عبد الستار قاسم
الغلبة لمن: للفكر الطارئ في حياة الامم، ام للعمق التاريخي الديني المنغرس في نفوس الناس؟ يبدو ان الافكار الطارئة تجد حيزا في اوقات الازمات الثقيلة، لكنها لا تعمّر عندما تصطدم بتلك الحقائق او الظنون التي تشكل القاعدة الاساسية للهوية التاريخية والتميز. هذا هو الاشكال الذي وجدت اسرائيل نفسها فيه منذ ان قرر شارون التمرد علي الذات والبحث عن مخارج لحل الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وجدت اسرائيل نفسها بين طروحات تصل الي حد الآيديولوجيا، وبين مواقف جديدة تتطلب هجران ابعاد دينية وقناعات غلب عليها التقديس.
قرر شارون الآيديولوجي المتزمت متأخرا ان يتنازل عن عرش الآيديولوجيا الي عالم الفكر الذي يخضع الامور للتمحيص والتدقيق والتحليل العلمي، ويحاول ان يوازن بين مختلف الخيارات. قرر ان يبحث عن حلول مع الشعب الفلسطيني خارج النطاق الآيديولوجي، فخرج من غزة وفكك المستوطنات العزيزة علي قلبه والتي تشكل عنصرا اساسيا في نظرية التمدد الصهيوني، ثم انبري لتشكيل حزب جديد متحملا تهمة الخيانة التي وجهها اليه صحبه الليكوديون.
حاول شارون ان يجعل من كاديما تجمعا لقادة اسرائيل المعروفين وذوي التأثير الشعبي الواسع، ذلك لكي يكون قادرا علي طرح مبادرات سياسية يمكن ان تواجه انتقادات قيادات اقل شأنا واضعف تاثيرا. لكن تدهور حالته الصحية اتت باولمرت الذي لا يشكل اي نوع من الالهام القيادي، ولا الابعاد العلمية والاخلاقية والمنطقية التي يجب ان تتوفر في القائد. بدا جليا ان حزب كاديما اخذ يترنح بعد شارون وان مسألة بقائه متعلقة بالوقت اكثر مما هي متعلقة باي عامل آخر. سرعت حرب لبنان من هذه العجلة، وقاربت كاديما من السقوط.
مع الاحتفاظ بالعوامل الاخري التي ساعدت في نشوب الحرب، ظن رئيس وزراء اسرائيل انه يستطيع ان يجعل من نفسه بطلا قوميا من خلال الحرب، وان يصنع لنفسه صورة القائد العبراني التاريخي الذي ترقص حوله ملائكة الحروب. لم تات النتائج علي قدر التوقعات، فاطلت براسها القيم العبرانية والصهيونية العتيقة، وعلا صوت المعارضة اليمينية التي شعرت بالهزيمة امام كاديما. وجد الاسرائيليون انفسهم غير آمنين لان النصر لم يكن حليفهم، وأذنوا لانفسهم بالكثير من التفسيرات التي تراوحت بين غضب من الله الي انشغال الجنود في التفكير في صديقاتهم المنتظرات في الحانات والبارات.
لكن المهم ان نظرية الامن الاسرائيلي قد ضربت في الصميم من ناحيتين: الناحية الاولي ان جدلية الهجرة الصهيونية الي فلسطين ارتكزت علي معيار الامن، وان اليهود سيعيشون حياة هانئة اذا استطاعوا اقامة وطن قومي لهم. رأي الاسرائيليون الصواريخ تنهال علي رؤوسهم ووجدوا انفسهم مضطرين للنزوح الي اماكن اكثر امنا او للهجرة خارج البلاد. ومن الناحية الثانية، عجزت مكونات النظرية الامنية الاسرائيلية الميدانية عن اثبات جدارتها بسبب النمط الحربي الجديد لحزب الله والوسائل القتالية المتاحة لديه. واذا غاب الامن في اسرائيل، فان مبرر وجود الدولة يغيب. المعني ان حرب لبنان قد اثارت اسئلة جديدة حول جدوي اقامة دولة اسرائيل، وذهب الحد ببعضهم ليسأل فيما اذا كان اليهود يتجمعون في فلسطين ليموتوا جماعة، وبذلك تتحقق نبوءة القذافي بدل نبوءة التوراة.
انخفضت شعبية اولمرت الي الحضيض ومعها شعبية وزير دفاعه العمالي الذي كان يعتبر حمائميا، وبرز نتنياهو من جديد في استطلاعات الراي العام كبطل قومي منتظر. لم يعد اولمرت قادرا علي المضي في قيادة مهددة بالتحقيق من زاويتين: من زاوية نتائج الحرب ومن زاوية فضائح فساد من المنتظر ان يتم التحقيق معه حولها. حزب العمل المتحالف معه يعاني من ازمات داخلية بسبب اخفاق بيريتس في الحرب، وبسبب عدم التزامه اصلا في التعقل اثناء معالجة قضية الاسيرين الاسرائيليين، وسكين اليمين يتم شحذها للاطاحة به، فوجد في العودة الي قواعده القديمة ملاذا قد يخفف عنه العذاب. والنتيجة ان ليبرمان الذي يعتبر متطرفا جدا في دعواته لطرد الفلسطينيين وقتلهم قد اصبح عضوا في الحكومة.
توقفت مبادئ حزب العمل التي ترفض مشاركة اليمين الاسرائيلي في الحكم عن الدوران، وصادق الحزب علي الاستمرار في الحكومة علي اعتبار ان وجوده سيخفف من غلواء حزب ليبرمان، ويمنع اولمرت من الانتقال علنا الي اليمين المتطرف.
العنصر المهم في هذه التطورات السياسية في اسرائيل ان جمهور الناس يبدون راضين عن العودة الي اليمين، وكثيرون منهم يستذكرون خطوات شارون الآن علي انها تدميرية. اعتاد الناس الانتصارات السريعة، ودائما خبروا حروبا تدور رحاها بعيدا عن تجمعاتهم السكانية، واعتادوا الاستماع الي رجال الدين وهم يقولون بان الرب يرعاهم ويحارب معهم. اختلفت الامور هذه المرة، وقرر ربهم الا يشارك، وقرر حزب الله ان يوسع نطاق المعركة. الناس في اسرائيل يعيشون الآن في مرحلة تساؤل، وبالتحديد حول نتائج المعارك القادمة بخاصة ان دولا في المنطقة وفصائل مقاومة تكتسب المزيد من القوة والحنكة والاتزان. اين هو مستقبل اسرائيل؟ يري كثيرون الآن ان اليمين الاسرائيلي اكثر قدرة علي المحافظة علي الامن، ويرون ان حكومات العرب التي تقيم سلاما مع اسرائيل تلعب في وقت قد فاتته جهود الرافضين في المنطقة العربية ـ الاسلامية.
ہ كاتب من فلسطين8