محمد سناجلة: خيارات الكاتب الرقمي أصبحت أكبر من الكلمات وغنية بـ الملتي ميديا
في ندوة لاطلاق تجربته الرقمية الأدبية صقيع محمد سناجلة: خيارات الكاتب الرقمي أصبحت أكبر من الكلمات وغنية بـ الملتي ميديا عمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: عقدت في قاعة المؤتمرات بالمركز الثقافي الملكي بعمان ندوة خاصة تتناول تجربة جديدة في الكتابة الرقمية للروائي الأردني محمد سناجلة وهي صقيع التي تجمع الكتابة السردية القصصية بالشعر بالصورة المتحركة بالموسيقي والغناء، وقد شارك فيها بالنقد عبر الانترنت الناقد المغربي سعيد يقطين، والناقد المصري احمد شبلول ،بمداخلة حية للناقد الأردني فخري صالح، وقد حضر جلسة انطلاق الندوة وزير الثقافة عادل الطويسي وجمع من الكتاب والمثقفين الأردنيين، فيما قدم سناجلة الذي يشغل منصب رئيس اتحاد كتاب الانترنت العرب مداخلة شارحة بالصوت والصورة والكلمة لتجربته، وقال عنها احب التنويه الي ان لغة الكتابة الرقمية الجديدة او اللغة في ادب الواقعية الرقمية عموما تختلف عن لغة الكتابة التي تعودنا عليها جميعا، في اللغة وطريقة الكتابة السابقة كانت الكلمات هي اداة الاديب او الكاتب الرئيسية وكان الورق والاقلام اداته الثانية وقبل هذا وذاك وجود الموهبة والثقافة العميقة التي تؤهل كاتبا ما للفعل الابداعي. ومع دخول العصر الرقمي تغيرت الادوات والأشياء واصبح مفهوم اللغة اعم واشمل. عند الكاتب الرقمي لم تعد الكلمات هي اداة الكاتب الوحيدة بل غدت جزءا من كل العملية الابداعية، تطور مفهوم اللغة الكتابية هنا بفعل تطور العصر، دخل علي لغة الكتابة ما يعرف بمؤثرات الملتي ميديا المختلفة من صوت وصورة وحركة وفنون الغرافيكس والانيميشن وغيرها. لقد اصبحت خيارات ولغة الكاتب أوسع بكثير وأغني بكثير ايضا .وفي سياق شرحه لخصائص هذه اللغة الجديدة تابع سناجلة قائلا في لغة رواية الواقعية الرقمية لن تكون الكلمة سوي جزء من كل، فبالاضافة الي الكلمات يجب ان نكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة، ثم ان الكلمات نفسها يجب ان ترسم مشاهد ذهنية ومادية متحركة، أي ان الكلمة يجب ان تعود لأصلها في ان ترسم وتصور، وبما ان الرواية أحداث تحدث في زمان ضمن مكان، وهذه الأحداث قد تكون مادية ملموسة أو ذهنية متخيلة فعلي الكلمات ان تمشهد هذه الأحداث بشقيها، وعلي اللغـة ان تكون سريعـة، مباغتة، فالزمان ثابت =1، والمكان نهاية تقترب من الصفر ولا تساويه، ومن هنا فلا مجال للاطالة والتأني، فحجم الرواية يجب ان لا يتجاوز المائة صفحة علي أبعد تقدير، أما الجملة في اللغة الجديدة فيجب ان تكون مختصرة وسريعة، لا تزيد عن ثلاث أو أربع كلمات علي الأكثر، وان ما سبق يعني ان علي الروائي نفسه ان يتغير، فلم يعد كافياً ان يمسك الروائي بقلمه ليخط الكلمات علي الورق، فالكلمة لم تعد أداته الوحيدة، علي الروائي ان يكون شمولياً بكل معني الكلمة، عليه ان يكون مبرمجاً أولاً، وعلي المام واسع بالكمبيوتر ولغة البرمجة، عليـه ان يتقـن لغـة الـ HTML علي أقل تقدير، كما عليه ان يعرف فن الاخراج السينمائي، وفن كتابة السيناريو والمسرح، ناهيك عن فن الـ Animation .وقام سناجلة أثناء شرحه بعرض نماذج من تجربته الجديدة عبر شاشة علي الجمهور الحاضر.شبلول: تأسيس لمسيرة أدبية جديدة من جهته قال الناقد المصري د. أحمد فضل شبلول معقبا علي صقيع من خلال اتصال مباشر معه عبر الانترنت: في صقيع نجد أحلاما وكوابيس وشعرا وتقنيات جديدة، لا بد من مشاهدتها أولا قبل الحديث عنها، فالابداع الجديد لم يعد يعتمد علي الكلمة وجمالياتها أو بلاغتها فحسب، ولكن الي جانب الكلمة هناك جماليات وبلاغة الصورة والصوت أيضا، والصورة اما ثابتة أو متحركة، والصوت قد يكون صوتا انسانيا أو صوتا لحيوانات أو طيور أو مياه أو رياح .. وما الي ذلك، ومن هنا فان صورة الصقيع وندف الثلج، وصوت المطر ـ علي سبيل المثال ـ يلعبان دورا مؤثرا في العمل الأدبي، وهو ما يمكن ان يكون متخيلا في العمل التقليدي من خلال الكلمة، ولكننا أمام الابداع الرقمي الجديد، سنراه مجسما أو مجسَدا علي شاشة الكمبيوتر أو في الواقع الافتراضي.هذه اللغة الابداعية الرقمية الجديدة تحتاج الي مبدع جديد متطور دارس لفنون السينما والتحريك من تصوير واخراج وخلافه، ودارس أيضا للفنون التشكيلية والموسيقي، حتي يستطيع مزج هذا كله لينتج لنا عملا ابداعيا جديدا في شكله ومضمونه، وهو ما يفعله حاليا مبدع عربي في الأردن الشقيقة هو محمد سناجلة، الذي يؤسس لمسيرة جديدة في الأدب العربي عبر أعماله المتتابعة من ظلال الواحد الي شات الي صقيع .وتابع شبلول شارحا رأيه لا تستطيع القراءة التقليدية وحدها اذن الوصول الي الابداع الرقمي، وسبر أغواره، ولكن المشاهدة أو الرؤية البصرية، تدخل عنصرا فاعلا أيضا، ليس هذا فحسب، ولكن التفاعل مع العمل يكسبه قيمة وحضورا مهما، ومن هنا نقول ان قصة صقيع الرقمية لا يكتمل تذوقها الا من خلال التفاعل معها والمشاركة في وضع نهايات لها. وقديما كنا نقول ان هناك نهايات مفتوحة لبعض الأعمال الأدبية، مثل موسم الهجرة الي الشمال للطيب صالح، علي سبيل المثال. وهذه النهاية المفتوحة قد يقترحها النقاد، ولكن مع الأعمال الأدبية الرقمية التفاعلية، يستطيع القراء المشاركة الفعلية في انتاج نهايات لا حصر لها، كل حسب خبرته وثقافته ورؤيته وتفاعله مع العمل، ومن هنا يحس القارئ أو المشاهد أو مستقبل العمل أنه مشارك أصيل لهذا العمل، ومن الممكن ان يدون اسمه كمشارك في صناعة العمل تأليفا أو كتابة أو ابداعا واخراجا، ولكن يظل في النهاية اسم المحرِض الأول أو المبدع الأول، أو المحرك الأول للعمل الأدبي والفني هو الأساس.ومن الممكن ان نجد نهايات أو تدخلات أو صياغات مختلفة قد تبعدنا عن العمل الأساس، وقد نجد أصقعة (جمع صقيع ان جاز هذا الجمع) متعددة ومختلفة عن صقيع سناجلة، فلكل منا صقيعه الخاص واحساسه الخاص وترمومتره الخاص أو درجة حرارته النفسية الخاصة صعودا وهبوطا، وكذلك لكل منا أحلامه وكوابيسه الخاصة .صالح: تجربة عربية فريدة من جهته قال الناقد فخري صالح عن تجربة سناجلة والكتابة الرقمية تجربة محمد سناجلة في صقيع هي من بين التجارب الفريدة في الابداع العربي التي تستفيد من العالم الرقمي في انجاز نص فريد غير مسبوق، نص يعتمد الكلمة المكتوبة، المطبوعة أو المتخلقة أمام عيني المتصفح، كما يعتمد الأصوات الطبيعية (كالريح أو تساقط المطر) والموسيقي والغناء، اضافة الي الصور المتحركة أو الثابتة في مزج مدهش بين التقنيات المختلفة التي تستخدمها الكتابة والصناعة السينمائية والتلفزيونية والفن التشكيلي. الأهم من هذا كله هو استخدام تقنية الروابط، التي يعتمدها الهايبرتيكست (أو النص المفرع بحسب ترجمة د. حسام الخطيب)، والتي تنقل القارئ الي نص خارجي يضيف الي سياق التعبير النصي أو يقدم نصا ضديا له، أو أنه ينقله الي صورة متحركة أو أغنية أو صوت الطبيعة التي تهدر في الخارج، الي آخر ما يمكن ان يخطر ببال الكاتب ــ المخرج ــ الرسام. ذلك عالم ألفنا بعضه في أفلام الصور المتحركة التي تستخدم الصورة والموسيقي والكلام علي شفاه الممثلين الذين يقومون بالدبلجة، كما تستعين بتقنية القطع السينمائية التي تنقل المشاهد من مشهد الي آخر، ومن مكان الي مكان مغاير، أو تعود بالمشاهد الي زمان سابق مستفيدة من الرواية الحداثية التي فتحت أمام السينما دروبا جديدة كذلك. هل يمكن، استنادا الي الكلام السابق، وصف تجربة سناجلة في صقيع بأنها تشبه الي حد بعيد أفلام الكرتون باستخدام تقنية الهايبرتيكست، خصوصا ان وكالات الأنباء نقلت لنا منذ أيام خبر تدشين أول تلفزيون رقمي تفاعلي؟ وما الذي يميز هذه التجربة عن ذلك النوع من الابداع الذي تشترك في انجازه جمهرة من الكتاب والرسامين والتقنيين والموسيقيين والمخرجين؟ في صقيع أيضا يشترك الكاتب مع زميله عمر الشاويش في تحريك النص وتحميله والانتقال بالمتصفح من وصلة الي أخري بسلاسة تجعل معني النص، أو معانيه، ينقشع أمام عيني المتصفح وأذنيه وأصابع يديه التي تضغط علي لوحة المفاتيح لتعرف أين يذهب بها صاحب صقيع . لكن الفارق بين هذا النوع من الابداع وأفلام الصور المتحركة ان التقنيات والوسائل المصاحبة والوسائط المستعملة تتوظف في خدمة الكلام؛ ما يهم سناجلة هو توسيع آفاق الكلام الذي يكتبه ووضعه في بؤرة المعني بحيث يجعل المتصفح يقع في براثن الكابوس الذي يطبق علي الشخصية في صقيع . هكذا يصير المتصفح أو المشاهد رهينة الكابوس فيحس بالبرد في لهيب آب (اغسطس)، ويشعر بأن الأسقف تطير والسماء تمطر بلا غيوم. ما يجعل هذا العمل يختلف اذاً عن أفلام الصور المتحركة، ويدخله في أفق الجديد من الابداع، هو الخيال المتفتح لعالم الكتابة حيث يمتزج السرد بالشعر، والصورة الفنية بتقنيات الكتابة الرقمية.يقطين: نص متكامل ومتعدد سعيد يقطين الناقد المغربي كان قد قدم لهذا العمل بدراسة مطولة يستطيع متصفح عمل سناجلة ان يجدها مرفقة معه، ومن هذه الدراسة النقدية أقتطف ما ختمها به: صقيع محمد سناجلة نص متكامل، جامع ومتعدد العلامات، يحقق متعة القراءة والتلقي بما يقدمه من علامات متناغمة ومتسقة تتضافر لتشكيل معان ودلالات يحبل بها النص ويوحي الي عوالم متعددة، وبذلك فهي تجربة عربية جديدة في مجال الابداع تستدعي التنويه والثناء، وهي بذلك رائدة في مسعاها لمسار ابداعي عربي قيد التبلور. ولا يمكن الا ان تكون لها آثارها علي النص العربي الممكن الانتاج والتلقي.لقد سبقنا الغربيون في هذا المضمار، وتطور الابداع التفاعلي كما وكيفا، وكان ذلك منذ 1985 مع تجربة مايكل جويس، وروايته: الظهيرة، التي أنتجها من خلال برنامج المسرد (storyspace). وتوالت التجارب في مختلف البلاد الغربية، وتنوعت التجارب وتعددت العطاءات. كما واكبت هذه التجربة تنظيرات وتطويرات لمسار النقد والدراسة الأدبية التي استجابت للتحول وللابدال الجديد، فاغتنت، واتسعت ممارستها لتصل النص بمختلف أنواع العلامات. وانفتحت الممارسة النقدية علي حقول معرفية وعلمية وفنية متعددة: الصورة، الموسيقي، التشكيل، الرسم، المعمار، وعلي علوم الاعلام والتواصل، والوسائط المتعددة والمتفاعلة، هذا الي جانب علوم مثل الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا، والعلوم المعرفية المختلفة. ان التجربة الجديدة تفتح آفاقا واسعة لتجديد المعرفة والانتقال بها من مستوي بسيط الي آخر أكثر تعقيدا. والطريق في هذا المسار، لمن أراد ان يسلكه صعب وطويل سلمه، وان ارتقي فيه من يعلمه، أما من لا يعلمه فالحديث معه لا يمكن الا ان يطول، هذا رهان جديد لتطوير الابداع العربي والثقافة العربية كي لا تبقي خارج الدائرة. محمد سناجلة فتح الباب باصرار وشق الطريق بعزيمة، وما يزال هناك متسع للمواصلة والتطور. هنيئا له بالمغامرة واقتحام آفاق التجريب المبدع. وهنيئا للأردن التي ساهمت في تطوير دخول العرب عصر المعلومات بمجهودات أبنائها ومبدعيها. لنقرأ صقيع ولنتفاعل معها بالحس الذي كتبها وألفها ونفذها به محمد سناجلة، لنستمتع بها بتشغيل كل حواسنا، وسنقدر ان آفاق الابداع الجميل والنافع لا حصر لها. وفي مجال الابداع الحقيقي، لا الزائف والعابر، فليتنافس المتنافسون. 0