أدونيس الزائر المقيم ضيف علي مكتبة الاسكندرية ومركز المخطوطات يمتنع عن دعوة الشعراء المصريين للقائه!
أدونيس الزائر المقيم ضيف علي مكتبة الاسكندرية ومركز المخطوطات يمتنع عن دعوة الشعراء المصريين للقائه!القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: أدونيس في القاهرة، أمر ليس غريبا، لكنه مع ذلك يظل محتفظا بقيمته كحدث مهم يستعصي علي التجاهل.لكن مكتبة الاسكندرية، الجهة التي استضافته، أرادت للحدث أن يكون كذلك، وبالرغم منها، ملأت أخبار الزائر المقيم الدنيا، وتناثرت أصداء محاضراته في الفن والفكر، ومراجعاته لآرائه في معظم الصحف المصرية، ففشل مخطط الدكتور يوسف زيدان مدير مركز المخطوطات بمكتبه في عزل أدونيس عن محبيه ومتابعي محاضراته، ورغم دأب ونشاط الدكتور زيدان واحيائه لتقليد من أهم تقاليد مكتبة الاسكندرية القديمة، الا أنني ـ مخلصا ـ أدعوه لشيء من التنزه عن الخضوع للاعلام وأبواقه، فالنشاط الموضوعي الذي يتغيا قيمة حقيقية يصل الي المستهدفين به دون حاجة لنسج كل هذه العلاقات الصحافية، غير الممجوجة في ذاتها لكنها تصبح كذلك عندما تكون ـ عادة ـ علي نفقة المشاركة الواجبة لرموز الثقافة المصرية، ومنحهم الفرصة للالتقاء بالمفكرين والعلماء الذين تستضيفهم المكتبة، وهو لا شك جزء مهم من انجاح المشروع، أو هكذا يجب أن يكون الأمر.فقد بدا الأمر كما لو أن وجود أدونيس في مكتبة الاسكندرية جاء مشروطا بأن يكون بمعزل عن أصدقائه ومحبيه وعشاق شعره وفكره، فلا يعني استضافته ضمن برنامج الزائر المقيم فهناك دور آخر للمكتبة، عندما تزعم ـ مع كل زائر مقيم ـ أنها تستعيد بذلك دورا تاريخيا تقليديا كانت تقدمه منذ آلاف السنين، ابان عصورها الأولي، المؤكد أن حلقات الدرس والمحاضرات التي يقدمها البرنامج علي درجة فريدة من التخصص والنوعية، بحيث يصعب كثيرا علي جمهور عام أن يفيد منها الفائدة القصوي دون قيام حوار ينهض به مثقفون عارفون، هم في الحقيقة الذين يتم اقصاؤهم من البرنامج.وقد استقصيت لدي العديد من شعراء مصر لا سيما الكبار منهم، عما اذا كانت قد تمت دعوتهم الي مكتبة الاسكندرية لحضور البرنامج بمحاوره الأربعة اللافتة، فكانت اجاباتهم جميعا بالنفي، ولا أظن أن أدونيس نفسه سعيد بهذا الاقصاء، وبالتأكيد يأخذ أصدقاؤه الموقف ذاته، وقد أبدي غالبيتهم استياء شديدا من الطريقة التي يدار بها البرنامج المكرس له طيلة عشرة أيام يقضيها بين قاعات المكتبة.وعلي كل حال فان أدونيس لم يكن فقط علي موعد مع برنامج مكتبة الاسكندرية، فقد تزامن وصوله مع صدور الطبعة الرابعة من كتابه المهم ديوان الشعر العربي بطبعة شعبية قدمتها سلسلة آفاق عربية التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، والكتاب يمثل المختارات الشعرية للشعر العربي التي قدم أدونيس جزأها الأول عام 1964 وصدر عن دار المكتبة العصرية في بيروت وتوالت أجزاء المختارات حتي اكتملت عام 1968، ثم صدرت الطبعة الثانية من المختارات نفسها عن دار الفكر في بيروت عام 1986 ثم الطبعة الثالثة عن دار المدي عام 1996 وأخيرا جاءت الطبعة الرابعة عن هيئة قصور الثقافة بعد مضي عشر سنوات من صدور الطبعة الثالثة، وهي طبعة أظن أن كثيرين من المهتمين بالشأن الشعري العربي كانوا ينتظرونها.لقد كنت ـ بالفعل ـ واحدا من هؤلاء الذين سمعوا كثيرا عن تلك المختارات وتمنوا الحصول علي نسخة منها، فهي ليست من الكتب التي يمكن استعارتها، ففضلا عن صعوبة ذلك علي المُعير لأسباب تتعلق بتاريخ من غزوات السطو علي مكتبات الأصدقاء، فانها من الكتب التي يحتاج قارئها الي الكثير من الوقت لهضمها وتمثلها والوقوف علي الفلسفة التي تقف وراء الرؤية الجمالية والمرجعية الأيديولوجية التي حكمت تلك الاختيارات، وقد استطاعت هيئة قصور الثقافة أن توفر لكثيرين من قراء أدونيس والشعر العربي اقتناء نسخة من المختارات باجزائها الثلاثة، وأظن أن الجيل الجديد من الكتاب والشعراء هم الأكثر افادة من تلك الطبعة، فالغالبية الغالبة لم تطالعها من قبل.ولا أعرف ما الذي سيكون عليه الحال لو كان لي نصيب من مطالعة تلك النسخة قبل عشرين عاما من الآن، وقبل أن تتلاشي من الأذهان كثير من المقولات القسرية حول الحداثة وما بعدها، ولا أعرف هل كنت سأشعر بذلك الظلم الذي شعرت به وأنا أطالع المختارات بعد صدورها بما يداني النصف قرن من اصدارها الأول.كان من المفترض أن تبدد المقدمة المعمقة التي كتبها أدونيس تلك المشاعر الملتبسة كلية، فقد التمس لدي قارئه الأعذار التي دفعته الي هذا الطريق الذي تأسست عليه تلك الاختيارات، وهي أعذار ـ أو قل أسباب ـ لا تنفصل عن الظرف التاريخي للصدور الأول، ففي عام 1964 كانت حركة شعر البيروتية أحد أهم أذرع حداثتنا الشعرية، قد انفضت اثر خلافات حادة بين أعضائها، وكان فرار أدونيس ومحمد الماغوط يؤذن بقبضهما علي طريقيهما اللذين عبداه بفرادة جلية فيما بعد.وكان أدونيس ـ بما حمله تراث مدرسة شعر من أحاجٍ ـ قد هوجم بشكل مقنع، علي المستوي العقائدي والفكري والسياسي، وكانت التهمة الأكثر رواجا آنئذ تدمير اللغة العربية وكراهية العروبة والاسلام، والمروق الديني والأخلاقي، فباتت فكرة المختارات اعادة اعتبار لقيمة الحوار المهدرة، وتأكيد علي أن حركة الشعر الحديث، انما نبتت في نفس التربة التي أنتجت الشعر العربي الأول الذي تناسل أبناؤه بعضهم من بعض. عين أدونيس قد تحصنت تجاه الشعر العربي من الخوف، وباتت المباضع أكثر جرأة، وكانت الأبوة الشرعية ليست لشاعر ولكنها لشعراء، وليست لنص ولكنها لنصوص، لذلك فقد استبعد أدونيس ـ بقسوة ـ الأغراض التقليدية التي طرحتها القصيدة العربية، وتوقف فحسب أمام ما هو انساني في النص الشعري وهو ما يعبر عنه بالقول: الديوان دليل تراثي علي أن الشعر الباقي ليس الشعر الذي يعلم أو يكون صدي للظروف والأوضاع الخارجية ويوضح ذلك تفصيلا عندما يتحدث عن ضياع الشعر وسط ركامات من اللجاجة حول الوظيفة الشعرية، والتصاقها لقرون طويلة بما هو غير شعري حتي باتت النصوص تستمد قيمتها من الغرض الشعري ذاته وليس العكس، وهنا يقول أدونيس: ان هناك تقليدا طويل العهد أفسد الذائقة الأدبية عند العربي، وشوه بالتالي نظره الي الشعر، انه تقليد السياسة والدولة وصراع الحكم وما يرافقه ، ويستطرد بعد ذلك قائلا: ان ديوان الشعر العربي محاولة للاستعانة بالتراث ذاته، وبصورة مباشرة، لاشاعة الجمال والشعر كما كان يفهمهما الشاعر العربي، بعيدا عن الخليفة والقبيلة ، اذن تتحدد عبر هذه الملامح معايير الرؤية الأدونيسية للتراث الشعري، من خلال النظر اليه باعتباره أولا لا يحمل قداسة تمنع من اعادة النظر فيه وانتقاده ونفي ما خرج منه علي أطروحات التحديث الضرورية لقيام دولة العقل، وهو هنا يعبر بدقة عن أن آفة الشعر العربي طيلة تاريخه كانت في بحثه عن الشرعية خارجه وليس داخله، لذلك قول: هذا الديوان يضم شعرا لا يخدم مذهبا ولا عقيدة ولا دولة ولا شخصا، ومع ذلك وبفضله هو، وحده، مجدنا الشعري.ومن نافلة القول أن نشير الي تعامل أدونيس مع قصائد المدح والهجاء في الشعر العربي باعتبارها محمولات اجتماعية وليست محمولات شعرية، فهي تؤشر علي ملامح عصرها علي المستوي السياسي والاجتماعي لكنها لا تعبر عنه بالمعني الجمالي.وعبر هذه الرؤية تشكلت تجربة أدونيس الشعرية ونظره للعالم وكذلك حذت التجربة الريادية في مجملها، لذلك كانت القسوة التي جاءت عليها ستضع أدونيس مع التراث الشعري العربي وجملة الاقصاءات التي أقدم عليها مبررة في حينها ولسنوات طويلة خلت.ويعترف أدونيس في مقدمته للطبعة الجديدة بجزء من دوافعه في الاختيار حيث يقول: أنجزت اختيار هذا الديوان في مناخ ثقافي، صراعي، وخلافي، وحاد، ولدته تجربة الحداثة في الشعر العربي ثم يفسر جانبا من الأسباب التي دعت الي نشأة هذا المناخ، وكيف اجتمعت قوي لا يمكن لها الاجتماع بين أقصي اليمين وأقصي الشمال، علي قتل التجربة الوليدة، بدوافع سياسية في المقام الأول، بينما كان ينطلق أدونيس ـ حسبما يذكر ـ من أنه كان ينطلق من نقطة ارتكاز رئيسية تخلص الي أن الحداثة الشعرية العربية ليست قطيعة مع الشعرية العربية أو التراث وانما هي، علي العكس، تنويع يصل في بعض ظواهره أحيانا الي أن يكون شكلا من أشكال الاستئناف ، لكن أدونيس الذي نجرؤ علي اعادة طرح السؤال عليه: تري لو أعدت هذه المختارات مرة ثانية هل ستكون بنفس قناعاتك في الاقصاء؟! وبالطبع لا ننتظر جوابا أمام هذه القطيعة التي يذيل أدونيس بها مقدمته للطبعة الرابعة حين يقول عن الكتاب: كأنه المرجع الفني الجمال الأول للشعر العربي، لا نقرأ فيه السلطة، بل الانسان، ولا نري فيه المؤسسة بل الفرد، ولا السياسة، بل الحرية، ولا القبلية بل التمرد، ولا بلاغة المتبع بل تجربة المبدع .هكذا ينهي أدونيس مقدمته، ومع ذلك فلا شيء يمنعني من التعبير عن حزني لاستبعاد الكثير من شعر المدح والهجاء والرثاء والفخر، فقد كانت ـ بلا شك ـ هي الأغراض التي مثلت الرئات المتعددة للشعر العربي، وقد كتب الشعراء تحت هذه الأغراض أعظم شعرهم، وكأنها فقط كانت لافتة لا تعبر بحال عن الخضوع المطلق للغرض والوظيفة سواء كانت سياسية أو اجتماعية.سنري هذا الاقصاء جائرا علي كثيرين علي رأسهم المتنبي وأبي العلاء وآخرين، في الوقت نفسه أورد أدونيس صفحات مطولة لشعراء لا تستحقها أشعارهم المنشورة، وكان يجب اختزالها في حدود الجيد منها، مثلما فعل مع الشعراء العذريين، وأظن أن احتفاء أدونيس بهؤلاء وأمثالهم ذو علاقة وثيقة بكونهم شعراء بدأوا وأسسوا للتمرد في الشعر العربي، وكذلك مستويات أخري جديرة بالنظر، وعلي رأسها تحويلهم المرأة الي أقنوم يرقي الي مرتبة القداسة في مجتمع كان يئد المرأة، وفي أحسن الأحوال يُعاملها كأمة.أدونيس، مرة أخري، في القاهرة، مثير للجدل والنقاش والمحبة والاختلاف أيضا، لذلك سيظل وجوده حدثا جدير بالانتباه أينما حل أو رحل.0