ارادة الحياة ومعضلة السلطة في العالم العربي
عادل الحامديارادة الحياة ومعضلة السلطة في العالم العربي أسهمت حروب الشرق الأوسط ومعاركه المتواترة في تسييس الرأي العام العالمي حتف أنفه، هذا الرأي العام الذي لم يكن يكترث الا بما يمس حياته اليومية مباشرة، وبلغ هذا التسييس أوجه مع اندلاع الحريق العراقي في العام 2003 الذي ألهب الحياة السياسية الدولية وألقي بظلال كثيفة علي مدي نجاعة خيار القوة في اشاعة الديمقراطية والحريات في العالم، فبعد اسبانيا التي انتفض فيها الناخب علي خيار العدوان الذي أصاب العراق والعرب والمسلمين، مرورا بمظاهرات الرفض التي اكتسحت معظم العواصم الغربية قبل العربية، وصولا الي نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي خلخلت كرسي العرش في البيت الأبيض مذكرة صاحبه بأن الشعب الأمريكي منزعج ازاء ما يحدث في أفغانستان والعراق الذي تصومل ولم يتدمقرط تحت أنظار الجيش الأمريكي بل تحت قبضته.من ايجابيات المعضلة العراقية التي أتت علي الأخضر واليابس في العراق الجريح علي الدوام أنها أيقظت الرأي العام العالمي عامة والأمريكي والأوروبي علي وجه الدقة والتحديد أن السياسات الخارجية لحكوماته تنعكس علي مجريات السياسات الداخلية وتترك آثارها علي عصب الحياة وهو الاقتصاد. فقد تأثرت أسعار النفط العالمي بالحرب الدائرة في أفغانستان والعراق التي طالت وفاقت في خسائرها المادية والبشرية كل التقديرات، وأثبت الواقع الميداني الذي لا تخطئه العين المجردة وهي تتابعه عبر الفضائيات العالمية أن الحرب في العراق لم تضع أوزارها يوم تهاوي التمثال في ساحة الحرية تحت ضربات المدافع والقنابل الفوسفورية معلنة تربع بريمر علي كرسي الرشيد، بل ان ذلك المشهد المسرحي لم يزد الحرب الا اتقادا، واشتعلت النيران في كل مكان.ليست هذه هي المرة الأولي التي تخوي فيه عاصمة الرشيد علي عروشها بعد عمار وازدهار، فحروب التتار لا زالت حية في أذهان العراقيين الذين لم تكسر ارادة الحياة عندهم حتي سياسة الحصار والتجويع الظالمة التي مارسها العالم ضدهم لأكثر من عقد من الزمن، ولن تكون الأخيرة في مسيرة التدافع بين الأفكار والخيارات السياسية، ولا بين الثقافات والحضارات في الطريق الي السيطرة علي مناطق النفوذ في العالم. كما أن الصراع أو الاختلاف بين العراقيين في ادارة شؤون الحكم لديهم ليس وليد التاسع من نيسان (ابريل) 2003 بل يضرب بجذوره عميقا في التاريخ الاسلامي يوم أن اختلف المسلمون شيعا، ومزقتهم مطامع غنائم السلطة فانطووا علي خلافاتهم في حروب بعضها ديني وبعضها الآخر عرقي عنصري في محطات تاريخية متتالية دون أن يلغي أحدهم الآخر.والراصد لأنظمة الحكم في العالم العربي قديما وحديثا لا يعدم وجود فترات حكم مزدهرة علت فيها قيم العدل والحكم الراشد، والا فما كان لهؤلاء الحفنة من العرب المتوزعين في صحاري الجزيرة العربية أن يضطلعوا بدور فعال في رفد الحضارة الانسانية وابلاغ أعظم رسالة سماوية اختتم بها رب العزة رسالاته للناس أجمعين. لم تكن فترات الخلافة الراشدة هي أكثر العصور ازدهارا، علي الرغم من أهميتها في التأسيس لنمط الحياة الاسلامي الجديد، فقد أسهم رواد الحكم الاسلامي علي اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم العرقية في رفد تجربة الحكم الرشيد في العالم العربي، ومقياسهم في ذلك دوما كان مدي اشاعة العدل بين اكبر قدر ممكن من الرعية، اذ أن ارضاء كل الناس غاية لا تدرك. حتي في الجاهلية كان للعرب قيم تعارفوا عليها وتواطأوا علي أنها تمثل رأيا جمعيا يساعد في ادارة التواصل بينهم، لذلك جاء الرسول محمد صلي الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق.كانت ارادة الحياة والفعل الحر الشريف صفة ملازمة للعربي حتي وهو يرحل لاهثا وراء الكلأ والعشب الأخضر في غير ما جزع ولا تردد، وقد سجل ذلك في ديوان شعري فريد من نوعه في التاريخ الانساني علقت قصائده علي الكعبة، لأنها تختزل دساتير العرب في الحرب والسلم، في أوقات الشدة والراحة وفي حالات الحزن والفرح، علي نحو لم يجد القــــرآن الشريف ولا مــــبلغه الي العالمين محمد بن عبد الله (ص) غضاضة في الاعتراف بمحاسنه ومـــــقارعته بالبلاغة والفصاحة والبلاغ المبين. وظل العربي ـ حتي وهو جاهلي ـ عصيا عن الذل والخضوع للوافد حتي ولو كان من سابع الامبراطوريات، فجاء الاسلام ليقوي هذه الارادة ويؤكد فضل الآدمية علي سائر المخلوقات، ويجعل منه (ابن آدم) خليفة له في الأرض بأمانة العمل من أجل اشاعة قيم الحياة الحرة الكريمة.لكن السؤال الذي يتبدي الي ذهن المتأمل للحياة السياسية العربية الراهنة حتي وهو يقارع أعتي القوي وأكثرها عجرفة، ويكتب من علي تخوم هذه المقارعة صورا لا تبلي للمقاومة الشجاعة والجريئة التواقة للحرية والي ترجمة آية الاستخلاف في الأرض التي اصطفي الله لها الانسان من دون سائر مخلوقاته، وعدم الركون الي الذل حتي لو كان علي حساب الحياة نفسها، الســــؤال المحير فعلا هو: لماذا عجز العقل السياسي العربي ـ ولديه من المخزون العقائدي والفكري والحضاري ما يمكنه من صنع المعجزات ـ في ترجمة ارادة الحياة هذه الي دساتير عملية تؤسس لنظرية متكاملة لحل معضلة السلطة وتداولها بين بني البشر من العرب بطرق سلمية؟تزخر المكتبة العربية والاسلامية بنظريات متعددة واجتهادات متباينة يدعي كلها وصلا بالتنظير للحكم الاسلامي العادل والرشيد، الذي يراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية والجغرافية للعالم العربي ولشعوبه التي تنتمي بالفطرة الي هذا الدين الحنيف الذي لم يأمر بالسجود والعبودية لغير الله سبحانه وتعالي. وكثير من هذه الكتابات يكتسب مصداقية سياسية وقانونية ودينية، لكنها ظلت حبيسة الرفوف ولم تتحول الي واقع ملموس الا في حالات نادرة تحفظ ولا يقاس عليها. ويكاد يجمع علماء الاجتماع والسياسة ممن تصدوا لدراسة معضلة السلطة والتحول الديمقراطي في العالم العربي علي أن ارادة الحياة التي صنعت الحضارة العربية والاسلامية ولا تزال تصنع التاريخ العربي والاسلامي حتي يوم الناس هذا، عجزت عن ترويض المؤسستين العسكرية والأمنية في العالم العربي ليكونا في خدمة المشاريع السياسية الكبري لا أن تكون السياسة في خدمة قادة المؤسستين الأمنيتين.لقد شفعت للملك فاروق في مصر منتصف القرن الماضي الثقافة العربية الاسلامية المتأصلة، ودفعت بقائد ثورة الضباط الأحرار جمال عبد الناصر، الي مراعاة تلك الميزة فادخر دم الملك بل ومده بالمال وعمل علي ترحيله للغرب ليعيش بسلام حتي نهاية عمره. لكن هل نجح الضباط الأحرار في تأسيس أسلوب تنتقل له المنطقة التي تشترك مع روسيا في أنها تيوقراطية بامتياز سواء بحضور الدين أو بغيابه؟ سؤال يجد جوابه في ثنايا اللاحق من الحياة السياسية المصرية.ومنذ أن خندق الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وانطلقا في مناوأة الخليفة الراشد الرابع، ولا زالت روائح النبوة تعطر معظم أجزاء الجزيرة العربية آنذاك، من يومها والعراق يعاني من الحجاج بن يوسف الثقفي مرورا بعبد الكريم قاسم ومحاكمته لرموز العهد الملكي وصولا الي عهد صدام حسين وما تلاه من احتلال ومحاكمة لقادة العهد السابق.ولم يكن القطر السوري الشقيق استثناء من القاعدة العربية بالرغم من أن الأسد العربي الذي عاش تحت كماشة الغرب المستكبر، الذي لم يهدأ له بال وهو يحوك المــــــؤامرة تلو الأخري لاخضاع آخر مواطن الرفض العربي للانبطاح، مما دفع الي تأجيل الحياة الديمقراطية التي تؤســــس الي نمط في الحكم تحسم في اطـــاره معضلة التداول السلمي علي السلطة، وتوضع دفة الأمور بين أياد سياسية بدل أن تكون بيد المؤسسة العسكرية أو الأمنية.لقد أحالت هذه التجارب في مشرقنا العربي وما رافقها من محاولات مشابهة في بلاد شمال افريقيا، أحالت النظام السياسي العربي الحديث الي هجين تختلط فيه السياسة مع أجهزة الأمن التي يفترض أن تكون محايدة والتي ينبغي ـ وفق هذا الحياد ـ أن يكون السياسيون هم الذين يقررون، فتكون بذلك الأولي خادمة لهذه السياسات وليست مقررة بل منفذة لارادة القيادة السياسية الممثلة الشرعية والوحيدة لارادة الأمة، وهي بالتالي المقرر النهائي لكل سياساتها.ميزة الأنظمة الديمقراطية أنها تمكن الشعوب من محاسبة حكامها، وتتيح للناخبين امكانية لمراجعة النفس واعادة اختيار من يتحمل أمانة السلطة وما أدراك ما السلطة، ففي هذه البلدان الغربية التي نتقاسم رغيف الخبز فيها مع أهلها الأصليين يثق المواطن في الدولة أكثر مما يثق في أي كان من مخلوقات الله حتي لو تعلق الأمر بأبيه وأمه، أما عندنا فما زال بيننا وبين الثقة في الدولة وأجهزتها مشوار طويل نستطيع فيه أن نترجم ارادة الحياة الي مواثيق ملزمة وضامنة وحامية لبلداننا من أعين الغاصبين وأعوانهم المتربصين.المال عصب الحياة ومحرك دفتها وهو دولة بين الأغنياء والشركات الكبري والمحتكرين وسماسرة المال، ولا يرمي منه غير الفتات وفي شكل أعطيات وهبات من هؤلاء الذين ذكرتهم علي عموم الناس. هذا حال المال عموما في غير دولة القانون أما عند الغرب الرأسمالي الليبرالي فان المال ينساب عبر شرايين الجسد الواحد حتي يصل كل خلية من خلايا المجتمع واذا ما عن لحزب العمال الحاكم في بريطانيا أن يأخذ مجرد هبات مالية من بعض الأثرياء لأن المال العام غير مستعد لخدمة الأحزاب، فان الشرطة البريطانية لم تستح من الاقدام علي استجواب غالبية مجلس الوزراء البريطاني لسبب بسيط ويتمثل في أن الصراع علي السلطة قد حسم منذ قرون وانما ثمة تنافس وتبار للوصول اليها وممارستها عبر الصناديق وليس عن طريق الغصب والتزييف، ونحسب أن العرب وهم أهل حضارة ضاربة في الزمن ليسوا أقل آدمية من هؤلاء ولكل جواد كبوة. كاتب واعلامي تونسي يقيم في بريطانيا8