كلام لا يليق بفخامة الرئيس : رغيف الخبز لا يستحق هدر الكرامة الفلسطينية
د. عبدالقادر حسين ياسينكلام لا يليق بفخامة الرئيس : رغيف الخبز لا يستحق هدر الكرامة الفلسطينية في المؤتمر الصحافي الذي عقده في غزة مؤخرا وصف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس صورايخ المقاومة الفلسطينية بـ العبثية … وأنها تعطي المبررات لاسرائيل لاستهداف المدنيين . ويأتي هذا التصريح في الوقت الذي ارتكب فيه العدو الصهيوني مجزرة بشعة ذهب ضحيتها أكثر من عشرين مواطناً فلسطينياً وأصيب أكثر من ثلاثين آخرين في عمليات قصف همجية ضد مواطنين آمنين أبرياء في منازلهم وهم نائمون في بلدة بيت حانون المنكوبة… ويبدو لي أنه غاب عن بال الرئيس ان العدو الاسرائيلي لا يفرق بين منطقة تطلق منها الصورايخ وأخري هادئة، وأن ما حدث في بلدة اليامون في جنين من اغتيال خمسة مقاومين من كتائب شهداء الأقصي خير شاهد علي ذلك، وان العدو الصهيوني لا يفرق بين الكل الفلسطيني ويضع الجميع في دائرة الاستهداف.ترددت كثيرا قبل ان أكتب هذا المقال، وسبب ترددي ان البعض قد يفسر حديثي هذا وكأنه ردح علي الطريقة المصرية، أو انفلات اللغة، وان الناس مقامات ، وبالتالي فان من العيب ان أخاطب الرئيس بهذا الأسلوب.ان العيب ، في رأيي المتواضع، ليس في وضع النقاط علي الحروف، وانما العيب كل العيب ان يصرح من يمثل الشعب الفلسطيني بهذا الموقف المخزي، دون ان يرف له جفن.ان العيب كل العيب ان نسكت ونحن نسمع عباس يتحدث باسم الشعب الفلسطيني ليهين هذا الشعب المناضل ويحتقره، وأن نكون شهود زور علي ما يقوم به عباس وبطانته. قد أساء عباس، بهذا التصريح، حتي لتلك الشريحة من الشعب الفلسطيني التي انتخبته… لا ينكر أحد ان ثمة شريحة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قبلت بعباس بناء علي برنامج سياسي من 14 نقطة، طرحه عباس في ظل فراغ سياسي ناتج عن وفاة ياسر عرفات… لقد تخلي محمود عباس عن هذا البرنامج تماماً، بل وتنكر له، وباستثناء النقطة الرابعة (التمسك بخيار السلام الاستراتيجي) لم يحافظ علي أي من النقاط الواردة في البرنامج المذكور…ان حق شعبنا الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي حق كفلته المواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي… وقد أثبت شعبنا الفلسطيني، من خلال قوافل الشهداء التي قدمها علي مدي أربعين عاما، أنه لن يتنازل عن هذا الحق، وعن حقه في الدفاع عن النفس أمام الاعتداءات الاسرائيلية. لقد قرأت (وأعدت قراءة) تصريحات عباس منذ توليه السلطة قبل عامين وحتي اليوم، ولم أعثر في أي منها علي كلمة مقاومة … باستثناء تلك التي زعم فيها أن الحكومات في العالم كله لا تتبني المقاومة وأن الحكومة يفترض ان لا تمارسها وأن كلمة المقاومة لا تصلح … يتحدث عباس وكأن الفلسطيني مواطن في موناكو أو لشتنشتاين… وأن عليه بالتالي ان يتحاور مع العالم الحر بأسلوب حضاري يليق بالمقام… في الانتخابات الأخيرة التي شهدتها هنغاريا، قدم رئيس الوزراء البرنامج السياسي لحزبه… وتبين، فيما بعد، أنه خدع الجماهير في برنامجه الانتخابي… وأقامت أجهزة الاعلام الهنغارية الدنيا ولم تقعدها، وانطلقت المظاهرات احتجاجا علي الخداع الذي تعرضت له الأمة… أما في السلطة الفلسطينية العتيدة فيخرج علينا نبيل شعث، وياسر عبد ربه، ونبيل أبو ردينة، وغيرهم من المسؤولين، لتبرير كل تصريحات الرئيس وأفعاله… يقف شعبنا الفلسطيني أعزل الا من ارادته وايمانه بانتصار الحق والحياة، يحمل علي كاهله تاريخه المجيد الذي يمتد مئة عام من النضال… وان كان هذا التاريخ عبئاً علي الكاهل لا يمكن ازاحته أو التخلي عنه، فان شعبنا الصابر يعرف ان قدره التصدي في وجه هذه الغزوة مهما كلف الثمن ومهما غلت التضحيات.وفي طليعة هذا الكفاح المجيد تقف المرأة الفلسطينية، منارة تعانق السماء … ان المقاومة الباسلة للمرأة الفلسطينية في بيت حانون صفحة ناصعة جديدة من صفحات المواجهة مع العدو التي يخوضها شعبنا الفلسطيني ضد عدو غاشم فقد كل انسانية، وملحمة عز وفخار في زمن الذل والانهيار العربي. لقد أثبتت نساء بيت حانون أنهن اكثر رجولة وشجاعة من كل رؤساء الاركان وقادة الجيوش العربية دون استثناء.كنا نتوقع ان يقوم الرئيس بتوجيه التحية لأبطال شعبنا الفلسطيني، أو علي الأقل الاتصال بذوي الشهداء لتهنئتهم وتعزيتهم…. ولكن عباس لم يكلف نفسه عناء المشاركة في جنازة واحدة، واكتفي بحركة مسرحية بالذهاب الي مقر بنك الدم المركزي في مستشفي الشفاء في مدينة غزة و التبرع بالدم أمام كاميرات التلفزيون الفلسطيني… ان المذبحة التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية في بيت حانون لم تمنع فخامة الرئيس من استقبال الوزير الاسرائيلي السابق أوفير بينيس، الذي قدم استقالته مؤخراً، بسبب انضمام الوزير المتطرف أفيغدور ليبرمان للحكومة الاسرائيلية… والبحث معه في عملية السلام ، و سبل العودة الي طاولة المفاوضات . فعلي الرغم من قتل عشرين فلسطينيا (معظمهم من النساء والأطفال) فان الرئيس الفلسطيني يستجدي المفاوضات، أما الاجتماع باسماعيل هنية، رئيس الوزراء الفلسطيني، أو مع أهالي بيت حانون فليس من اهتمامات فخامته! في مقابلة أجرتها معه مجلة دير شبيغل الالمانية في 21 شباط (فبراير) 2005 أعلن عباس أنه علي استعداد لـ تقديم تنازلات مؤلمة بالنسبة لموضوع اللاجئين الفلسطينيين… وأنه مستعد للتفاوض بشأن المكان الذي سيعود اليه اللاجئون ، وأشار الي ان هناك خمسة ملايين لاجئ نعرف أنهم لن يعودوا جميعا ، وأكد ان كثيرين منهم لا يريدون العودة لأنهم يعيشون حياة كريمة في الولايات المتحدة أو سعداء في الأردن… وأضاف: اننا واقعيون… وقد تعلمنا من التجارب الفاشلة بأنه لا يمكن حل مشكلة كهذه، عمرها قرن خلال 16 يوما، فقد يحتاج الأمر الي سنة كاملة للوصول الي حل شامل .لا يمر اسبوع دون ان يتحفنا الرئيس أو أحد أبواقه بالحديث عن حقه في اقالة الحكومة الفلسطينية… وكانت آخر تصريحاته لصحيفة الشرق الأوسط السعودية التي زعم فيها ان الحكومة غير منتخبة … وكرر عباس ما قاله غير مرة بأنه مستعد للقاء أولمرت في أي وقت ومكان … ورغم كل المذابح ما عنديش مشكلة …وسخر عباس غير مرة، وفي أكثر من تصريح، من فكرة الهدنة التي اقترحها رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية، باعتبار أنها ستمنح الاحتلال فرصة لتثبيت شرعيته متناسياً ان الهدنة المعروضة مشروطة بانسحاب القوات الاسرائيلية الي حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، وخاصة من مدينة القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وازالة المستوطنات الاسرائيلية، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة… وينسي الرئيس (أو لعله يتناسي) انه، وعلي مدي 13 عاما من المفاوضات العبثية (في أوسلو، وبعدها) لم يستطع منع العدو من تهويد القدس وضم منطقة الأغوار وبناء الجدارالعازل..والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لمصلحة مَنْ هذه الهجمة الشرسة التي يقودها عباس وياسر عبد ربه ومحمد دحلان ونبيل شعث وغيرهم؟! لست من المدافعين عن حركة المقاومة الفلسطينية (حماس)، فالحركة تملك المئات من الكوادر والكفاءات الفلسطينية للدفاع عن مواقفها. ولا أزايد علي أحد عندما أقول بأنني لا أتفق مع البرنامج السياسي للحركة، لأنني أرفض أي نظام يقوم علي الدين… ولانني ضد استخدام الدين في السياسة… ولكنني، رغم كل ذلك، مناصر للحركة لأنها تعبر بصدق عن طموحات شعبنا الفلسطيني وحقه في الحياة الحرة الكريمة. لقد وصلت الوقاحة بياسر عبد ربه ومحمد دحلان، في الاسابيع القليلة الماضية، الي اتهام الحكومة الفلسطينية باتهامات لم تصدر حتي عن غلاة الصهاينة و المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذين يملؤهم الحقد علي شعبنا الفلسطيني! فقد شبَه دحلان فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بـ النكبة الكبري ! وفي كلمة ألقاها في 17 تشرين الاول (اكتوبر) 2006 حول الأوضاع المعيشية في المناطق الفلسطينية المحتلة قال عباس ان الخبز أهم من الديمقراطية . انه قول يفتقر الي الحد الأدني من الذوق والشعور بالمسؤولية، ويعود بالانسان الفلسطيني الي عصور الظلام.يريد عباس ان يقول انه اذا تطلبت مسألة الحصول علي الخبز من الدول الأوروبية المانحة التي تفرض علي الشعب الفلسطيني حصارا ماليا جائرا، فانه مستعد للتضحية بالارادة السياسية الحرة للشعب الفلسطيني من أجل لقمة الخبز التي يقدمها الآخرون.ولا يحتاج المرء الي ذكاء خارق لكي يدرك أبعاد ما يهدف اليه الرئيس الفلسطيني… ان عباس ببساطة يدعو الشعب الفلسطيني الي هدر كرامته مقابل الحصول علي رغيف الخبز من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي… فهو لا يري في الأربعة ملايين فلسطيني في الوطن المحتل أكثر قيمة من رغيف الخبز…ليس ثمة شك في ان عباس (الحاصل علي الدكتوراة في العلوم السياسية) يدرك جيدا أن لقمة الخبز التي سيجود بها جورج بوش وتوني بلير وخافيير سولانا لها ثمن فادح، وهو هدر ما تبقي من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وكرامته الوطنية، ومسخ كل معاني الاستقلال الوطني… ان لقمة الخبز المغمسة بالدم التي يكدح الفلسطيني من أجلها تعني أولا وقبل كل شيء الكبرياء والكرامة، ذلك ان العبيد والأذلاء أعجز من أن يحرروا وطنا…ولا يحتاج المرء الي دكتوراة في العلوم السياسية ليدرك أن المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لشعبنا الفلسطيني ليست سوي الثمن الذي تريد ان يدفعه الفلسطينيون بالتنازل عن حقوقهم التاريخية، وأن أقصي ما يمكن ان تجود به هذه الدول هو فتات تبقيهم علي قيد الحياة شريطة القبول بكل ما تمليه الولايات المتحدة واسرائيل من شروط لا يقبلها الا كل من تجرد من الاحساس بالكرامة الوطنية.وبعد؛ان مثل هذه التصريحات كارثة علي الفلسطينيين، ولا تقدم لهم سوي روح الهزيمة وتلقي بهم خارج العصر والتاريخ … هل يبقي 300 مليون عربي علي هذه الصيغة من البؤس واليأس في ظل القوة الأمريكية الاسرائيلية المتغطرسة؟ان التاريخ لا يصنعه الا القادرون علي صنعه، وليس أولئك الذين يكتفون بقراءته… كما ان الحق والحرية والوطن والكرامة ليست من المعطيات العابرة في التاريخ… ان أبسط ما يمكن ان يقال في تصريحات محمود عباس وبطانته أنه كلام رخيص لا يليق بقائد لشعب يناضل منذ أكثر من مئة عام، ولا يمكن ان يصدر الا عن زعماء رخصت نفوسهم وارتضوا بأن يكونوا خدما طائعين لأسيادهم. وكمواطن فلسطيني فانني أشعر بالخجل من نفسي، وتصيبني قشعريرة كلما خطر ببالي أن عباس يتحدث باسم عشرة ملايين فلسطيني.كاتب من فلسطين8