وزراء الخارجية العرب يبيعون الوهم للعالم العربي
د. يوسف نور عوضوزراء الخارجية العرب يبيعون الوهم للعالم العربيقرر وزراء الخارجية العرب كسر الحصار المفروض علي الشعب الفلسطيني بسبب استخدام الولايات المتحدة حق النقض الفيتو ضد مشروع القرار الذي يدعو الي ادانة اسرائيل بسبب اعتداءاتها الأخيرة علي بيت حانون. وقال وزير خارجية البحرين انه لن تكون هناك قيود مفروضة علي الشعب الفلسطيني، وعبر عن روح عربية جديدة في التعامل مع مثل هذه القضايا، وفي الوقت ذاته دعا الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي الولايات المتحدة الي اعادة النظر في سياستها تجاه الدول العربية، ولا شك أن الأمين العام للجامعة العربية كان يتوقع أن يقف العرب مساندين لجامعتهم ويقدروا لها هذا الموقف الشجاع، ولكن قرار مجلس وزراء الخارجية العرب أثار تساؤلات حول الجامعة العربية ذاتها وما اذا كانت تقوم بأي دور لصالح الأمة العربية، وبدلا من أن يتحدث الأمين العام ورئيس الدورة الحالية للمجلس عن رفع القيود عن الشعب الفلسطيني كان عليهما في البداية أن يحدثانا عن الأسباب التي جعلت الحكومات العربية تفرض القيود علي الشعب الفلسطيني، ومن المستفيد من هذه القيود؟ انه أمر مخجل أن تفرض الجامعة العربية قيودا علي الشعب الفلسطيني المحاصر لمجرد أن الولايات المتحدة واسرائيل تريدان ذلك، بل ومن المخجل أن يخرج الوزراء العرب ليمارسوا الكذب من جديد بقولهم انهم رفعوا الحصار عن الشعب الفلسطيني وهم يعلمون انهم غير قادرين علي ذلك ولا يملكون الآلية التي تمكنهم من فعله، بل ومن المخجل أن تفاخر دولة مثــــل مصر بالاعلان عن أنها استطاعت أن تكتشف نفقا تحت الأرض لنقــــل السلاح من الجانب المصري للجانب الفلسطيني وكان دور مصر قد أصبح الآن هو توفير الحماية للشعب الاسرائيلي علي حساب الشعب الفلسطيني، ولعل من أكثر الأمور مدعاة للخجل أن يظــــل الأمـــين العام للجامعة العربية عمرو موسي يكرر الشعارات الرافضة من وقت لآخر وكأنه يفكر بطريقة تختلف عن تلك التي تفكر بها بقية الدول العربية، مع أن الشعب العربي كله يتساءل لماذا لا يقدم عمرو موسي استقالته من منصبه بعد أن فشل في تحقيق أهداف الشعوب العربية، بل ويتساءل لماذا لا يكون هناك موقف عربي موحد بالانسحاب من الأمم المتحدة وتحدي الارادة الأمريكية بعد أن ثبت أن ما تفعله الولايات المتحدة عمل منظم ضد مصالح الشعوب العربية ولا يتناغم مع مصالحها.ونستطيع أن ندلل علي ذلك، من خلال الاجتماع الذي دعا له القس جون هاغي في الولايات المتحدة وحضره أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة ناشط انجيلي من بينهم عدد من أعضاء الكونغرس ورئيس الحزب الجمهوري وقد قرأ القس هاغي خلال اللقاء رسالة موجهة من الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء الاسرائيلي أيهود أولمرت كما وزع رسالة تطالب أعضاء الكونغرس بترك اسرائيل تدمر حزب الله، ويقول ان هذا العمل هو تحقيق لسياسة السماء الخارجية ولم يكتف بذلك بل توجه الي البيت الأبيض وقابل المسؤولين فيه لكي يحثهم علي الاستمرار في هذا الطريق علي الرغم من قول المسؤولين في الادارة الأمريكية انهم لن يتأثروا في سياستهم بالمواقف الثيولوجية، وهو قول لا يتناغم مع قول المحافظين الجدد الذين يصرون علي أن تأييد الرئيس بوش لاسرائيل هو موقف ديني وتحقيق للأوامر التوراتية، وليس هناك ما يدعونا لان نشكك في ما يقوله المحافظون لعلمنا أن الانجيليين البيض يشكلون ما مجموعه ربع الناخبين الأمريكيين. ويقولون انه بصرف النظر عما حدث للحزب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة فسيظل الحزب متحالفا مع اسرائيل ومعاديا لكل من سورية وايران. ويذهب هؤلاء الي القول بان تصريحات الرئيس الايراني احمدي نجاد تشبه تصريحات هتلر بشأن اليهود، ويواصلون تحريضهم للدول العربية لتقف في وجه ايران وكأن كل ما تقوم به ايران في مجال تطوير قدراتها النووية لا يهدد سوي الدول العربية التي يثير مصيرها قلق الولايات المتحدة واسرائيل اللتين هما العدوان الحقيقيان لهذه الامة.وليس ذلك هو موقف الانجيليين والمحافظين وحدهم بل هو أيضا موقف الساسة الرسميين في العالم الغربي الذين لم يعودوا يحترمون الدول العربية أو يقيمون لها اعتبارا، وهم حتي لا يحترموا شعوبهم لأنه كان الأحري بحكومة الولايات المتحدة بعد هزيمة الجمهوريين أن تتوقف لتتساءل عن أسباب الهزيمة ولكن الحكومة صرفت النظر عن ذلك وبدأت تفكر في الطريقة التي تحتوي بها هذه الهزيمة والاستمرار بالأسلوب القديم نفسه وتبادل الأدوار مع حلفائها كما وضح من موقفي رئيس الوزراء الاسترالي ورئيس الوزراء البريطاني، فقد طلب توني بلير من الحكومتين السورية والايرانية أن تعملا علي تحقيق الاستقرار في العراق، وكأنه يوجه لهما اتهاما بأنهما يسهمان في ما يحدث في ذلك البلد، ولكن ما الثمن الذي يدفعه من أجل أن يقوما بهذا العمل؟ الثمن هو اعتبارهما شريكين في حل المشكلات واذا لم يقبلا هذا العرض فعليهما أن ينتظرا عزلة دولية، وهذا الكلام ما كان ينبغي أن يأتي من توني بلير وكان المفروض أن يأتي من الرئيس الامريكي جورج بوش ولكن الرئيس الامريكي هو الآن بطة عرجاء ولا يستطيع أن يملي مثل هذه الشروط ولكن لا يبدو أن القادة الغربيين مستعدون لتعلم الدروس فهم يستمرون في تكرار الأخطاء ذاتها وبدلا من أن يتعلم توني بلير الدرس الذي واجهه بوش فهو يحاول أن يستخلص من السوريين والايرانيين مزيدا من المكاسب دون مقابل في وقت تشهد فيه السياسة الغربية تراجعا في الشرق الأوسط. ويقول بعض كبار السياسيين في الولايات المتحدة ان المصير الذي تواجهه الادارة الأمريكية في العراق هو نفس المصير الذي واجهته بريطانيا من قبل بعد أزمة السويس، ولكن سورية وايران تدركان أن التحالف الغربي ليس بقوته السابقة واذا أراد هذا التحالف منهما شيئا فعليه في البداية أن يعترف بان من حق ايران أن تكون قوة نووية ومن حق سورية ان تستعيد الجولان وبعض مناطقها المحتلة والا فما معني أن تقدم التنازلات التي لا يستفيد منها أحد سوي اسرائيل؟واما في الولايات المتحدة فان الرئيس جورج بوش يحاول أن ينقذ ما يمكن انقاذه، وقد استقبل رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت الذي يريد أن يطمئن علي أن موقف الولايات المتحدة لن يتبدل تجاه اسرائيل بعد انتخابات الكونغرس الأخيرة لعلمه أن الخيار الوحيد المفتوح أمام الرئيس بوش هو أن يتقدم في الملف الفلسطيني وقد طمأن الرئيس بوش رئيس الوزراء الاسرائيلي ووجه تهديده مرة أخري لايران متوعدا اياها بالعزلة اذا لم تستجب لما يسميه المطالب الدولية بوقف برنامجها النووي دون أن يقول الرئيس الأمريكي لماذا يدعم هو والمجتمع الدولي البرنامج النووي الاسرائيلي ولا يدعمان البرنامج الايراني ولماذا يريد من بعض الدول ان تقبل بضعفها وتقف في طريق تقدمها واكتسابها القوة.ولا شك أن ما قاله الرئيس بوش بشأن البرنامج النووي الايراني كان يمكن أن يقبل من منطلقات انسانية عامة لولا الانحياز الواضح للادارة الامريكية لاسرائيل وهو انحياز تريد أن تكسبه اسرائيل واليمين المتطرف في داخل الولايات المتحدة صبغة دينية وتجعله واجبا من واجبات الادارة الأمريكية، وللاسف فان الحكومات العربية وجامعاتها تقف موقف المحايد في هذا الأمر بل ووصل بها الأمر ان تنفذ السياسات الأمريكية والاسرائيلية ضد المصالح العربية. ولا نقول ان تلك حالة من حالات المهانة بل هي حالة من حالات الفساد والتدهور الأخلاقي في داخل النظام السياسي العربي لأن المفروض أن تدرك الحكومات العربية أن حل المشكلة الفلسطينية هو هدف استراتيجي للعالم العربي وان هذا الحل الذي لا يجد مجاله في المحاولات السلمية بسبب تطرف اسرائيل ورفضها الجلوس الي طاولة السلام يجب أن يبحث فيه عن خيار آخر وهو تهديد أمن اسرائيل ولا يكون التهديد بالجيوش الجرارة بل بدعم المقاومة حتي تدرك اسرائيل أن الطريق الوحيد لكي تعيش في هذه المنطقة في استقرار هو بالاستجابة الكاملة للحقوق الفلسطينية لان القادة الاسرائيليين لا يبدو انهم يستفيدون من دروس التاريخ وبدلا من أن يستفيدوا من المناخات التي اصبحت مهيأة لحل القضية الفلسطينية برمتها فهم ما زالوا يستغلون الفرص من أجل الاستمرار في سياسات عقيمة تعتقد أن حل القضية الفلسطينية لا يمكن أن يكون الا في وطن بديل وذلك وهم قد أوضح الأردن في الأيام الماضية سخافته وعدم واقعيته، ولكن الأمر لا يقتصر من وجهة نظرنا علي التعنت الاسرائيلي بل علي حالة الضعف التي استمرأها الحكام العرب الذين لم يعودوا يحسون بمسؤولياتهم ولا يتخذون من السياسات الا ما يدعم سلطتهم في الحكم سواء كان ذلك عن طريق القمع أو من خلال السياسات المخادعة التي توصل رسالات غير صحيحة للشعوب كما فعل الرئيس القذافي اخيرا عندما اخبر المستغلين والفاسدين بانهم قد يواجهون ثورة اجتماعية تحرق ممتلكاتهم، وبالطبع ليس الهدف الاصلاح بقدر ما هو توجيه رسالة للشعب بأن هناك قيادة ترعي مصالحه.وفي رأيي فان الشعوب العربية تعيش في مفترق طرق بعد أن تأكد أن الطريق القديم قد وصل الي نهايته ولم يعد هناك سبيل غير المواجهة ولكن المواجهة يجب أن تكون أولا بين نظم بالية وشعوب مقهورة. 9