محمد كريشان
الاعلان الوشيك عن قيام حكومة وحدة وطنية فلسطينية يثبت كم أن الأمور قد تكون فعلا سهلة اذا ما توفرت الارادة السياسية الصادقة والعقلانية البعيدة عن الدوغمائية والمؤمنة بأن ما يجمع الفلسطينيين أكثر بكثير مما يفرق بينهم، فقبل أسابيع بل وحتي أيام قليلة كانت تبدو الأمور بين فتح وحماس سائرة نحو القطيعة وحتي التصادم مع أن ذلك لم يمنع استمرارا متقطعا لبعض التصريحات التصالحية القليلة من بين هذا الفريق وذاك.
ما قاله مؤخرا رئيس الحكومة اسماعيل هنية من أنه اذا كان الخيار عنده بين بقائه علي رأس الحكومة ورفع الحصار فانه سيختار طبعا الثاني، واذا كان له كذلك أن يفاضل بين بقائه رئيسا للحكومة والتنازل عن الثوابت فانه سيفضل التمسك بالثوابت ولو خسر هذا المنصب، هذا الكلام يبدو عين الرصانة ولم يكن مطلوبا برأيي من حماس أكثر من ذلك، بمعني أنه كان يفترض من الحكومة التي شكلتها أن تتعاطي بكثير من الواقعية البناءة مع الحصار الظالم التي فرض عليها وعلي أبناء الشعب الفلسطيني. فاما أن تستطيع التغلب عليه، لا يهم كيف، واما أن تستخلص ما يجب استخلاصه حتي لا تسير الأمور من سيئ الي أسوأ طالما أن المجموعة الدولية، بل والدول العربية والاسلامية، التزمت بما طلبت منهم واشنطن الالتزام به. في فترة من الفترات كانت حماس، بل بعض قياداتها علي وجه الدقة، يتصرفون بمنطق المثل الشعبي لا يرحمون ولا يخلون رحمة ربنا تنزل وأحيانا بمنطق اذا مت عطشانا فلا نزل القطر فكانت تلك التصريحات التي تعيد وتكرر بأن هذه الحكومة المنتخبة (وهي ليست كذلك بالمناسبة فهي منبثقة من مجلس تشريعي منتخب حازت فيه حماس بكل جدارة وشفافية علي الأغلبية، والفرق بين الأمرين ليس تفصيلا كما ظن البعض لأن محاولة تغيير الحكومة أو توسيعها ليس انقلابا علي الشرعية) ستكمل سنواتها الأربع غير ناقصة، بل وذهبت بعض التصريحات الي حد القول اذا ما أريد لانتخابات سابقة لأوانها أن تجري فلتكن الرئاسية فقط والحركة جاهزة للظفر بها أيضا. طبعا الوصول للرئاسة مطمح شرعي لكل حركة سياسية ولكن في هذا السياق الفلسطيني الذي نعرفه جميعا لم يكن ذلك ليعني سوي ما قاله الشاعر التونسي آدم فتحي في احدي قصائده المشهد اكتملت فصول خرابه أو كما يقول المثل الشعبي مرة أخري جاء يكحلها عماها. ليس تنازلا بل تضحية من أجل الشعب الفلسطيني، هذا ما قاله اسماعيل هنية عقب اعلان استعداده التنحي عن منصبه لتشكيل حكومة جديدة يعيد العالم الروابط معها، بضمانات صريحة وتعهد لا شك فيه، وبالتوازي مع اطلاق سراح الوزراء والنواب الأسري. الأمر فعلا كذلك وشكرا لهنية وحماس لأنه لم يكن مطلوبا من حماس أن تتنازل أو أن تفرط في ثوابتها فالمسألة، فلسطينيا علي الأقل لا تبدو بهذه الحدية القاسية، ولهذا بدا هنية في تلك التصريحات أكبر هامة وأطول قامة منه في أية تصريحات أخري حتي وان كانت من تلك التصريحات الحماسية التعبوية التي أطلقها في مهرجانه الشعبي الضخم في شهر رمضان المبارك لأنه من خلالها أظهر أن حماس قادرة، ان هي أرادت، أن تتأقلم مع ظروف السياسة القاهرة والظالمة أيضا دون أن تفقد بالضرورة مرجعياتها الاستراتيجية في حدها الأدني وفي بعدها المرحلي علي الأقل. وهنا تتجلي تجربة الزعيم الشهيد ياسر عرفات الذي ناور كثيرا لكنه عندما جد الجد لم يفرط ودفع حياته ثمنا لذلك بل وحتي تجربة الزعيم الشهيد الشيخ أحمد ياسين الذي كان له من المرونة ومن القدرة علي التأقلم الثابت والمحسوب ما سجله له كثيرون. المؤمل أن تكون حماس قادرة في هذه المرحلة علي لعب دور الشريك لا البديل أي أنه من حقها، الذي لا منّ فيه، أن تكون من ناحية شريكة في ادارة السلطة الوطنية وهي المهمة التي اختيرت لها بالأساس بعد الكثير من قضايا الفساد وسوء التصرف الذي طبع تصرفات مسؤولين عديدين من حركة فتح ومن ناحية أخري أن تكون لها مكانتها في هياكل منظمة التحرير الفلسطينية حتي تصبح المنظمة بجدارة أقوي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني فالحصافة هنا، بتقديري، أن تبلور حماس موقفها علي أساس أن وجودها يقوي شرعية ووزن المنظمة لا أن تنفي تمثيلها للشعب الفلسطيني حتي تتبوأ هي مكانتها داخلها علي غرار ما فعلت من قبل مع السلطة التي شككت كثيرا في مرجعياتها وطبييعتها القانونية الي أن دخلتها. ان طبيعة هذه المرحلة تقتضي المشاركة في السلطة والمنظمة علي حد سواء خاصة وأن المجتمع الدولي بات ناضجا علي ما يبدو، أكثر من أي وقت مضي، علي الانكباب الجدي علي التسوية السياسية للقضية الفلسطينية مما يفرض أن يكون أي قبول أو رفض مبنيا علي تشاور حقيقي بين كل الفرقاء الفلسطينيين علي أساس من الاحترام والندية بعيدا عن أية حسابات أو توظيفات من هذه العاصمة أو تلك شقيقة كانت أو صديقة. في كل حركة سياسية عقلاء ومجانين، واقعيون ودغمائيون، ومن المؤشرات الأخيرة يبدو أن هكذا صراع في حماس، كأي حركة أخري في العالم، قد رجح كفته علي ما يبدو لصالح الأوائل وهذا تطور ايجابي للغاية يجب تشجيعه من الجميع من الفلسطينيين والعرب والعالم، علي أن يوازيه أيضا داخل حركة فتح ترجيح كفة القابلين بالشراكة وبقواعد جديدة للعبة غير تلك التي ألفوها لعقود، علي الأقل في انتظار أن يعود الفلسطينيون مرة أخري الي صناديق الاقتراع داخل الوطن وفي الشتات ليقرروا لمن سيعطون الأمانة فقد يكرسونها لحماس وقد تسحب منها وقد يوزعونها بينهما علي أمل بروز تسوية ما واضحة المعالم قد نفهم وقتها اختلاف الفلسطينيين حولها أما الآن فلا شيء يستأهل الخلاف والشقاق.