العراق ودلالات الانتخابات الامريكية البرلمانية النصفية

حجم الخط
0

العراق ودلالات الانتخابات الامريكية البرلمانية النصفية

د. بشير موسي نافعالعراق ودلالات الانتخابات الامريكية البرلمانية النصفيةجاءت الانتخابات الامريكية البرلمانية التي جرت في الاسبوع الماضي بما لم يكن يتوقعه كثيرون، ولا حتي قيادات الحزب الديمقراطي المعارض في الولايات المتحدة. لم يستطع الديمقراطيون هزيمة الجمهوريين في مجلس النواب وحسب (بعد أكثر من عقد من السيطرة الجمهورية علي المجلس)، بل استطاعوا أيضاً كسب أكثرية ضئيلة في مجلس الشيوخ، الذي جددت الانتخابات لثلث أعضائه فقط. أثارت هذه الهزيمة البرلمانية الكبيرة لإدارة الرئيس بوش وحزبه ردود فعل متفائلة وشامتة في كل أنحاء العالم، وهو ما أظهر حجم الامتعاض العالمي، في الدول الغربية وغير الغربية، من السياسات التي اتبعتها إدارة بوش خلال السنوات الخمس الماضية. ما رفع وتيرة التفاؤل والأمل ببروز سياسة أمريكية خارجية جديدة، والشماتة في إدارة بوش وحزبه، كانت استقالة (أو إقالة) وزير الدفاع رونالد رامسفيلد، الذي أصبح رمز غرور وعنجهية السياسة الامريكية واستخفافها بشعوب العالم الأخري ودوله، بما في ذلك الحليفة التقليدية لواشنطن. ولكن الملاحظ ان هذا التغيير الكبير في بنية المؤسسة الامريكية الحاكمة قد صاحبته تقديرات متسرعة وتفسيرات خاطئة، داخل المنطقة العربية وخارجها.أحد الأصدقاء الذي يعرف شكوكي الوراثية بالعملية الديمقراطية في الدول الغربية ذكرني بضرورة الاعتراف بعظمة النظام الديمقراطي الذي سمح للناخب الامريكي توجيه هذه الضربة الموجعة لسياسة أرهقت العالم بأسره، وصنعت دماراً وعدم استقرار في العراق وأفغانستان وفلسطين. وهذه ملاحظة جديرة بالانتباه بلا شك؛ فبخلاف القواعد التقليدية للانتخابات الامريكية البرلمانية والرئاسية علي السواء، كان العراق واتجاه السياسة الخارجية من أهم المؤثرات في الانتخابات الأخيرة. وإن كان هناك من أمل للعالم اليوم في اندحار سياسة عسكرة العلاقات الدولية، واتباع نهج الضربات الاستباقية، وغزو دول العالم الأخري بدون مبرر أو بمبررات هشة، فإن هذا الأمل معلق بما أوقعه الناخب الامريكي من هزيمة بإدارة الرئيس بوش والحزب الجمهوري. ولكن من الضروري ربما تأمل حقائق الواقع الذي أدي إلي فشل مشروع احتلال العراق، وأدي بالتالي إلي التغيير الكبير في بنية الحكم الامريكي. ففي افتراق عن الرأي العام الأوروبي والعربي، بل والعالمي، ساندت أكثرية أمريكية واضحة غزو العراق واحتلاله، ربما بفعل الحملة الدعائية الهائلة التي تعهدتها إدارة بوش لربط النظام العراقي بالإرهاب وتطوير أسلحة دمار شامل. وعندما نجحت الحملة العسكرية الامريكية في إسقاط النظام العراقي واحتلال العراق بقدر قليل من الخسائر، ارتفعت شعبية الرئيس إلي مستويات غير مسبوقة وتحولت مؤتمرات رامسفيلد الصحافية إلي ما يشبه البرامج الأكثر شعبية علي شاشات المحطات الإخبارية الامريكية. وحتي حفنة الصحافيين والمراسلين العرب المقيمين في واشنطن ونيويورك ابتلعتها أمواج الرأي العام الامريكي وشاركت هي الأخري في الإشادة بمشروع التحرير والدمقرطة الذي تقوده الإدارة الامريكية في العراق والمنطقة العربية.بيد ان الأمور لم تسر في العراق علي هوي قادة المشروع وعرابيه. خلال أسابيع قليلة من بداية الاحتلال، انطلقت مقاومة عراقية، وصفها البعض بأنها مجرد حشرجات أخيرة لنظام لا يريد الاعتراف بانهياره وهزيمته، بينما وصفها البعض الآخر بردود فعل سنية علي خسارة الحكم والامتيازات. المدهش كان في فقدان الذاكرة الجماعية لقطاع واسع من المعلقين والمتخصصين ورجال الحكم في العواصم الغربية، الذين لم يتعلموا دروس التاريخ الحديث للمنطقة العربية والإسلامية: ان هذه المنطقة رفضت دائماً السيطرة الأجنبية وأنها تعاملت معها دائماً بالمقاومة. والأكثر دهشة كان اطمئنان القوي والعناصر العراقية المتحالفة مع الاحتلال إلي ان الأمر قد استتب لها، وفشلها في فهم عقلية العراقيين أنفسهم، الذين ادعت هذه القوي والعناصر بأنها تمثلهم. خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، تعرضت المقاومة العراقية والمناطق الحاضنة لها لحملة تلو الأخري من الحملات العسكرية، لدمار واسع النطاق، لقتل بلا تمييز، لاعتقالات جماعية طالت عشرات الألوف، ولحملات تشويه سياسية وطائفية هائلة، كرست لها مئات الملايين من الدولارات وعشرات المحطات التلفازية ووسائل الإعلام الأخري. ولكن ذلك كله لم يزد المقاومين العراقيين والقوي الرافضة للاحتلال ومشروعه، والقطاعات الشعبية الحاضنة لهؤلاء جميعاً، إلا صلابة وانتشاراً. ولم تؤد التركيبة السياسية التي وضعها الاحتلال، دولة وحكومات ودستوراً وانتخابات وجيشاً جديداً، إلا إلي غرق العراق في عنف أهلي واسع النطاق، وانهيار محاولة إقامة نظام حكم آمن وموال للولايات المتحدة.ما انتهي إليه العراق كان فشلاً ذريعاً لمشروع الاحتلال علي كل المستويات، أمنياً وسياسياً واقتصادياً. الخسائر الامريكية البشرية في تصاعد، والمصروفات الامريكية في العراق تجاوزت 320 ملياراً من الدولارات حتي الآن. الخسائر العراقية البشرية تعد بمئات الألوف، بينما يسرق النفط العراقي ويوزع علي الميليشيات وقادتها. وقد تدهورت الخدمات العامة إلي مستويات لم يعرفها العراق منذ ولادة الدولة الحديثة قبل أكثر من ثمانين عاماً. إن كان الاحتلال أعاد عشرات من العراقيين من حلفائه إلي المنطقة الخضراء، فإن ملايين من العراقيين غادروا الجحيم الذي أصبحته بلادهم منذ بداية الاحتلال. هذا فشل لم يكن من الممكن تغطيته، لم يكن من الممكن تفسيره، ولم يعد من الممكن اقناع الامريكيين بالتعايش معه. وهنا بدأ الرأي العام الامريكي في التغير، هنا بدأ الانقلاب في بنية الحكم الامريكي. صلابة العراقيين ومقاومتهم، رفضهم العميق للاحتلال، استعصاؤهم علي الاحتواء، هو الذي أفشل مشروع الاحتلال وهو الذي صنع نتائج الانتخابات الامريكية الأخيرة. وعندما ينتهي الاحتلال ويخرج المحتلون بلا أسف، سيكون علي العالم أن يعترف بالمعجزة التي اجترحها الشعب العراقي في مطلع القرن الحادي والعشرين، عندما قرر مواجهة واحد من أقوي أنظمة الاحتلال في التاريخ الحديث، بلا سند إقليمي أو دولي. بيد ان ذلك كله لا يجب ان يوقع في المبالغة واستعجال النتائج. سيكون لفوز الديمقراطيين في الانتخابات نتائج ملموسة وسريعة ربما علي مستوي الوضع الامريكي الداخلي والتشريعات المتعلقة بالقضايا السيايسة والاجتماعية والاقتصادية الداخلية. ولكن علي مستوي السياسة الخارجية، فإن هناك قضايا لن تتعرض لتغيير يذكر، وأخري سيكون التغيير فيها ضئيلا وبطيئا. فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية لن يؤثر فوز الديمقراطيين علي الإطلاق علي سياسات الإدارة. فالنفوذ الإسرائيلي أوسع وأعمق في صفوف القيادات الديمقراطية عنه في الحزب الجمهوري. بل ان التماهي الكامل بين سياسة إدارة بوش والسياسة الإسرائيلية هو تطور استثنائي في تاريخ الإدارات الجمهورية. والديمقراطيون، وان اختلفوا مع النهج الانفرادي والعدواني لسياسة بوش الخارجية، لاسيما في التعامل مع الحلفاء، لن يكونوا أقل تمسكاً بما بات يعرف بالحرب علي الإرهاب، بما في ذلك توظيف القوة العسكرية. أما العراق، الذي أصبح المحور الرئيسي لسياسة إدارة بوش الخارجية والمؤشر الأبرز علي فشل هذه السياسة، فهو مسألة أكثر تعقيداً.كان الديمقراطيون، من ناحية، شركاء في غزو العراق، أو ان قطاعاً كبيراً منهم كان كذلك، بالرغم من نجاحهم خلال الحملة الانتخابية في وضع مسافة بينهم وبين سياسة إدارة بوش في العراق المحتل وفي تحميلهم الإدارة عبء الفشل. إضافة إلي ذلك، فليس لدي الديمقراطيين مشروع واضح المعالم للتعامل مع الوضع في العراق؛ وكما إدارة بوش لا يعرف الديمقراطيون علي وجه اليقين ما الذي ينبغي فعله هناك، بعد ان حاولت الإدارة كل ما في جعبتها. ولكن الأهم، أن الديمقراطيين حتي وهم يرون الفشل الذريع للمشروع الامريكي في العراق يدركون عواقب الهزيمة علي موقع الولايات المتحدة ودورها العالمي، وهم لذلك علي استعداد للتعاون مع إدارة بوش لإيجاد مخرج يحافظ علي الأهداف الامريكية الأساسية ويقي الولايات المتحدة من تبعات الهزيمة. من جهة أخري، فبينما تعبر إدارة بوش (بإقالة رامسفيلد، علي الأقل) عن ادراك ضمني بالفشل في العراق، فإنها ترفض الاعتراف الصريح بهذا الفشل والعمل السريع علي هذا الأساس. وهو موقف في جوهره شبيه بموقف الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس، التي قد تطالب بإعادة انتشار تدريجية للقوات الامريكية وتتجنب الضغط من أجل انسحاب قوات الاحتلال وترك العراق (والشرق العربي ـ الإسلامي كله) لإرادة أبنائه. لغة الحملات الانتخابية كانت دائماً غير لغة مؤسسات الحكم والسلطة، في الولايات المتحدة كما في غيرها من الديمقراطيات الغربية الرئيسية. وبينما ستنتظر جميع الأطراف السياسية الامريكية تقرير لجنة بيكر وتوصياتها، التي قد يجد فيها الجميع مخرجاً وغطاءً لسياسة جديدة في العراق، فإن الديمقراطيين سيحتاجون لبعض الوقت قبل ان يدركوا ان الحل الوحيد في العراق هو الانسحاب الكامل. وعندها فقط سنري مطالبة قاطعة وحاسمة بالانسحاب الفوري والناجز من العراق.منذ الحرب العالمية الثانية لم تتعرض قوة عالمية كبري لهزيمة عسكرية بالمعني الذي وضعه كلاوزفيتز في علم الحرب ، أي التدمير الاستراتيجي للقوة العسكرية والموارد الضرورية لاستمرار الحرب والقتال. لا الولايات المتحدة في كوريا وفيتنام، ولا بريطانيا وفرنسا في السويس، ولا الاتحاد السوفييتي في افغانستان، واجهت هزيمة عسكرية ـ استراتيجية حقيقية وقاطعة. ما حدث ان تلك الحروب وصلت إلي مستوي لم يعد فيه من الممكن تبرير استمرار الحرب وتبرير أعبائها وخسائرها ووحشيتها للرأي العام في الدولة المعتدية وللرأي العام العالمي. عندها تقع الهزيمة ويصبح التراجع حتمياً. الناخب الامريكي، والرأي العام الامريكي ككل، سيكون صاحب الدور الحاسم في الضغط علي هذه الإدارة، أو الإدارة القادمة، للخروج من العراق. ولكن إيصال الأمور إلي هذه اللحظة، هو مسؤولية من أوصلها إلي الهزيمة الانتخابية الأخيرة للإدارة وحزبها: أهالي الأنبار وبغداد وصلاح الدين ونينوي وديالي.وحتي تأتي تلك اللحظة فإن أمام العراق والمنطقة العربية مرحلة بالغة الحساسية والخطر. أمام العراقيين مهمة تجنب انحدار البلاد إلي هاوية الحرب الأهلية، الهاوية التي قد يجد بعض حلفاء الاحتلال انها الموقع الوحيد الكفيل بتحقيق أهداف انقسام العراق وتشظيته. وأمام العرب مهمة التحرك للوصول إلي تفاهم مع إيران يحدد دائرة المصالح الإيرانية في العراق والمنطقة ويحافظ علي عروبة العراق واستقلاله ويساعد علي استقراره. هذه المهمات ليست مسؤولية الحكام والسياسيين داخل العراق وفي المنطقة العربية وحسب، بل مسؤولية الجميع، حكاماً وعلماءً ونشطين سياسييين وإعلاميين وشعوباً. لقد آن للعراق ان يخرج من هذا الجحيم والموت والدمار الذي أوصله إليه الاحتلال وحلفاؤه، وتواطؤ أو صمت الأنظمة العربية. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية