الصورة ثابتة في السينما ولا مجال لتغييرها اما حركة المسرح فتكتسب تجددها من العلاقة الحية مع الجمهور

حجم الخط
0

الصورة ثابتة في السينما ولا مجال لتغييرها اما حركة المسرح فتكتسب تجددها من العلاقة الحية مع الجمهور

الاختلاف بين المسرح والسينما:محمد سيفالصورة ثابتة في السينما ولا مجال لتغييرها اما حركة المسرح فتكتسب تجددها من العلاقة الحية مع الجمهوراذا كان بالامكان اعداد الرواية الي السينما أو القصة القصيرة أو الظاهرة الاجتماعية، فبالامكان أيضا اعداد وتكيف العمل المسرحي الي السينما. وقد التجأت السينما في بداياتها الي الارث الأدبي المسرحي، حيث لعب هذا الأخير دورا أساسيا في تطوير وبلورة الانتاج السينمائي. عند هذه النقطة، بامكاننا الاشارة الي قول أندري بازان في كتابه (ما هي السينما): الي أن السينما شابة، في حين أن الأدب، المسرح، الموسيقي، والرسم، قدماء بقدم التاريخ نفسه. وهذه الاشارة في شكلها ومضمونها، تشابه ما بين السينما في طفولتها الأولي وحالة تربية الطفل الذي أول ما يبدأ بتقليد الكبار الذين يحيطون به. لهذا نلاحظ أن السينما قد اعتمدت في تطورها علي مجموعة من الفنون والآداب التي سبقتها. وصارت بمثابة خلاصة لأفعال خاصة لتطور هذه الفنون والآداب القديمة، أي أنها ولدت كنتيجة حتمية لعوامل لم تكن تمتلك سلطة عليها.اذن أخذ الأدب المسرحي نفس المسار الذي اتخذته الرواية في طريقة اعدادها الي السينما، ولكن الفارق بينهما، هو أن الرواية بطبيعتها تحتاج الي صياغة وتحضير جديد لتحويل الكلمة الي صورة، في حين أن العمل المسرحي يعتبر في حد ذاته عرضا ولا يحتاج إلي أن يكون مصورا. وهذا ما يشرح لنا سر الفتنة والاغراء الذي مارسه المسرح علي المخرجين السينمائيين، الذين انتهوا أو توصلوا الي خلق الظاهرة التي أطلق عليها النقد آنذاك ظاهرة ( المسرحية المصورة) التي دفعت بالسينما نحو السكون والخمول الابداعي، اذ جعلت دورها ينحصر في حدود أرشفة المسرحية أرشفة بسيطة، خالية من الابداع. أما الأفلام أو بالأحري المخرجون الذين عرفت أفلامهم بعض النجاح، فهم أولئك الذين استطاعوا أن يتحرروا ويتخلصوا من ركود وسكون ظاهرة (المسرحية المصورة)، بالسماح لأنفسهم باجراء تعديلات وتحضيرات اعدادية علي العمل المسرحي. وقد عالجوا المسرحية بنفس الطريقة التي تعالج فيها القصة القصيرة أو الرواية، أي انهم لم يحتفظوا الا بالشخصيات والحدث من العمل المسرحي. وهنا برزت مشكلة عدم احترام الشكل المسرحي من قبل المخرجين السينمائيين، والحاق الضرر بالمسرح وليس بالسينما. هذا التجديد أو التعديل، ان صح التعبير، جعل النقد يحتج علي طريقة التدخل السينمائي الغريب في العمل المسرحي، ولكن بلا جدوي، لأن نسبة الأعمال الكثيرة التي عرفت النجاح قللت من حدة واعتراض النقد، وجعلت السينما تقترب كثيرا من الأدب، ببقائها مخلصة للمناخ الخاص للعمل المسرحي بشكل كلي. بلا شك أن المسرح له وسائله الخاصة والمختلفة عن السينما، لا سيما أن الأداة الأساسية للمسرح كانت ولا زالت دائما وأبدا هي اللغة وليست الصورة، هذا بالاضافة الي ان تأثير العمل المسرحي علي المتفرج ليس هو نفسه تأثير السينما عليه وهو داخل صالة مظلمة. لهذا السبب بالذات جعل الاختلاف في مجال التكوين الجمالي بين السينما والمسرح، البحث عن نقاط التقاء وتقارب وتعادل في القيم، يكاد أن يكون حساسا وخطرا جدا، لأن هذه الاختلافات التكوينية تحتاج أيضا الي معني ابداعي ومخيلة خصبة من قبل المخرجين السينمائيين الذين من أجل أن يصنعوا فيلما ناجحا، يتوجب عليهم، أولا وقبل كل شيء، أن (يخلقوا، لغة تعبيرية أخري وأن لا يكتفوا بتسجيل بسيط ومسالم للعرض المسرحي. وبكل بساطة، ان احترام العمل المسرحي لا يعني فقط تصويره مثلما هو، لأن القيام بـ(عمل المسرح) بطريقة صحيحة، اصعب كثيرا من القيام بـ(عمل سينما)، مثلما يقول (أندري بازان).وفي مجال الاعداد السينمائي للمسرح يمكننا أن نذكر تجارب جان كوكتو الناجحة، ارسون ويلز، لورنس أوليفييه، بيتر بروك، ومخرجين وكتاب سيناريو آخرين، سواء كانوا مسرحيين أو سينمائيين فقد بذلوا جهودا كبيرة في تعزيز وتقوية فكرة أن الاعداد السينمائي الناجح للمسرح ليس بـ (خيانة) وانما هو عملية احترام وتبجيل للمسرح، علما، ومثلما ذكرنا أعلاه، بأن علاقة المسرح بالسينما ليست بجديدة، لا سيما أنها بدأت مع الكوميديا الأمريكية التي اعتمدت كأساس علي الكلمة والحالة التي تثير الضحك، بعيدا كل البعد عن الصناعة السينمائية. لهذا نجد أن أغلب الأفلام الكوميدية الكبيرة الفرنسية منها أو الأمريكية مصدرها هو موسيقي- الهال أو مسرح البوليفار: ماكس ليندر، بوست كايتون، لوريل وهاردي، شارلي شابلن… هؤلاء جميعا يدينون بنجاحاتهم السينمائية الي تجاربهم المسرحية، وبمساعدة السينما قد حافظوا وعرضوا تقنيات موسيقي ـ الهال ومسرح البوليفار. لهذا، بامكاننا أن نلاحظ في الأفلام الكوميدية القديمة حضورا للمسرح بشكل بدائي، ليس علي مستوي التمثيل فقط وانما أيضا علي مستوي البناء السردي للحدث. وفي نفس الوقت، لا بد من التذكير بأن السينما قد أعطت هذه المشاهد والحالات المسرحية الكوميدية نكهة جديدة، اذ حررتها من حدود طبيعة المسرح نفسه التي تفرضها عليه الوحدات الأرسطية الثلاث: وحدة الموضوع، المكان والزمن. اذن بامكاننا القول أن هذه الحالات والمشاهد الكوميدية البدائية أصبحت بفضل السينما، مشاهد درامية جديدة وأخذت أبعادا تعبيرية أخري، حتي أن الكثير منها من دون التدخل السينمائي، لن تستطيع أن تبلغ مرحلة النضج الفني. ان تطور (المسرحية المصورة) سواء كانت أمريكية، انكليزية، فرنسية أو كان مصدرها الأدب الكلاسيكي مثل: مسرحية هنري الخامس، هملت، ماكبث، الخ أو الأدب المعاصر مثل الأفعي، تأليف ليليان هلمان، الآباء الفظيعون، تأليف جان كوكتو، لم يتغير، والذي يبرهن علي ذلك، هو اخلاص السينمائيين الكبار الذين صار عددهم يزداد شيئا فشيئا، الي النصوص المكتوبة، علي اختلاف من سبقوهم الذين كانوا يعملون دائما علي اخفاء النص الأصلي في اعدادهم السينمائي وبمحاولتهم التوفيق بين الاثنين أو حتي جعل النص المسرحي يذوب وينصهر فيما هو سينمائي.في الوقت الحاضر، تغيرت طريقة التعامل هذه مع النصوص المسرحية، وتخلي السينمائيون عن المسار القديم الذي كان متبعا في الاعداد السينمائي للمسرح، بل صاروا يبحثون عن الكيفية التي يحافظون فيها علي الطبيعة المسرحية في أعمالهم. ومبدئيا، لا توجد هناك وسيلة أخري لأن جوهر النص يبقي محترما ولا يتغير في جميع الاعدادات السينمائية.ونفس الشيء بالنسبة للأوبرا، اذ لاحظنا أن الطريقة ذاتها قد اتبعت في نقل الأوبرا الي السينما سواء علي المستوي العام أو الخاص: فهناك بعض المخرجين الذين قاموا بتصويرها من فوق خشبة المسرح، والبعض الآخر جعلها فيلما موسيقيا تقريبا، وهناك آخرون أيضا دفعهم احساسهم بالواقعية السينمائية، الي تجريدها تماما من اطارها المسرحي الضيق وتصويرها في الطبيعة الأكثر اتساعا. وهناك أيضا أولئك الذين بحثوا عن كيفية اعدادها وتكيفها سينمائيا من غير أن يمسوا طبيعتها المسرحية الموسيقية.بيتر بروك واحد من الذين كانوا ولا يزالون مهتمين باعداد المسرح للسينما، سواء كان ذلك موسيقيا أو غير موسيقي. وحينما يتحدث عن تجربته الخاصة في هذا المجال، يقول: (لقد اشتغلت دائما بهذه الطريقة، وعملي كان دائما وأبدا يشبه الي حد كبير، الفارس الذي يركب حصان المسرح والسينما في آن واحد). أي انه يشتغل في الحقلين دون الحاق الضرر بواحد من الاثنين، بل يغذي الواحد من خلال الآخر وبالعكس.بيتر بروك رجل مسرح ولد في لندن بتاريخ 25 اذار (مارس) 1925، اكتشف السينما في عمر مبكر جدا، اذ اعد للسينما منذ عام 1944 رواية لورنس ستيرن (يوم عاطفي). وبين عام 1944 ـ 1945 أنتج وأخرج بعض الأفلام القصيرة قبل أن يخرج أول فيلم له طويل عام 1953 (أوبرا القروش الثلاث)، المأخوذ عن مسرحية لبرتولد بريشت تحمل نفس الاسم. وفي عام 1960 أخرج فيلم (رسلا ترنيم عذب Moderato Cantabile )، المأخوذ عن رواية قصيرة لماركريت دوراس التي اشتركت في اعدادها مع جيرار جارلو وبيتر بروك نفسه.في عام 1961، أخرج بروك فيلما ينتمي للخيال العلمي بعنوان (سيد الذباب) المأخوذ عن عمل W. Golding وفي عام 1967 أخرج فيلم (مارا ـ صاد) المأخوذ عن مسرحية تحمل نفس الاسم لبيتر فايس، وكذلك فيلم (الملك لير)، في الأبيض والأسود، عام 1971، المأخوذ عن مسرحية (الملك لير) لشكسبير، بطولة أورسن ويلز، والذي أكد في هذا الفيلم علي شخصيته الفنية ومدي تأثره وتأثيره في وبالإرث المسرحي الشكسبيري. وفي عام 1979 أخرج فيلم (لقاء مع رجل عظيم). ولقد أخرج أيضا، حينما كان مديرا لـ(فرقة الرويال شكسبير) في لندن: تيتوس آندرونيك، بطولة لورنس أوليفييه وفيفيان لي، وكذلك أخرج ثانية فيلم (الملك لير) ولكن هذه المرة من بطولة بول سكولد وليس أورسن ويلز، و(حلم ليلة صيف). وعندما نشاهد أفلام بيتر بروك جميعها وبلا استثناء، نشعر منذ الوهلة الأولي بمدي حب وعشق هذا الرجل للمسرح.وحتي عندما استقر في باريس عام 1968، وأسس (مركز البحوث المسرحية العالمية) في مسرح البوف دي نورد، أخرج خلال أعوام اقامته التي يبدو أنها باتت دائمة، الأعمال والأفلام التالية: تيمون الأثيني، عن مسرحية لشكسبير، و(IKA)، و (الملك أوبو) عن مسرحية للفريد جاري، والعين بالعين، عن مسرحية لشكسبير، ومؤتمر العصافير، المأخوذ عن كتاب (منطق الطير) لفريد الدين العطار النيسابوري، وبستان الكرز، المأخوذ عن مسرحية لتشيخوف تحمل نفس الاسم، وفيلم (كارمن) المأخوذ عن قصة للكاتب الفرنسي ميريميه، وفيلم المهابهاراتا، المأخوذ عن أسطورة هندية تحمل نفس الاسم. نلاحظ من خلال هذا كله، أن جميع الاخراجات التي قدمها بيتر بروك سينمائيا تؤكد بل تشهد علي العمق الفكري والتأمل الطويل لهذا الرجل حول وفي مجال المسرح، اذ أن جميع أفلامه تقريبا قبل أن تكون أشرطة سينمائية تُشاهد في صالات السينما المظلمة كانت أعمالا مسرحية. لقد كان اهتمام بروك منصبا منذ البداية علي المسرح والسينما في آن واحد. ولعل هذا أهم ما يميز انشغالاته الدائمة في المجالين، ويفسر اندفاعه المستمرة في البحث عن كل ما هو جديد. فهو يمقت التكرار، وكل ما هو ثابت غير متحرك، ويبتعد عن كل ما هو مؤكد، ويعتقد ان كل شيء يجب أن يخضع للامتحان والتطبيق لكي يعاد اكتشافه من جديد. لهذا نراه منذ بداية حياته الفنية وهو يرفض هيمنة النظريات والعقائد الجامدة، ويحاول قدر ما يستطيع أن لا يتقيد بأي اتجاه أو مذهب سواء كان ذلك مسرحيا، سياسيا أو فيلسوفيا.علي الرغم من العلاقة القديمة ما بين المسرح والسينما، وعلي الرغم من اشتغال مخرجي المسرح في السينما وانتاج تجارب خارقة للعادة، ورغم نقاط الالتقاء والتقارب بينهما يبقي الاختلاف شاخصا، ليس علي المستوي الصناعي والواقعي للسينما، وتأثير كل منهما علي المتفرج والي آخره، وانما علي صعيد مفهوم الاخراج نفسه. يقال ان مفهوم (الاخراج) كبير ومن الصعب حصره في تعريف أو شرح بسيط، لأنه وبكل بساطة يشتمل علي أشياء كثيرة جدا. علي سبيل المثال، في السينما، التي هي بمثابة معمل جماعي، يكون المخرج فيه المؤلف الأوحد والمطلق، وجميع العاملين فيه علي اختلاف مستوياتهم وامكانياتهم، ليس الا مجرد أدوات في خدمة رؤيته. ان العديد من الأشخاص الذين تساءلوا حول هذا الموضوع، اعتقدوا أن عمل المخرج في المسرح هو نفسه أو بالأحري يشبه عمل المخرج في السينما. لسوء الحظ، أن جميع هؤلاء قد مروا بالقرب من الحقائق الافتراضية الغنية للشكل المسرحي، لأن العديد من المخرجين الذين اشتغلوا في حقل المسرح، اعتقدوا في البداية، أن دور المخرج ينحصر في استعمال وتحريك جميع الوسائل التي وضعت في حوزته من: اضاءة، ألوان، أزياء ديكور، مكياج، حوار وتمثيل، كما لو أنه أمام آلة كاتبة أو بيانو، وأنه بمجرد ما يجمع العناصر التعبيرية يستطيع أن يبدع أو يخلق لغة الاخراج، حيث الممثل الذي هو اكثر من جوهري وأساسي يتبع ويخضع لجميع العناصر النحوية الأخري. وهذه هي فكرة المسرح الشامل الأكثر بلوغا ونضجا.ان المسرح كحدث يحتوي علي امكانية وضع وجهة نظر فريدة محل العديد من وجهات النظر المجاورة والمختلفة، مثلما بامكانه أن يظهر العالم بأبعاد متعددة، في حين أن السينما، تبحث بلا كلل وبلا ملل عن التأثير التجسيدي، وتكتفي ببعد واحد. المسرح يحصل علي قوته وكثافته من تفرده وتكريسه نفسه لهذا العالم العجيب الذي يعمل علي ابرازه والكشف عنه، مثلما ينتج ظاهرة قريبة من ذلك المنهج الأحادي التعبير الذي يرمم الشكل الخارجي للأشياء، بفضل تشابك وتداخل حزم اشعاعية. وعند فهم لحظة من الحياة فيه، في قمة كمالها المقنع، يحدث ويتفجر لدي المتفرج والممثل نوع من تعاقب المصادر المختلفة، التي توجه نحو نفس النقطة وفي ذات الوقت. وبمجرد اجتماع بسيط لمجموعة من الشخصيات، أول ما يظهر ويبدو للعيان الحاجز المنيع بين مختلف وجهات النظر. هذه هي مادته الأساسية التي سوف تسمح فيما بعد، أي بعد جريان الأحداث، باثارة وشحذ وجهات نظر متناقضة. لهذا نطلق علي المسرح بفن المفارقة. وبامكاننا الذهاب بعيدا ونقول انه المفارقة ذاتها، فهو نتاج أدبي وفي نفس الوقت، عرض مادي؛ وهو في ذات الوقت، فن خالد (قابل لأن يعاد انتاجه وتجديده دائما وأبدا)، وهو فن آني (لا يمكن اعادة انتاجه بنفس الطريقة التي تم تصويره فيها من قبل) لأن العرض الذي يقدم اليوم لا يمكن أن يكون أبدا هو نفسه غدا؛ فهو فن علي حد قول أنطونين أرتوAntonin Artaud صنع لأجل عرض ونهاية واحدة. انه فن اليوم، وان عرض الغد، الذي هو نفسه كان عرض البارحة، يُمثل من قبل أشخاص تحولوا الي شخصيات أخري وأمام جمهور هو الآخر مختلف؛ لهذا فان الاخراج الذي عُمل أو اعتمد من قبل مخرج في مسرحية قدمت منذ ثلاثة أعوام لا يستطيع أن يحافظ علي بهائه الكامل ونوعيته، لأنه مع الزمن يموت وتتقادم عليه السنون، في حين أن النص نفسه يبقي، نظريا ثابتا وغير متغير، الي الأبد.ان الحوار في المسرح يبني ويؤسس العناصر الجوهرية للمسرحية. انه يقترح التوتر الذي يكشف عن الاتفاق الكلي بين الشخصيتين. وهذا بحد ذاته الصراع البارع والمعلن ما بين وجهتي نظر متعاكستين. لهذا يتوجب علي المؤلف أن يعطي لكل واحدة منهما نصيبها من الحقيقة وبالتساوي والا فستكون النتيجة ضعيفة.في المسرح، يتوجب علينا اختراق رأيين متعارضين، بنفس الفهم. لهذا علي المؤلف أن يكشف عن ولعه بشخصياته، بالدخول معها في مشاركة، ووحدة شعور، مثلما يفعل تشيخوف مع شخصياته. انطلاقا من هذا، اذا وجدت عشرين شخصية في المسرحية، واذا أعطي المؤلف كل شخصية من الشخصيات العشرين حقها بنفس القوة الاقناعية، سنحصل بلا شك علي معجزة شكسبيرية، لأن هذا ما يفعله شكسبير مع شخوصه، انه يحملها الحقيقة التي يريد الكشف عنها بالتساوي وبنفس القوة الدرامية.مقابل هذا التدرج الوفير من القيم، والمواد المكثفة، نستطيع أن نفهم عمل المخرج أكثر فأكثر. فالمخرج الذي يكفي نفسه بنفسه بوجهة نظر واحدة أو معالجة شخصية معالجة خاصة حتي وان كانت هذه الأخيرة قوية وأساسية، ويتناسي الشخصيات الأخري، فانه حتما سيضعف البقية الباقية من الشخصيات والمسرحية كذلك.اذن، علي المخرج أن يعتني بجميع التيارات الغامضة بالنص وبالتساوي. هذا بالاضافة الي أن الممثل سيحاول وبسهولة أثناء العمل أن يفرض تصوره الخاص، سواء كان نظريا أو ما يستحوذ عليه من شعور أو فكرة، وهنا علي المخرج أن يعالج الأمر بطريقة مثلي. ان المسرح بطبيعة الحال، يحتوي علي مجموعة من العاملين، الذين بمستطاعهم أن يكونوا جميعا نافعين، ولكن يتوجب عليهم أولا وقبل كل شيء، أن يخدموا الهدف، الذي يعمل علي اظهار الفهم الذي يتجاوز المفهوم الحقيقي لكل واحد منهم. وعندما يتحقق هذا فقط، يمكن أن نري دور الديكور، الأزياء، الانارة … والخ. ان هذه العناصر ستعثر علي مكانها الطبيعي عندما يخرج وينتظم كل هذا الذي ولد داخل المجموعة البشرية العاملة. وليس هناك اكثر هدما وتحطيما للعمل المسرحي من الاقحام التشكيلي أو الموسيقي. وهذا ما يحدث غالبا، عندما يفرض علي العمل المسرحي، هذا الديكور أو تلك الموسيقي بشكل مبكر، حتي لو تم ذلك بموافقة المخرج نفسه.وبعد العديد من التمارين التي تقتضي الأسابيع تلو الأسابيع، لم يعد المخرج هو نفسه. انه يستغني وتتسع آفاق رؤاه نتيجة لعمله مع الآخرين. لهذا ان الفعل الحقيقي والأساس لوضع الشكل شبه النهائي للعمل المسرحي لا يأتي الا متأخرا، ولا يكون ممكنا الا في لحظة العرض نفسها. ونعتقد أن كل مخرج من المخرجين قد عاش هذه التجربة، تجربة أن يري عمله في آخر تمرين من التمارين متماسكا، ولكن بحضور الجمهور يصبح هذا التماسك تألقا وشظايا لمعانه ترتسم علي كل الحضور، سواء كانوا في الصالة أو فوق الخشبة. ان العمل الجيد لا يعثر علي نفسه الا في العرض الأول له. وهكذا مع كل عرض يتجدد ويتأسس ويتشكل من جديد، خاصة اذا كان العاملون فيه مخلصين وأوفياء، لأنه بغير ذلك، يمكن أن تكون النتائج معكوسة، لا سيما أن العلاقة الحية مع الجمهور بقدر ما هي عظيمة ومشوقة بقدر ما هي خطرة ويمكن أن تؤدي الي التهلكة والضياع. وهنا يكمن كل الاختلاف ما بين السينما والمسرح. في السينما كل شيء محفوظ ومنقوش علي سطح شريط سينمائي قد صور ذات يوم، الصورة فيه والفعل ثابتان لا يتحركان، في حين أن العرض المسرحي، يأخذ شكله الحقيقي وديناميكيته من الحضور الحي للجمهور ومن العلاقة الجدلية ما بين الصالة والجمهور.ہ مسرحي من العراق يقيم في باريس0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية