الأحداث الأخيرة في الشرق الاوسط ـ الحرب في لبنان، وصعود قوة حماس في صفوف الجمهور الفلسطيني، والتهديد النووي الايراني ـ تُساق في احيان كثيرة كدلائل علي أن السياسة والسلوك الاسرائيليين يصبان في مصلحة المتطرفين الاسلاميين. أنا أدعي أن استخلاصات اخري يمكن أن تكون أكثر ملاءمة لذلك.
أولا، يتوجب أن يكون واضحا أكثر من أي وقت آخر أن الصراع الاسرائيلي الفلسطيني ليس مُسرعا للتطرف الاسلامي، وانما هو انعكاس لتغلغل آراء متطرفة دينيا ومهددة للجميع عند الجانب الاسلامي. عدم الاستعداد للتسوية والاعتقاد بأن المستقبل لهم وحدهم ونزع الشرعية عن رواية الطرف الآخر والاستعداد لمواصلة سياستهم المتبعة علي حساب شعبهم، هي مزايا وخصائص قد حولت الصراع الاسرائيلي الفلسطيني الي صراع غير قابل للحل. هذه الخصائص موجودة في قلب الهجمة الاسلامية المتطرفة علي الغرب.
هذا لا يعني أنه لا يتوجب علي اسرائيل دائما أن تتحقق مما يمكنها أن تفعله من اجل دفع عملية السلام، ولكن التوقف عند المبادرات الاسرائيلية – اقتراح ايهود باراك في كامب ديفيد، والانسحاب أحادي الجانب من غزة، وانتخاب اهود اولمرت علي أساس وعده بالانسحاب من الضفة – الي جانب تعزز التطرف في اوساط الفلسطينيين الذي تجسد من خلال انتخاب حماس، سيؤكد الفجوة بين نوايا اسرائيل وبين التطرف السائد في الجانب الآخر. من الواضح أن اسرائيل ليست العقبة التي تعيق السلام، أو الطرف الذي يتسبب في المعاناة الفلسطينية المتواصلة.
الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني الذي لا ينتهي، هو نتيجة للتطرف الاسرائيلي أكثر من كونه سببا لولادة هذه الايديولوجيا، وإن قلصنا تأثير التطرف الاسلامي فلن نؤدي فقط الي تحسين العلاقات بين العالم الاسلامي وبين الغرب، وانما سنتيح المجال، الي جانب ذلك، لحل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني.
الاستخلاص الثاني: الحرب في لبنان والتهديد المتزايد من قبل ايران، ليست مجرد تحديات يتوجب مواجهتها، وانما يمكن أن تكون ذريعة لاستئناف التعاون الاستراتيجي بين الأطراف المعتدلة في المنطقة.
علينا أن نتذكر كيف وصف هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة سبب استراتيجية الدعم الامريكية لاسرائيل. هو قال ان من الضروري ان تكون واشنطن متيقنة من فوز اسرائيل في حربها ضد سورية والعراق المدعومتين من قبل روسيا، ذلك لان الدول العربية المعتدلة تتابع باهتمام شديد الي أين تهب الرياح. الانتصار الاسرائيلي سيقود المعتدلين نحو الجانب الامريكي، أما انتصار المتطرفين فسيدفع الباقين ايضا الي تأييد المعسكر السوفييتي.
الآن توجد أمامنا صورة حديثة للمقارنة القديمة. السعودية ومصر والاردن ودول الخليج مذعورة من التطرف الاسلامي، خصوصا من ايران الشيعية. ملاحظات وزير الخارجية السعودي في اليوم الثالث للحرب في لبنان، أجادت التعبير عن ذلك: هو ندد بحزب الله بصورة حادة لتسببه في سفك الدماء، ولم يندد باسرائيل. منع حزب الله من اقامة دولة خاصة به في جنوب لبنان، وايجاد السبل لابعاد الفلسطينيين عن حماس، وخصوصا ايضا ايقاف المشروع النووي الايراني – كلها تعتبر أهدافا مشتركة للدول العربية المعتدلة ولاسرائيل والولايات المتحدة. علينا أن نعارض الاسلام المتطرف مثلما عارضنا أسلافه الطغاة والنازيين والشيوعيين سابقا. نحن لا نستطيع أن نسمح لانتباهنا بالتشتت عن الهدف المركزي من خلال محاولات اتهام اسرائيل واليهود وواشنطن بالمشكلة. هزيمة الاسلام المتطرف وإحلال السلام بين اسرائيل والعالم الاسلامي هما وجهان لعملة واحدة. وهذا يستوجب العزيمة والاصرار والقوة والتحرك بالأفعال وليس بالأقوال فقط، خصوصا بصدد ايران وتهديدها النووي. كما أن المسألة تتطلب اقناع العرب المعتدلين بأن عليهم أن يكونوا أكثر وضوحا في تحديد المصالح دون الاكتفاء بالتعبير عنها في الغرف المغلقة فقط. كما أن العملية تستوجب تجنب الترفع والضعف في التوجه للمسلمين بصدد مكانتهم في العالم.
في الثلاثينيات فشل الغرب ولم يتحرك في الوقت الملائم دفاعا عن مصالحه، ودفع ثمنا باهظا لذلك، إلا أن اليهود دفعوا ثمنا أغلي وأفدح من غيرهم، لذلك علينا في هذه المرة أن ننجح وإلا فاننا سندفع الثمن للمرة الثانية. إلا أن اليهود ليسوا ضعفاء وعاجزين في هذه المرة.
ابراهام فوكسمانرئيس رابطة مناهضة العنصرية في الولايات المتحدة(هآرتس) ـ 13/11/2006