وهل يوجد في فلسطين إلا مدنيون؟
د. عبدالوهاب الافنديوهل يوجد في فلسطين إلا مدنيون؟(1)الضجة التي أثارها العرب حول مجزرة بيت حانون الأسبوع الماضي خدمت بصورة غير مباشرة الدعاية الإسرائيلية، لأنها تعطي الانطباع بأن إسرائيل كانت لسبب ما محقة في قتل من قتلت قبل ذلك لكونهم عسكريين ، بخلاف المدنيين الذين قتلوا في بيت حانون. وهذا يعطي إسرائيل صك براءة فيما ظلت تمارسه من قتل وحصار وتشريد، باعتباره لم يكن موجهاً ضد مدنيين!(2)فلسطين في الواقع وفي عرف القانون الدولي أرض محتلة. والكل، بمن في ذلك العرب، يمنع عن فلسطين السلاح والعتاد. وبالأمس القريب احتفلت مصر باكتشاف نفق قالت إنه جعل لتهريب السلاح إلي غزة. وقبل ذلك صرحت الحكومة الأردنية عن اكتشاف تهريب أسلحة لصالح حماس عبر الأردن واحتفلت بإحباط هذه الجريمة النكراء. وبحسب علمنا ليس للفلسطينيين جيش، ولا دولة معترف بها، ولا سيادة.(3)فكيف إذن أصبح اليوم في فلسطين مدنيون لا يجوز قتلهم، و عسكريون يجوز قصفهم بالطائرات والمدافع وكل ما جادت به شياطين الإنس من مخترعات القتل والتدمير؟ وكيف يتواطأ العرب ـ والفلسطينيون ـ في هذا التصنيف الغريب الذي ما أنزل الله به من سلطان؟(4)القيادات الفلسطينية مسؤولة إلي حد كبير عن هذا التضليل، وذلك عن طريق تسويق أوهام لا سند لها من الواقع، مثل تصرف منظمة التحرير الفلسطينية كدولة وجيش معاً في وقت لم يكن لها أرض ولا سيادة ولا استقلال، وحديث قادتها المتكرر عن ولاية كاملة ومنفردة علي القضية الفلسطينية بدون أن تكون لهم أي قدرة علي الضغط لتحقيق شيء ملموس للقضية. نفس الأمر نراه اليوم في شكل السلطة الفلسطينية التي ليس لها من السلطة إلا القليل، وما نسمع به كل يوم عن المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، وهي مفاوضات الذئب مع الشاه وهي بين فكيه.(5)لن يكون هناك تقدم في حل القضية الفلسطينية ما لم يتوقف تسويق الأوهام والاعتراف ببضع حقائق أساسية، منها أن الفلسطينيين جميعاً، بمن فيهم سلطتهم الوطنية، هم أسري في يد العدو. ومن هذا المنطلق فلا يمكن الحديث عن مفاوضات بين أسري وخاطفيهم، لأن هذا يخالف العقل والمنطق. المفاوضات تكون بين الخاطفين وأطراف خارجية لها القدرة علي إجبار الخاطف علي إطلاق رهائنه. أما إذا وقف الآخرون يتفرجون، أو كان معظمهم متواطئاً مع الخاطف يمده ويسنده ويشد من أزره، فإن الحديث عن مفاوضات بين الخاطف والرهائن في هذا الظرف هي مهزلة لا تستحق مجرد التعليق.(6)كل من في فلسطين هم أيضاً مدنيون بحكم القانون، ولا يوجد علي أرض فلسطين عسكري. وإن وجد وتم أسره فإنه يجب أن يعامل بحسب مواثيق جنيف، أي لا يستجوب إلا عن هويته، وأن يعامل معاملة كريمة لحين إطلاق سراحه. وتعتبر المقاومة المسلحة حقاً مشروعاً بحسب المواثيق الدولية، وبالمقابل فإن العقوبات الجماعية والقصف العشوائي للمدنيين هي جرائم حرب في الأعراف الدولية.(7) بسبب ما حدث من انقلاب المطبوع منذ أيام الجبرتي، وما نراه من تواطؤ عربي في قلب المفاهيم، أصبحت جرائم الحرب تصنف دفاعاً مشروعاً عن النفس ضد عدوان يأتي من شعب أعزل، وتصبح غدوات وروحات الأسري إلي حضرة آسريهم مفاوضات ، حتي حين يرفض هؤلاء الخاطفون مجرد لقاء هؤلاء الأسري. ثم يسأل سائل لماذا يديم العرب المقام في حظيرة المهزومين وهم جند علي أنفسهم مجندون؟9