بين يدي مصطفي العقاد: مشهد اخير من غرفة الطواريء
عبود الجابريبين يدي مصطفي العقاد: مشهد اخير من غرفة الطواريءكما لو انك تختزل الشجرة الي خيزرانة.. والبحر الي سحابة.. تجرعت الغصة وحيدا.. مذهولا.. من شقاء الكتابة عن اللقاء… الاول والاخير.. فالرجل يحمل اسمه الغزير.. بينما تحمل انت افراحك الشحيحة. وغزارة الموت في شوارع بلادك.وكما انت وحيد الآن.. هو وحيد مثلك.. جريح.. وليس من دم يدل علي اقتراب الموت من بابه.. وانت وحيد ايضا.. وجراحـك يتوزعها الصمت والانتظار لعلها تنزف ما تبقي من الدم بين يـدي ترابها الأول… الكرسي المتحرك الصديء يحتضن صمته.. وتراب باهت اللون.. علي قميصه.. بينما رائحة البارود تختلط بما تبقي علي قميصــه من العطر.. وعشرات المناكب المتزاحمة التي ترش الصبر علـي فزع الآخرين.ألتفت اليه.. فلا أري الغليون في يده.. ايعقل ان يكون هو؟؟ الشعر الأبيض ذاته.. والفم.. يحمل الابتسامة الدفينة ذاتها…. وثمة سيدة تمسح رأسه بيد.. ودموعها تخضب يدها الاخري.ـ ألست..؟فتهز رأسك ايجابا. بينما تصرخ السيدة:ـ نعم انه هو.. الحمد لله انك عرفته وسط هذا الزحام.ـ انها رائحة البارود.. وتراب الاوتاد المترنحة.. يغشيـــان الابصار سيدتي.اضاحكك بكل ما اوتيت من الدمع، بينما تكتفي بالابتسام.. من خديعة الموت، فثمة الطبيب العراقي القادم من مؤتمر الموت هناك.. الي مؤتمر الموت هنا..ـ أحـد. احــد..تلك الصخرة الازلية.. وذلك القلب الهلامي الذي ألف الرابضين عليه.ـ احــد.. أحــــدودمك مطالب بالاعتذار، لأنه لم ينفر، اسوة بدماء الآخرين… دمك الذي خدع المأساة.. وصمتك الذي اوهمهم بأنك تفكر بمشاهد جديدة للعراء الذي ينتاب التاريخ. دمك الذي كان ينساب في جوفك.. لكأنك كنت تخجل ان تعلـــن استغاثتك عبر الدم.. ـ هل أقطع اكمام القميص سيدتي..؟؟ـ افعل.. ارجوك افعل. وأفعل ذلك وأخالني ذلك الطفل الذي كان شبلا في أسد الصحـراء.. غير اني ويا لها من فجيعة، كنت ابحث عن نظارتك انت.. وليس عن نظارة الشهيد (عمر المختار).ـ أحـــد.. أحــــد.. والسبيل الي وريدك متعثر.. كأن دمك عصي علي العيان… دمك كان نشيد تلك النــار. ولأنه كذلك، كانت الشظية في عنقك تشبه توقيع القتل.. ساخنة، قبيحة.. ولم تدع الدم يغادر الوريد…. وحده الهواء انسل من بين آهتين الي رئتيك ولم يستطع بعد ذلك فرارا…ـ أحد.. احد.. أحــــدواحبس اسمك بين فكي ثم اطلقه دفعة واحدة.. انه مصطفـــي العقاااااااااد.. بينما اتحسس فمي لئلا تتناثر منه اسماء شتي كانت لتقفز لو انك تجيد الاستماع آنذاك.. اصرخ باسمك فينثال ابطالك في غرفة الطواريء، يحملون كرسيك وغليونك وبياض شعرك والصحاري التي طرزتها باسمائهم….. ينثال ذلك التاريخ الذي رسمته بالضوء والرمال… والهواء ما يزال حبيسا تحت جلدك.. ذلك الهواء الذي انسل من بين آهاتك ليقبــع هناك.. ينثال اسمك علي الشفاه، فيسير بك الجمع الي حيث سرير الضوء والمباضع.. انت هناك اخيرا.. والآخرون يبحثون عن مستقر دمك.. وأنا احاول ان اداهن الكلمات التي سأدونها عن عشية لقائنا. سأقول انــك كنت عابرا لم يشأ ان يخضب ايدي محبيه بدمه.. لم يتأوه.. ولم يومئ الا الي جرح البلاد.. وبينما كنت اقرأ اسمك في عيون الآخرين كان هناك جمع من الرجال الأنيقين جدا يسأل عنك، حينذاك عرفت اننا لم نعد وحدنا.. عرفت انني لن التقيك مرة أخري. حيا أم ميتا.. فانسللت الي حيث يرقد ذلك الطبيب العراقي الـــذي استشهد وأعلن عن دمه الصارخ.. جلست بجانبه ونفثت سيجارتي علي زجاج النافذة.. وسرحنا بابصارنا صوب اغنية عراقيــــة عن دم صاخب، ودم هامس. اغنية عن موت يمشط شعر الرمال.كاتب من العراق يقيم في الاردن0