عرض الجدار الفلسطيني في مهرجان دمشق الدولي: حين تغدو باحة السجن مساحة حرة للّعب!

حجم الخط
0

دمشق “القدس العربي” ـ من يارا بدر: عندما تناول الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي الفرنسي (جان بول سارتر) مقولة من يخسر في الحرب ينتصر في التاريخ في مسرحية أسري ألتونا، كان يتحدث عن التجربة الألمانية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، ولكن علي ضوء وقائع يومه في سبعينيات القرن الماضي. اليوم، وعلي الصعيد المسرحي يستعيد فلسطينيو الداخل هذه المقولة، من خلال عرضهم الجدار الذي عُرض يوم الاثنين 6/11/2006 علي خشبة مسرح الحمراء في دمشق، ضمن فعاليات مهرجان دمشق المسرحي في دورته الثالثة عشرة.

أنتج هذا العرض بدعم من مهرجان (طوكيو) الدولي، علي إثر عرض فرقة القصبة لعملها حكايات تحت الاحتلال، والفرقة تابعة لمؤسسة (مسرح وسينماتك القصبة)، وهي مؤسسة ثقافية فلسطينية غير حكومية، متخصصة، تأسست عام 1970 في القدس، ولكنها اليوم في رام الله. تميز عرض الجدار بمستويين، الأول هو البساطة في الطرح والتنفيذ، والثاني في الإخراج. فكرة العرض عن جدار الفصل العنصري، الذي التهم جزءاً كبيراً من الأراضي الفلسطينية بحجة الأمن الإسرائيلي، موضوع ما زال ساخناً علي الساحة السياسية. قُدم العمل بتوقيع المخرج (جورج إبراهيم)، وفيه يرسم (نوبورو تسوباكي) ديكور الخشبة، وهو ديكور يعيد تشكيل الفضاء اللُعبي انسجاماً مع الفضاء الدرامي، مجموعة من الكتل الضخمة طولياً، وهي سبعة، تشكل من جهة جدار العزل، وتُحيل إلي جدار السجن، ومن جهة أخري ترسم كل قطعة مستقلة فضاء زنزانة لسجينها، سبع قطع لسبعة مساجين، ولست حكايا وعازف علي العود. كما ركب مصمم الديكور قطعهُ لتتناسب مع فضاء الحكاية الكبري، فلسطين حين تغدو سجناً مقسماً إلي زنازين، ركب المخرج حكايات أبطاله فمن قرابة المأتي حكاية عمل الممثلون علي تجربتها، انتقي (جورج إبراهيم) حوالي اثني عشر مشهداً، وبالتالي فالتأليف جماعي لأعضاء الفرقة مع مخرجهم الذي حكي معهم حكايته، بالإضافة إلي إعداده الخاص لمجموعة هذه الحكايات بحيث شكلت نسقاً هارمونياً متناغماً. هذا الأسلوب في التأليف الجماعي لأعضاء الفرقة ليس جديداً علي عمل فرقة (القصبة)، وقد شاهدناه في المهرجان المنصرم من خلال عملهم حكايات تحت الاحتلال، وهو أسلوب عمل بدأ ينتشر في السنوات القليلة الماضية في العالم العربي، بعد أن عاش تجربته حتي القمة في العالم المسرحي الغربي. وهو أسلوب عمل يُحيلنا إلي إشكالية المسرح ما بين سلطة المخرج وسلطة المؤلف. ففي عرض الجدار نشاهد الخشبة شبه عارية إلا من قطع الديكور السبعة الكبيرة وبعض الإكسسوارات البسيطة، حجم هذه القطع وحركتها المتغيرة من حكاية إلي حكاية يتطلب فهماً وعملاً قادرا علي تحقيق ميزانسين حركة للممثل منسجم مع مساحات الخشبة، وحكايات الأبطال التي عاشها الممثلون وانتقوها هم وصاغوها وفق رؤيتهم لها، رؤية كل واحد منهم لحكايته، وهكذا نتساءل بين هذا وذاك أين أمست سلطة المخرج، التي كانت حتي الأمس غير البعيد مطلقة؟!

في هذا العرض وتحت كلمتي (إعداد وإخراج) مارس (جورج إبراهيم) سلطته وفي مساحة مضاعفة، لقد استبدل الرؤية الإخراجية الأحادية عادة لنص يملك رؤيته الخاصة له، بنصوص عدة مختلفة تتجمع مع بعضها لتشكل رؤيته الخاصة وقراءته هو لهذه الحكايا، ولكنها ليست رؤية أحادية مطلقة وإنما رؤيا خاضعة للنقاش والتبدل حتي الوصول إلي الشكل النهائي الذي لا يتعارض بالضرورة مع رؤي أصحاب الحكايا، فمن خلال بناء الحكايا التسلسلي الذي اعتمد في الدرجة الأولي علي مفهوم اللعب المسرحي قرأنا الأدوات الإخراجية.

يري المخرج ـ كما تحدث في الندوة الفكرية التي عقدت في فندق الشام صباح اليوم التالي وغصت بكلمات الإنشاء التقليدية من قبل غالبية المداخلين ـ أن الفلسطيني يعيش كل يوم الكثير من الألم، إن عُبر عنه بطريقة مؤلمة فسيتجاوز هذا طاقاته البشرية، علينا أن نحاول الضحك من خلال الألم لنتجاوزه، وهذه الكوميديا السوداء الساخرة كانت من سمات اللعب في العرض. الحكاية مبنية بطريقة تراتبية، قسمت العرض إلي ما يشبه الأجزاء، نبدأ بمقطع من حكاية الفتي علي سور القدس، حكاية بائع الجرائد مع فرسه ـ صباح ـ وحلمه بالسفر، حكاية معلمة المدرسة، أو العجوز وذكرياته مع صندوق العجائبـ الذي يفتح علي مساحة جديدة للعب ـ أو حكاية بائعة الملابس، حيث يفتح كل جزء علي جزء جديد من حكاية مختلفة، ويتناوب الرواة ويتبدلون مع اختلاف الحكايا. هذه الحكايا التي تُحيلنا جميعها إلي مأساة الناس العاديين مع الجدار. ذاك العجوز الذي غدت مكة أقرب إليه للقاء زوجته في شقتها التي غدت وراء الجدار، يتساوي في ألمه مع حكاية (ليلي الحمراء) أو (ليلي والذئب) التي أعيدت صياغتها ليغدو الصياد قناصاً. هذه الحكاية هي لعبة تلعبها المدرّسة مع تلامذتها، لكننا نكتشف أنها لم تكن مدرّسة بل كان حلماً لفتاة عملت لتدرس أخوتها. أما العجوز الذي أحب (صندوق العجائب وحكاياه) فقد حكي عن ألم الموت حين لا يستطيع المرء أن ينفذ وصية المتوفي، والذي طلب أن يدفن في مقبرة عائلته الواقعة خلف الجدار، فمن أين للعجوز الحصول علي كافة التصاريح اللازمة لينتهي به المطاف صارخاً بصديقه المتوفي (الله ياخدك). كان خيار المخرج للغة العامية حاملاً لمشاعر الألم العميقة الكامنة خلف وجع الحكايا وتناقضات مواقفها البسيطة، اللغة التي نجحت في عكس هذا الوجع بضحكة ساخرة مريرة، وهو خيار إخراجي موفق، فعندما تتحول ألعاب الأطفال وأغانيهم إلي جمل تحكي عن الموت والغياب والفقد بهذه البساطة ودون خوف، حين تتحول الحياة إلي مواقف يومية بسيطة صارخة بالألم، لا يمكننا أن نعبر عن مشاعرنا العميقة بقوة اللغة الفصحي القاسية الوقع، إنما يمكننا ذلك بلغتنا الحياتية وباللهجة الفلسطينية التي نصرخ بها ونفرح بها. البساطة التي تحلت بها اللغة، كانت سمة للعرض برمته، انتقلت بخفة ورشاقة من تلاوين النص إلي تفاصيل العرض، ومن اللهجة إلي الزيّ، ومن المستوي الفكري إلي المستوي الشكلاني، من خلال هذه التفاصيل حمل العرض هويته الفلسطينية البسيطة بوجعها وفرحها، فعلي الرغم من كبر حجم قطع الديكور إلا أن اللون الرمادي الموحّد لها، صبغ عليها سمة البساطة، والملابس التقليدية للزيّ الشعبي الفلسطيني أتت ناعمة متناسقة، بلا بهرجة أو مبالغة.

أضفت الأدوات الموسيقية (الدف والطبل والعود) بحضورها الحيّ علي الخشبة طابعاً أكثر واقعية ومرارة، وساهمت بدورها في رسم ملامح هذا العالم البعيد بسكانه الذين غدت طموحاتهم صغيرة وصغيرة جداً، لا تتجاوز عبور الجدار. كما تناغمت ألوان الإضاءة مع تفاصيل هذا الفضاء. مع الوقت وانتهاء الحكايا، التي تنوعت بين اللعب والغناء الذي عكس احتفالاً شعبياً للفرح والحزن، أو بين التخيل والواقع، والتي رسمت جميعاً ملامحها الكلمات، كان الجدار يقترب من حافة الخشبة حتي ليتطابق ـ إن استطاع ـ مع جدار الخشبة الرابع الوهمي، الذي يفصلها عن جمهور الصالة، حين وصل الجدار بعد العديد من التحولات التي أعادت تشكيل الفضاء اللُعبي ليتناغم مع الفضاء الدرامي لكل حكاية من هذه الحكايات الواقعية المأخوذة من قصص الجيران والأهل، أو حتي من أخبار قصاصات الجرائد، أو من الذاكرة الشعبية. حين يصل الجدار إلي هذا القرب الذي يعكس بدوره ضخامة كتل الجدار أمام تضاؤل حجوم الشخوص، هذا اللعب المتقن علي مفهوم التناسب البصري، كان قاسياً بقسوة السجن الذي اكتشفنا في النهاية أننا كنا أمامه. أمام السجن مع حكايا وأحلام المساجين في زنازينهم التي تضيق بالنور والهواء. زنازينهم التي تدفن فيها الحيوانات الصغيرة ـ إن وجدت ـ كالقطة ميسون ـ تحت الأرض وهي علي قيد الحياة لتموت خنقاً. وهم سُكان الأرض يموتون خنقاً في زنازينهم يوماً بعد يوم. ينتهي العرض بجمل متداخلة للممثلين، تحمل تيمة كل حكاية من حكاياتهم.

كان الممثل قوام العرض الرئيسي بالدرجة الأولي، فعرض لُعبي كهذا تطلب ممثــلاً هو مغني وراقص ومؤد وعازف، قــادر علي لعب أدوار مختلفة يملأ فيها فضاء الخشــبة والحكاية. ممثل يعكس الألم المخنـــــــوق بوجع الحصار، يصرخ باسم الشارع الفلسطيني، ممثل قدم حكايته القاسية دون ذكر أو إشارة لإسرائيل أو جنود الاحتلال الصهيوني، بل اكتفي بعرض كان اللعب فيه هو الرمز الحامل لكل الأسماء المؤلمة. بطاقة العرض:

ـ العرض: الجدارـ تأليف: أعضاء الفرقة.

ـ إعداد وإخراج: جورج إبراهيم.

ـ تمثيل (حسب الترتيب الأبجدي): أحمد أبو سلوم ـ إسماعيل الدباغ ـ جميل السايح ـ حُسام أبو عيشة ـ دورين مُنير ـ عماد فراجين ـ منال عوض.

ـ موسيقي: جميل السايح.

ـ إضاءة: مُعاذ الجعبة.

ـ تصميم ديكور: نوبورو تسوباكي.

ـ تصميم حركة: نيكولاس رو.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية