مهرجان المسرحيد الخامس في عكا: انتفاضة درامية نسوية.. بين تفريغ الحكاية وتفنين الحالة

حجم الخط
0

مهرجان المسرحيد الخامس في عكا: انتفاضة درامية نسوية.. بين تفريغ الحكاية وتفنين الحالة

مهرجان المسرحيد الخامس في عكا: انتفاضة درامية نسوية.. بين تفريغ الحكاية وتفنين الحالةعكا ـ من رجاء بكرية: أغلق مهرجان المسرحيد الخامس أعماله في قاعات بستان الباشا في مدينة عكا. حدث ذلك وسط مظاهر احتفالية لافتة. وقد لخص المهرجان عروضه بفوز مسرحيديتين تنافستا علي الانتاج الأفضل علي مستوي الفرجة المسرحية، (الاخراج النوعي، المضموني والأداء الفني)، وعلي مستوي الأداء التمثيلي هما جوزفين للمسرحية عنات حديد ـ مسرح النقاب و حكاية حصان للمسرحي نهد بشير ـ مسرح المرايا. وقد تقاسمتا المسرحيديتين الجائزتين علي مستويي العرض الاجمالي والأداء التمثيلي.كما منحت المسرحية ميساء خميس شهادة تقدير علي قوة أدائها في النص المطور عن رواية آنا كارنينا . ولا بد أن ننوه الي أن عدد الشخصيات المشاركة في أعمال المهرجان لهذه السنة قد توزع بين مشارك منافس علي اللقب الأفضل ومشارك في اغناء الحضور الابداعي للمونولوغ الفردي حين يتجاوز جدار الصوت الواحد عبر تقنيات غير مطروقة أو مطورة.وقد شارك في اطار المنافسة علي اللقب خمسة مسرحيديات وردت علي النحو التالي:جوزفين، تمثيل عنات حديد، اخراج: صالح عزام. حكاية حصان ، تمثيل: نهد بشير، اخراج: آفي بريخر. الفاعلة التاركة ، تمثيل: سناء لهب، اخراج: نايف خير. الأمير الصغير، تمثيل: ايهاب بحوث، اخراج: حزام زريق. هذه آنا، تمثيل: ميساء خميس، اخراج: نسرين فاعور.علي هامش المهرجان شاركت المسرحيديات التالية:ركب، تمثيل: خليفة ناطور. امرأة أخري، تمثيل سامية بكري عن رواية ماركيز، خطبة لاذعة أمام رجل جالس . يمكن بكرا، تمثيل: الهام عراف. كبوتشينو في رام الله، سلوي نقارة. أكون، تمثيل: ليمور باركو. ظلال، تمثيل: روعي ريشف.وككل عام خرجت الصحافة المسموعة والمكتوبة بانطباعات متضاربة حول المسرحيدية الأفضل وحول نسبة الغبن الذي لحق بالمُنتَج الفني الاجمالي للمسرحيديات المشاركة ومخرجيها.وتوخيا للصدق والموضوعية، وحفاظا علي جمالية هذه الانتفاضة الدرامية اللافتة أحرص علي خوض غمار هذا الحدث توثيقا وتقريرا. نقدا هاويا لقطبي التماس بين التوقيعي والتخييلي. الوقعي والايقاعي. واذا كنا نتحدث تحديدا عن تعددية زخمة للأصوات التقنية، فمن الواضح أن مسرحيد 06 يخلع هذه السنة باب الاحتراف عبر احتياله علي منطق التجريب الكلاسيكي بمعني أنه يمر عنه صفحا لصالح التجريب الهاوي المستكشِف لأبعاد المونولوغ. وهو يلجأ الي تطوير علاقة ثنائية من دفيئة الصوت الواحد علي مستوي أنا الآخر النفسي الحسي شأنه علي المستوي الدرامي. هذا التبني الجريء لفكرة التحديث التجريبي في اطار التوظيف الحسي للمضامين يكشفنا علي تساؤلات حذرة بصدد الأبواب التي سيفتحها هذا الفن مستقبلا علي أدواته ومضامينه، والأهم من ذلك مساحات حضوره. هل سيحتفظ بالواقع خوفا من المتخيل أم أنه سيحرص علي دمج المستويين معا كسبا لفكرة التداخل الحر بين فنون الوعي المحسوس والمجرد.وعليه سوف نتذكر أن مسرحيد 05 حين حافظ علي التعددية المجالية مغيبا حضور الصوت الدرامي الواحد فانه حرص في مسرحيد 06 علي تأكيد حضور هذا الصوت متداخلا مع أصوات كثيرة وتأجيجها بالضمائر المتعدية واللازمة، المفتوحة والمغلقة، وسط اعتناء لافت بتأكيد الايقاع النفسي للحوار الفردي، (المونولوغ). كما نلاحظ اعتناءه بانشاء مساحة صوتية خارجية موازية للأخري الداخلية، وقد يتحول المونولوغ الفردي الي ديالوغ ذي أبعاد حسية عالية. ودائما نلاحظ حرصا علي حضور المتخيل، بل واستحضار أجزائه كالسمكات الورقية في جوزفين، العربة واللجام في حكاية حصان . الأقمشة والألوان في آنا كارنينا . الديالوغ الايقاعي الغنائي في الفاعلة التاركة متزامنا مع الدمي القطنية، والصورة المتحركة في الأمير الصغير . كما بدا واضحا أن المسرحيديات المشاركة بمجملها قد أخذت بتوصيات النقد حول ضرورة تأصيل لغة التفنين الصوتي ايقاعا وغناء وفق جاهزية العمل، يضاف اليها حرصها علي ملأ الفراغ المرئي بالصورة والجسد. فنادرا ما يزكمنا الصدي بوحدته وبرودة أجوائه. وقد أعزو هذا الاختلاف النوعي في البنية الفنية الاجراجية الي الطاقات الشابة التي أتت بمساحات نفسية جاهزة للاستقبال والتصدير والتكوين معا. هذه الطاقات كانت قد اختبرت قدراتها علي مدي الدورات الثلاث السابقة. حاورت ضعفها، وقبضت علي مرتكزات قوتها. فنهد بشير شارك في دورتين سابقتين للمهرجان، وقد تابعت تململه واستجماعه التدريجي لمساحات وعيه الفكري والدرامي الحسي. وقد اعتقدت في حينه أنه ربما لم يعثر بعد علي المخرج المناسب الذي سيفتح قنواته الدرامية. وبدا واضحا أنه بحاجة لمن يعيد اليه احساسه الواعي بثوابت عالمه القريب كي يأخذها أو تأخذه الي متحركات وجوده وفضاءاته. وقد لاحظت أن العمل الجديد حكاية حصان قد أعاده الي نفسه بالدرجة الأولي، وأحدث توافقا نفسيا بين ما يعرفه هو عن نفسه وما يعرفه الآخرون عنه، وقد يحتسب هذا انجازا ملفتا لمخرج العمل اذ أنه ضمن السياق الحكائي عمل علي توتير العلاقة بين شخصياته عبر تقمص عصبي وسريع لشخصية الحدث وهكذا نجح في تخليص الدراما من فخ الحكاية. وبنظرتي للحاصل يبدو واضحا أن الحصان هو نتيجة حتمية للصراع الفكري الدرامي أكثر مما كان منعطفا متوقعا للدهشة الروحية ووقعا محتملا لوتيرة المعايشة اليومية. فيما سرقت جوزفين ايقاع الباطن بكل تضارباته الحسية_ نفسية. وقد اشتغلت، جوزفين، عنات حديد بذكاء ضمن نص ذكي علي أبعاد العمق فظهرت الدراما صدي حسيا للحالة المشهدية أكثر مما بدت حالة مجسِدة للفكرة المسرحية. الحركة لديها بدون وزن، والكلام بخفة فقاعة هواء. ولذلك بدا الحدث مختصرا تقصفه سطور عجلة من التفاصيل ثم تغلقه حقيقة غير متوقعة، وهكذا ظل السياق الدرامي مشدودا الي تموجات القلب والمخيلة التي لا تريد أن تلون الحقائق بمزاجية محتملة. فالرجل الجميل الذي يرميه البحارة للسمك هو رجل قاس وعدائي تضربه هي بصخرة وترميه للسمك. والطفل الذي يحرك فكرة المسرحيدية بكل مستوياتها ليس الا حكاية أم حالمة بطفل لن يأتي الي العالم أبدا. هذه الحقائق وسواها تأسر المشاهد في طقس انكشافاتها التلقائية والمرنة. لا توجد هنا سمفونيات مرعبة تغزو الشخصيات كي تذيل مساحاتها الزخمة أو الفارغة. في هذه المسرحيدية ينزل مطر دون غيم فيغرق القلب ويبلل المخيلة بالرؤي والصور. وقد أعتبر ما حدث ظاهرة في الصناعة المسرحية بكل ما ترمي اليه من أبعاد. فهي لم تتخل عن التقنيات التحديثية. الايقاع الصوتي، الصورة، والكتلة. أخفضت ايقاع المونولوغ ومنحت مساحات واسعة للصمت وهو ما لا يعرفه فن المسرحيد عن صناعته. والغريب أنه كلما ارتفعت أسوار الصمت ازداد حضور اللغط والثرثرة. الكلام نزل من فم السمكة وفم المؤدية وحفيف الأوراق المعلقة ومشي تحت أبداننا وفي حلوقنا، هناك تماما انحبست الغصة وانحدرت الدمعة. فمن الواضح اذن أن مسرحيد هذا العام يشكل انتفاضة نسائية ينبض بمونولوغ نسوي مدهش التعددية في تقنيات تفريغه للهجس. وصحيح أن فكرة التفريغ ليست لصالح الدراما تماما لأنها تأسرها في اطار الضمير الواحد والصوت التعبيري المباشر، لكن انفتاح هذا التفريغ علي فكرة الدمج التقني حرر الأعمال من انحسارها نحو خصوصياتها البحتة، ويبدو أن المسرحيديات قد أفادت الواحدة من تجربة الأخري. واللافت أيضا أن المسرحيديات اللافتة تعتمد غالبا علي مرجعيات أجنبية بمعني أنها ليست نصوصا عربية في أصولها. ونحن نتوقع مستقبلا أن تشهد هذه الحالة النسوية توقيعا نوعيا لمشهدية درامية لم تؤد بعد ستحرص حتما علي تجهيز الأعمال القادمة بتعددية الأصوات مضمونيا وتفنين لمستويات الفرجة المسرحية، وربما من هنا ينشأ ممر عبور حر بين السياق الدرامي لمساحتي العرض والفرجة. وقد ينسرق مؤدي العمل لكلاسيكيات المسرح اليوناني، ونحن نريد ارتدادا نحو الأصالة سيجري لصالح الجودة الدرامية المضمونية أكثر مما سيعتني بالشكل الدرامي. ولعلني اذ أختم مداخلتي السريعة حول مفهوم التفريغ في المسرحيديات النسوية أستحضر معها مسرحيدية آنا كارنينا لميساء خميس التي عملت علي تفريغ الشخصية من مكونات عالمها عبر خطاب حاد أسر الحضور بقوة مفرداته. كأنها حاولت أن تستحضر عبر خطابها الموجه تفاصيل الحدث دون خوض في تفاصيلها هي. هواجس البطلة الذاتية وشكواها كأنثي مستلبة دون أن تصدر معايشة حقيقية لتفاصيل الصراع. ويبدو أن المؤدية، ميساء خميس كانت في أزمة ولذلك حرصت تقنيات التفريغ لديها علي الالقاء الغيبي دون خوض في التفاصيل، ورغم ذلك فان الأمر لا يلغي قوة حضورها ضمن خطابها اللاذع والشرس للرجل الذي يعتم علي وجودها. ويبدو أن عبور المساحات أثناء العرض قد سلب الممثلة انشغالها الحسي بالشخصية التي تستحضرها. لم تكن حاجة لهذا الاسراف في اختبار المساحة والمسافة.عند تقنيات التفريغ الحسي سأتوقف كي أعد باتمامها ضمن مداخلة اضافية. عنها وعن النساء اللواتي حضرن أو غبن عن مساحات العرض في مهرجان المسرحيد الخامس. 2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية