الكرسي والشارع والخبز: قراءة شعبية

حجم الخط
0

الكرسي والشارع والخبز: قراءة شعبية

هاشم غرايبةالكرسي والشارع والخبز: قراءة شعبيةالكرسيكان الفلاح يستعمل الكرسي ليتكئ عليه.. يضع عليه مخدة الصوف، ويغز كوعه عليه، ويضع راحته تحت رأسه، ويغني يا ليل.. أو يمدد ساقيه علي الطراحة ، ويسرد الحكايا. ومن الممكن أن يصير هذا الكرسي مكتبا، يتربع أمامه، ويخط عليه رسالة لولده المغترب، أو يفرد عليه قواشين الأرض، ويراجعها. أو يوقع عليه عقد بيع، أو ضماناً مع طرف ثان.و في رمضان تحديدا تري الفلاح الأردني يجلل الكرسي بالمصلوة ، ويضعه أمامه، ثم يفتح المصحف الشريف فوقه، ويتلوا القرآن، وهو يهز جذعه الي الأمام والي الخلف برتابة. أما المسن الذي يضطر أن يصلي جالسا.. فيضع الكرسي أمامه ليسجد عليه.هذا الكرسي الصغير، كان يستعمل مفرمة : يفرم عليه الفلاح الأردني تبغه، ويقطع عليه اللحمة في عيد الأضحي، وكانت ربة البيت تنقي عليه العدس، وتفرم عليه الخبيزة، وتقطع البطاطا عليه أيضا..(أما البصل فكانت تفرمه بطريقة فذة لكنها انقرضت: تمسك البصلة بيد، وتضربها ضربات سريعة قوية بالسكين، ثم تفرم باليد الأخري الجزء الذي تشقق، وتعيد الكرة حتي القمعة ). وكان الكرسي يتنقل مع الفلاح حسب المواسم، فيجلس عليه أمام الدار في الظل أيام الصيف، ويجلس عليه مسندا ظهره للحائط الشمالي مستمتعا بدفء الشمس في الشتاء.. وكان يستعين بالكرسي ليقف عليه، ويتناول شيئا عن رف الشاشية ، أو من فوق الكواير .كما كان يستعمل الكرسي للاستحمام أيضا: يضع لقن الغسيل بعتبة البيت، وسطل الماء الساخن والمغرفة بجانبه، ثم يأتي بالكرسي ما غيره يضعه باللقن ويخلع ملابسه عليه ثم يجلس فوقها ويستحم.. وحين كان يحلق ذقنه، كان يقلب الكرسي علي جنبه، ويركز المرآة علي خشبته.. ويضع مغرفة الماء الساخن، وصابونة المفتاحين، والفرشاة المبقعة قاعدتها ببقايا طلائها الأسود، وقد تآكل وبرها، فوق الكرسي..).لعبة الكراسي تطورت كثيرا هذه الأيام.. وصارت كلمة كرسي مصطلحا للدلالة علي السلطة والنفوذ.. وصار الناس يخدمون الكراسي وليس العكس فقد رغبنا أن نعيد للأذهان صورة الكرسي البسيط متعدد الاستعمالات الراسخ في الذاكرة الشعبية .الشارعفي الأزمة اللبنانية الحالية كثر الحديث عن الشارع بحيث أعاد الاعلام الرائج الي الذهن كلمة الشارع كمصطلح ذي دلالات مختلفة.. فمثلا يخطر بالبال أن الشارع متمرد في الأصل.. لذا لا مناص من تعبيده ليسهل اختراقه والسير عليه.. ثم تطورت أدوات السيطرة، فصار لا بد من تزفيته أيضا!سياسيا استعملت كلمة الشارع لتدل علي العامة من الناس.. فيتحدث السياسيون، وفقط في الأزمات، عن الاحساس بنبض الشارع باعتباره قلب المجتمع الذي يخفق بحبهم، ويتحدثون عن النزول الي الشارع بمعني التظاهر و دب الصوت ومغادرة الأغلبية الصامتة لبيوتها وأعمالها وسياراتها، ونزولها الي الشارع لتصير قوة صائتة بعد أن كانت صامتة.في الشأن الثقافي، هناك شارع الثقافة، وشارع الصحافة.. وثمة كتب تسمت بأسماء شوارع، وهناك من يكتب، أو يصرح ليرضي الشارع وعندها تسمي هذه الكتابة للاستهلاك المحلي ، وهناك من يترفع عن الكتابة للشارع ويتجه للنخبة، ودائما هناك تضاد غير مصرح به ومسكوت عنه بين النخبة و الشارع .. لكن النخبة عادة ما تكون أكثر مهارة في استثمار نبض الشارع وأقدر علي تعبيده ، وهناك مرات قليلة في التاريخ التي انتصر فيها الشارع علي النخبة. وفي الشأن الاقتصادي نجد في بغداد شارع البنوك، وفي نيويورك شارع المال والأعمال، ناهيكم عما يتفرع عن الشوارع الهامة من أسواق كسوق السكر، وسوق الصاغة، وسوق الشورجة، وسوق العبي ـ أي العباءات .. وسوق الهال ، وسوق الحميدية، وسوق الموسكي.. الخ.أما في المنحي الاجتماعي فنجد حضوراً مجازيا لكلمة الشارع في اللغة اليومية للناس، مثل قولهم أولاد شوارع .. أو عاكسها في الشارع .. الخ. خارج المصطلح نستطيع أن نتحدث عن شوارع لها شخصيات مميزة وشهرة خاصة بها، وصارت شوارع نخبة بذاتها .. أي أن الشارع بذاته قد فرض نفسه كاسم علم، وصار معلما، مثلك شارع الرشيد في بغداد، وشارع عشرة داوونغ ستريت في لندن، وجادة الشانزلزيه في باريس، وشارع أربات في موسكو، وغيرها، وهناك شوارع لها أسماء عنيدة لا تقبل التغيير مثل شارع الأميرات، وشارع الجاردنز، وشارع السينما..يستدعي الحديث عن الشارع مصطلحات أخري مرتبطة بالشارع مثل: تمرّ أمتنا بمنعطف خطير فالمنعطف الخطير و المنعطف التاريخي و المنزلق الخطر الذي يدفعنا له الخصوم و الوصول في المباحثات الي طريق مسدود هذه وغيرها مصطلحات مشتقة بل متفرعة من الشارع.. حماكم الله من الطرق الملتوية و الأزقة المعتمة .. وبمناسبة حلول فصل الشتاء، وقاكم الله شر المنزلقات الحادة ، وطرطشة الماء بسبب السيارات المسرعة.الخبزلم يقل الصينيون اللهم اعطنا رزنا كفاف يومنا.. ولم يقل الأوروبيون ليس بالبطاطا وحدها يحيا الانسان.. لكنه السيد المسيح النبي الفلسطيني ابن سورية البار هو الذي قدس الخبز ومجده للعالمين.في بلادنا ومنذ سومر وأفاميا اقترن الخبز بالماء كعنصرين أساسيين للحياة.. الماء متوفر بالطبيعة أو يجري البحث عنه أو استجداؤه من مصادره.. الا أن الخبز بحاجة لجهد الانسان ليصير خبزا، لذا فانه احتل مكانة مرموقة في الثقافة الانسانية عموما، وفي ثقافتنا العربية بشكل خاص، وقد ربط المصريون أسباب الحياة بالخبز فأسموه عيشاً .. ورغم أن كلمة زاد تدل عل ما يتزود به الانسان من طعام الا أنها عند البدو تدل علي الخبز وكأن أنواع الطعام تختزل كلها في الخبز.. وسمي الكيس الذي يحمل به الزاد زوّادة ومزودة. ربما لأن زاد المسافر كان يقتصر علي الخبز والماء.. وترددت كلمات الخبز والرغيف والزاد في الأغاني والأشعار والقصص العربية لتعبر عن مدي ارتباط حياتنا بالخبز.. تحضرني الآن عناوين كتب الخبز الحافي لمحمد شكري، و كسرة خبز لسامي الجندي، وقصة بيرل باك الشهيرة بائعة الخبز ، وغيرها كثير.في بلادنا نعزّ الخبز كثيرا فنرفعه عن الأرض تقربا به الي السماء، والمائدة لا تكون مائدة والزاد لا يكون زادا اذا خلا من الخبز.. (كانت أمي تكافئني اذا أتقنت عملا بأن تخفق بيضة مع قليل من الطحين وتسكبها علي صمامة الطابون، وترش عليها قليلا من الملح الخشن والفلفل الأسمر حتي تنضج.. كان اسمها في بيت جدي خبزة هاشم !.. اختفي الملح الخشن، واختفي الطابون، وضاعت تلك النكهة للأبد). في السفر والكوارث والحروب والرحيل نتفقد مؤنتنا من الخبز، واذا أمطرت السماء تزاحمنا عند الأفران لنؤمن بيوتنا بالخبز لأننا نتناول الطعام بالخبز، ولكن ليس علي طريقة السيد سندويش بل علي طريقتنا الخاصة الغموس .. والغموس فخر أهل الشام ومصر دون سائر البلدان. . هنا ، نغطّ الخبز باللبن أو بالزيت أو بالشاي أو بالطبيخ، حتي أننا ندس الخبز تحت أرز المنسف الذي لا يغمس. وان ضاق بنا الحال نغمس خبز المدينة بالشراك ، ونأكل خبزاً وماء مدّعين أن الخبز الحاف يعرض الكتاف ونحمد الله.. حتي في العيد لا نستغني عن الخبز فنعد للعيد عدته بالخبز أيضا، وذلك بأن نضيف بعض المحسنات علي الرغيف ونسميه: خبز العيد فقط في رمضان يقل استهلاكنا من الخبز! ويزيد استهلاكنا للرز والتمر والقطايف والقمر الدين.. ربما تراجع استهلاك الخبز في رمضان بسبب وفرة أصناف الغموس : فـ مرقة العدس التي كنا نفت فيها الخبز الجاف، ونعدها وجبة كاملة صار اسمها شوربة مجرد صحن صغير علي هامش المائدة الرمضانية.والقمر الدين الذي كان يمرس بالماء، ثم يغمس بالخبز.. صار شرابا اختياريا علي جانب المائدة الرمضانية.. وضاع الرغيف بين أنواع من الصحون والصواني وتسيدت الملعقة والشوكة والسكين المائدة.كاتب من الأردن 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية