحتلال منذ السبعينات، وذلك بتهميش تلك القوي، واحتوائها بعد استنزاف قدراتها، وتصفية رموزها الوطنية اللبنانية علي مدي سنوات الحرب، وقد تكرس هذا الوضع بعد اتفاق الطائف عام 1990، والذي قضي بتجريد كل الميليشيات اللبنانية من أسلحتها باستثناء حزب الله الذي تعزز دوره باحتكاره لاعلام المقاومة، والسماح لبقية الفصائل بالعمل تحت مظلته علي أن تذاع العمليات النوعية باسمه حصريا، وهكذا استغل الحزب في نهاية الأمر انسحاب اسرائيل في نيسان (ابريل) عام 2000 من الشريط الحدودي.انسحبت اسرائيل من الشريط، ولكنها ما زالت في مزارع شبعا الواقعة علي سفوح جبل الشيخ، واعتبرت ذلك باجراء وصف اسرائيلي بالعملية المهينة، فيما وصف اعلاميا عربيا ولبنانيا بالتحرير، الذي مكن حزب الله من الحصول علي رصيد شعبي واسع ومكانة خاصة في لبنان وغيره، وهذه المكانة تكرست لحسن نصر الله عربيا بعد آخر حرب باعتباره النقيض للهزائم العربية السابقة، ولكن من الواضح انها لن تكون الحرب الأخيرة وذلك بسبب التعقيدات الاقليمية التي تشهدها المنطقة اليوم والتي بات واضحا أن لبنان سيكون ساحة للاعبين فيها سواء أكان ذلك بحكم جغرافيته التي اصبحت كاللعنة، أو بحكم تبعيات أقطابه السياسية المختلفة لعناصر هي بالأساس مختلفة .عندما يلتزم حزب الله بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه الايراني علام يدل هذا بالضرورة؟هذا يعني حكما أن علاقة حزب الله بايران أعمق وأخطر مما أشيع، وان الولاء عندما يرتبط بالعقيدة والدين والفكر عندها ستكون مسألة الأولويات محسومة حكما، خصوصا أن تجربة الحرب الأهلية السابقة علمتنا أن الوطن المعافي لا بد أن يكون هو نفسه أولوية الأولويات عند المواطنين. أما فيما يختص بولاء حزب الله لسورية لا شك ان الأمر أعمق من احساس مفعم بالجميل لجهة راعية وداعمة، اذ بات واضحا أن هناك جملة من المصالح الاستراتيجية باتت تفرض نفسها اليوم علي المنطقة لتشكيل محورا يشمل شيعة لبنان وسورية والعراق وايران وأفغانستان للوقوف أمام عدو باسمه ترتكب كل الحماقات ظاهرا ولكن الباطن غير ذلك تماما، ولا سيما أن تلك الفئات وحدت أهدافها عبر انضمام الرئيس الايراني الي قافلة الملوحين بالقضية الفلسطينية للتضليل ليس الا. لقد استخدم أحمدي نجاد القضية الفلسطينية، بمنتهي البراعة حيث جاء خطابه السياسي مصهورا بصخب القوة وضجيجها ومثقلا بالمباشرة، وكأنه أراد أن يفتح الجرح القديم / الجديد ليقطف منه الدم الأطهر، ولكن ليس لمباركته بل ربما لتتبارك أجندته السياسية منه، وتزدهر كما يؤكد بعض المحللين ذلك… كيف لا والقضية الفلسطينية هي نهر السياسيين العرب الذي لا ينضب، يستعينون بها عندما تجف ينابيع وعودهم، فتكشف مواقفهم الخادعة، ويدوسون عليها عندما يحين موعد الوفاء بالدين….هذا التميز وبامتياز في استخدام القضية الفلسطينية كورقة رابحة وعلي الدوام لاطلاق القهر من عرينه ولو لبرهة، يطرح تساؤلا؛ وهو: علام تدل مواقف الرئيس الايراني وتصريحاته المختلفة اتجاه اسرائيل، وفي هذه المرحلة بالذات؟وعلي من يعول الرئيس الايراني في ظل الشتات الذهني والنفسي الذي يعيشه العالم الاسلامي والعربي اليوم؟هناك من يعتبر أن خطاب الرئيس الايراني بمفرداته الحادة يهدف بالدرجة الأولي الي اضفاء الشرعية علي النتائج قبل الأفعال، وذلك عبر استخدامه عنوانا هو الوحيد القادر علي شحذ همم البيادق، وتضليل الغوغاء حيث ما زالت الي اليوم شعارات القضية الفلسطينية هي السلعة الوحيدة المربحة والرائجة، لا سيما ان ثمن الوعد بالنصر هو الوحيد الذي يجد وعلي الدوام آلاف المتبرعين بدمائهم لاذكاء تلك الشعلة المرتبطة بحلم العودة، هذا الحلم ـ وان بات حكرا علي فئة فلسطينية محددة بحكم ما يسمي باتفاقيات السلام ـ ما زال يمس وجدان ملايين المسلمين والعرب الذين وجدوا في هذا الوعد طموحا وربما مهربا من تعسف أنظمتهم السياسية، التي حرقت بقمعها كل الهمم والكرامات، فكانت النتيجة الهروب من ميادينهم الحقيقية الي الميدان الأكبر مع انه في الواقع ميدان يحتاج الي القليل من التهور والكثير من الحكمة والعطاء، فهل يمكن توفير شروط كهذه في جيل مغلول الأيدي ومبحوح الصوت؟ جيل لا يحمل في الذاكرة سوي طعم المرارة وبقايا انسان شوهه الخوف والخضوع للذل والهوان؟ لا شك ان الواقع مغموس بالمرارة، ولكن الأمر هو ان كل هذه التضحيات لم تستطع ان تزعزع او تخفف من استبداد تلك الأنظمة وفسادها قيد انملة.ولست ادري هنا من انتج من…. هل ضاعت فلسطين لأننا كنا خائبين؟ أم أصبحنا خائبين لأننا لم نستطع ان نحافظ علي طهارة القضية وعلي نبل أهدافها؟ مهما كان الجواب؛ الشيء الأكيد هو أننا وللأسف حولنا القضية الفلسطينية الي ملهي ليلي لا حضور في حلبته الا لأجسادٍ ضلت الطريق خطاها، وتلوثت عقولها بسموم دعاة الحرية الذين أصبحوا كتجار الكيف، مسؤوليتهم تتوقف عند بيع المنتج بمعزل عن النتائج.ألمْ يصبح مطلب التضحية بالروح بالدم دعوة مجانية، وثمنا باهظا يفرض علي الأبرياء لكي يتحولوا الي قربان لآلهة لم يتم اختيارها بعد؟ من يعي منا ما يجري اليوم، فليرمني بالحقيقة، أو فليصطف قربي ليصبح شاهدا علي جنون السلطة من أجل الثروة والعظمة، هذا الوباء الذي تفشي بين من كانت مشاعرنا وعقولنا تعول عليهم، فخيبوا رجاءنا وآمالنا.جنون العظمة أم قوة العقل أم هوس السلطة والمال؟… أية قبعة بات يرتدي اليوم السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله ، بعد نصره المفرقع واجندته غير الواضحة؟أية قبعة يرتدي اليوم وهو يوزع املاءاته علي حلفاء الأمس، وخصوم اليوم داخل الساحة اللبنانية؛ تلك القوي التي صبغت باللون الأمريكي ما دامت ضد الوصاية السورية ـ الايرانية علي لبنان؟بالرغم من أن أداء السياسيين اللبنانيين جملة وتفصيلا لا يعد بالخير، ورغم ان العقل الذي كنا نعول عليه وهو السيد حسن نصر الله تحول الي ظله بعد أن تغير أداؤه لاعتبارات لن ننتظر طويلا لمعرفتها، هناك فئة في لبنان اختارت وان بصمت الي الآن الطريق الثالث، وهو طريق واحد وجهته واحدة وهي لبنان ومصالح لبنان أولا وأخيرا والتي هي فوق كل المصالح والاعتبارات الباطنة والظاهرة ، هذه الفئة ربما لو صنفت نفسها ستغير معادلة الاكثرية التي يتبجح الطرفان المتصارعان بامتلاكها، تلك الفئة قد لا تحتاج الي معجزة لتتوحد وتجتمع بل تحتاج الي تسجيل جملة من اللاءات وهي: لا للحرب الأهلية، لا لمصادرة القرار السياسي، لا للتبعية المذهبية والمصلحية، لا لعودة زمن الوصاية السورية، لا لأشباه السياسيين المحسوبين علي لبنان رجالا، لا لجعل لبنان ممرا للمخططات الخارجية أو ميدانا لتصفية الحسابات المذهبية والدينية.عندما نراعي كل تلك الاعتبارات قد ينضج صوت القانون لكي تصبح له الكلمة الطولي، ولكي يحمي القانون بدوره الوطن من الخراب الذي قد يتأتي مما تبقي من رجاحة في عقل البعض من كباره، وعندها قد تنتشل السلطة المرمية علي قارعة الطريق من بين انياب قطاعها بعيدا عمن اصابه داء التكالب علي ما تبقي منها.وان كان الاتفاق علي بقاء الوطن عصيا عليكم نعدكم باستئجار ساحة لكم لكي تمارسوا عليها نزعاتكم الطفولية لأن لبنان لن يعود مختبرا للتجارب ولن نكون فئرانا للتجارب اللاانسانية القذرة بعد اليوم. ہ كاتبة من لبنان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية