عمليات السلام مع اسرائيل لم تؤد الا الي الاستلاب

حجم الخط
0

عمليات السلام مع اسرائيل لم تؤد الا الي الاستلاب

أهداف سويفعمليات السلام مع اسرائيل لم تؤد الا الي الاستلاب قبل أن يقال وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد من منصبه، كان يترأس مجموعة عمل في البنتاغون تسمي مجموعة التحول تعاونت مع فريق من الجيش الاسرائيلي لبلورة استراتيجية للسيطرة علي الفلسطينيين بعد انسحاب الجيش الأحادي من غزة وبعض مناطق الضفة الغربية. وحسب الباحث المهندس الاسرائيلي ايال وايزمان، تم الاتفاق علي تحقيق هذه السيطرة عن طريق احتلال خفي: توصد اسرائيل المظاريف الصلبة (الجدار) حول المدن الفلسطينية ثم تقوم بـ توليد مؤثرات معينة داخل المدن تستهدف العناصر البشرية للمقاومة . وقد رأينا الجيش الاسرائيلي ينفذ هذه الاستراتيجية في بلدة بيت حانون في قطاع غزة في الأسبوع الماضي حيث قتل 19 فلسطينيا وهم نيام.سوف يري العالم المزيد من هذه الأعمال. يقول وايزمان أن رئيس أركان الجيش الاسرائيلي، الجنرال دان حالوتس، أقر بأن الجيش يري الصراع ضد الفلسطينيين علي أنه صراع بلا حل وقد وطن نفسه علي القيام بمهامه في بيئة متشبعة بالصراع، وفي اطار من العنف الأبدي… ويتوقع الجيش أن يقوم بعملياته بالشكل الذي يسمح له أن يتجنب بالكاد المقاطعة الدولية، حافظا الصراع علي درجة من الحرارة تسمح للمجتمع الاسرائيلي أن يعيش ويزدهر في اطاره. فها هي وظيفة اضافية للجدار: أن يحمي المجتمع الاسرائيلي من أن يعي تفاصيل الأعمال الوحشية التي يقوم بها جيشه باسمه. ومع كل هذا يظل مثقفو اسرائيل يتعجبون ويتساءلون حول ماهية الحالة المرضية التي أصابت مجتمعهم. الأستاذان يزرائيل آومان وآرون تشيكانوفر حائزان علي جائزة نوبل في العلوم، وهما يشكوان ـ في حديث لهما في 29 تشرين الاول (أكتوبر) مع الصحيفة الاسرائيلية يديعوت أحرونوت ـ من المرض العضال … الخواء الروحي… السرطان الذي ينتشر في المجتمع الاسرائيلي . وهما يرجعان كل هذا الي نوع من الأنانية المعممة ـ ومن الطريف أنهما يعتقدان أن هذه الأنانية قد تكون مناسبة للحياة في سويسرا مثلا، ولكن ليس في اسرائيل! وهذا الوضع المرضي، في رأيهما، لا علاقة له بـ العدو حيث أن اسرائيل بوسعها أن تتعامل مع العدو بـ حكمتها وتقدمها التكنولوجي ـ وقد رأينا ضربا من هذا التعاون في بيت حانون. وقد شكك أينشتاين (أشهر عالم يهودي يحوز علي جائزة نوبل) في الصهيونية السياسية، فوقع خطابا نشرته جريدة النيويورك تايمز في كانون الاول (ديسمبر) 1948، يحذر من ظهور حزب الحرية في اسرائيل، وهو الحزب الذي رأسه مناحم بيغن ـ الذي أصبح فيما بعد رئيسا لوزراء اسرائيل. ويذكر الخطاب بلدة دير ياسين حيث قتل بيغن ورجاله 240 من النساء والرجال والأطفال الفلسطينيين وكانوا يفتخرون بهذه المجزرة ، ويستطرد الخطاب مؤكدا ان هذه هي العلامة الدامغة لحزب فاشي، يستخدم الترويع والكذب كأدوات يصل بها الي غايته المنشودة وهي دولة القائد . وربما يكون من المفيد أن يتأمل الأستاذان آومان وتشيكانوفر فيما قد يكون رأي أينشتاين فيما شاهدناه في بيت حانون وبيت لاهية في الأسابيع الماضية.ذكرنا الكاتب والروائي الاسرائيلي ديفيد غروسمان بهاملت شكسبير في الخطبة التي ألقاها في ذكري اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق اسحق رابين في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر). الا أن غروسمان، حين شكا من وجود شيء عفن في دولة اسرائيل كان يقصد فقط ان اسرائيل تفتقد ملكا أو قائدا يستطيع أن يتوجه الي الشعب الفلسطيني، متخطيا حماس (الحكومة المنتخبة للشعب الفلسطيني والتي قامت اسرائيل باختطاف نصف وزرائها) داعيا للبدء في عملية سلام جديدة. عملية سلام جديدة؟ وكل عمليات السلام التي دخل فيها الفلسطينيون أو فرضت عليهم لم تؤد الا الي مزيد من الاستلاب؟ لقد انتخب الفلسطينيون حماس في بدايات العام لأن عقدين من التعامل مع الحكومات الاسرائيلية علي اختلافها تسببت في افلاس السلطة الفلسطينية سياسيا وأخلاقيا. وعلي هذا فالرغبة التي يعبر عنها الـ يسار الليبرالي الاسرائيلي في فتح باب المحادثات (بدون حماس) واعادة عملية السلام الي مجراها تنم اما عن درجة كارثية من السذاجة، أو عن سوء النية. وعادة ما يكون التعبير عن هذه الرغبة مصحوبا بالنـــحيب علي مشــــروع نــبيل ضل طريقه بشكل ما.ان السر العفن الذي يقبع في قلب الدولة الاسرائيلية هو رفضها للاعتراف بأن المشروع الصهيوني في الأراضي الفلسطينية ـ مشروع انشاء دولة تقوم علي قتل وافقار وتهجير أهل الأرض الأصليين ـ هذا المشروع لم يكن يوما نبيلا. فالأرض التي اشتهاها كانت وطنا لشعب آخر، وقد قام مؤسسو الدولة الاسرائيلية بقتل وترويع وتهجير أبناء ذلك الشعب كي يتسني لمشروعهم التحقق. لكن الشعب الفلسطيني يحيا، وهو ملء العين والسمع في كل مكان. واسرائيل ـ كي تحمي تنكرها للحقيقة ـ تضطر لانكار وكتم الرواية الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني، ولكي تستكمل تنفيذ مخططها في الأراضي الفلسطينية تضطر للعمل علي أن يختفي الفلسطينيون، فما بدأ سيئا لا يقوي الا بالسوء، وهكذا يستمر التطهير العرقي. يتآمر الوزير الاسرائيلي الجديد أفغدور ليبرمان علي مواطني اسرائيل من الفلسطينيين، ويبيد الجيش الاسرائيلي ويروع فلسطينيي الضفة الغربية وغزة، ويحاول الصهاينة وأصدقاؤهم اسكات أصوات الفلسطينيين في الخارج ـ وبالذات في الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته تظل اسرائيل مصرة علي انها بلد متحضر، محترم، محب للسلام، يضيء الآفاق للأمم بنوره.كيف يمكن لمجتمع يعاني من هذه التناقضات أن يزدهر؟ وكيف يمكن لمن يعيش داخل المشروع الصهيوني كمواطن يهودي متميز أن يعجب من حالة الحصار التي يستشعرها؟ علي اليسار الليبرالي الاسرائيلي أن يعي محنة شخصية أخري من شخصيات شكسبير حين يقول: جلامس قد قتل النوم؛ ولذا فكودور لن ينام بعد اليوم، ماكبث لن ينام بعد اليوم .لن تشفي اسرائيل ولن تتعافي الا اذا اعترفت بماضيها وكفرت عنه، وهو ما يسمي بـ عملية الحقيقة والمصالحة . فلا يمكن للمواطن الاسرائيلي أن يظل داخل الاطار الصهيوني، منتفعا منه، ويحسب نفسه في الوقت ذاته من مواطني العالم الصالحين. وقد اختار العديد من مواطني اسرائيل أصحاب الشجاعة والبصيرة طريقهم، فالبعض غادر البلاد، والبعض بقي، والكل ملتزم بفضح حقيقة آليات المشروع الصهيوني وتكلفته الغالية. منذ بدأت المحادثات (العلنية) في عام 1988، كانت المبادرات ومفاوضات السلام وخرائط الطرق تهدف كلها الي اقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة وعاصمتها في القدس، مع التعامل بشكل عادل مع قضية اللاجئين. ولم يتحقق أي جزء من هذا الهدف خلال عشرين عاما. وتدل روايات الشهود حول محادثات كامب ديفيد في عام 2000 علي أن اسرائيل لم تجد الارادة السياسية وقتها لتقديم عرض يلبي للفلسطينيين القدر الأدني من مطالبهم، وهي تفتقر الي هذه الارادة السياسية حتي اليوم، فمن هنا تأتي فكرة الـ مظاريف الصلبة الموصدة . ولعل الاحساس بوصول الأزمة الي مرحلة جد خطيرة هو الذي حدا بالبعض لفتح الحديث مرة ثانية عن الحل الأقصي مثالية: الدولة الديمقراطية، التي لا تقوم علي اعتبارات دينية أو عرقية، والتي يجد فيها كل من الفلسطيني والاسرائيلي موطنا.نشر عالم الاجتماع (ومؤسس الموقع الالكتروني الانتفاضة الالكترونية ) علي أبونعمة مؤخرا كتابا بعنوان بلدا واحدا ، كما نشر المؤرخ الاسرائيلي ايلان بابي كتابا بعنوان التطهير العرقي لفلسطين ، والكتابان يدعوان الي حل الدولة الديمقراطية الواحدة. وما يرتكز عليه الأمل في هذا الحل هو، كما يقول بابي، تلك الجماعات داخل المجتمع الاسرائيلي، التي اختارت أن تشكلها الاعتبارات الانسانية بدلا من الهندسة الاجتماعية الصهيونية والي جانبهم الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني الذي رفض أن تفقده عقود من الاحتلال الاسرائيلي الهمجي انسانيته، والذي ما زال يأمل ـ رغم أعوام من القهر والتشتيت ـ يأمل في المصالحة . ہ كاتبة وروائية من مصر9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية