كل من يهمه امر سكان غزة عليه اعادة الاستيطان اليها وانهاء كذبة فك الارتباط

حجم الخط
0

شيئا فشيئا تتحول الي شيشان جديدة.. قتلنا 350 فلسطينيا

يتوجب اعادة المستوطنات الي غزة. كل من يهمه مصير سكان القطاع ملزم بتمني اعادة بناء نتساريم وكفار دروم. لو كنت فلسطينيا لحلمت بمشاهدة دوغيت ونيسانيت وهما تنبعثان من جديد. هذه المستوطنات كانت تشكل درعا بشرية أخيرا للمليون ونصف مليون غزاوي، الذين يعتبرون اليوم أحد المجتمعات الأكثر عجزا وضعفا في العالم. محبوسين من دون أي مساعدة، ومُعرضين للجوع المفترس، سكان غزة عُرضة للضربات من دون أي حماية حيث يسقطون ضحية للعمليات الانتقامية الاسرائيلية.

غزة التي دفنت 350 قتيلا منذ الصيف الأخير، قد تتحول الي الشيشان. آلاف الجرحي والمعاقين والمصدومين نفسيا الذين لا يتلقون أي علاج، يتجولون فيها، ومن يحتاج منهم الي التنفس الصناعي قد يموتون بسبب انقطاع الكهرباء المتكرر الذي يحدث منذ قصف اسرائيل لمحطة الطاقة في القطاع. عشرات آلاف الاطفال يعانون من الهلع الشديد، وأهاليهم عاجزون عن مد يد العون لهم. هم يتعرضون لمشاهد لم يتسنّ حتي لعجائز غزة أن يروها خلال عمرهم المديد.

من لا يُصدق، فهو مدعو للسفر الي بيت حانون التي تقع علي مسافة ساعة سفر من تل ابيب. الصدمة النفسية تتعاظم هناك في تلك البلدة التي فقدت 80 من أبنائها وبناتها في بحر اسبوع. بين الأنقاض يتجول أشباه البشر. في الاسبوع الماضي قابلت هناك أناسا مذعورين مكتئبين مجروحين ومُهانين وثكالي، لا يعرفون ماذا يحدث معهم. ما الذي يمكن قوله لهم؟ أن يتوقفوا عن اطلاق صواريخ القسام؟ ذلك لأن الاغلبية الحاسمة منهم لا يعرفون شيئا وليست لهم علاقة بذلك. أن يعيدوا جلعاد شليط؟ ما علاقتهم به؟ هم يعرفون فقط أن الجيش الاسرائيلي سيعود، وهم يعرفون معني هذا الأمر بالنسبة لهم: المزيد من الحبس في المنازل طوال اسابيع والمزيد من الدمار والقتل بأرقام خيالية ومن دون ذنب اقترفوه. في الساحة الجنوبية المظلمة لدولة اسرائيل تحدث كارثة انسانية واسعة الأبعاد. اسرائيل والعالم، بما في ذلك الدول العربية، يغمضون أعينهم، والمفر اللامنطقي، مهما بدا ذلك للسامعين، يمكن أن يكون – الحنين الي عهد المستوطنات. الوضع يائس وبائس الي هذا الحد. اعادة المستوطنات قادرة، لو حدثت، علي أن تُزيل نهائيا فرية فك الارتباط وزيفها. لأن ذلك وحده هو الذي يحول دون مواصلتنا لقصف غزة بنجاح وكأن الاحتلال الاسرائيلي قد انتهي هناك. منذ كذبة اللاشريك لم نشهد لمثل هذه الكذبة مثيلا. هذه الكذبة تقول ان اسرائيل قد خرجت من غزة، وأن الاحتلال قد انتهي، وأن غزة الحرة والمحررة تطلق علينا صواريخ القسام مقابل كرمنا وسخائنا. رغم أنه لا يوجد كذب أكبر من هذا، إلا أن الاسرائيليين جميعا تقريبا يشترونه بعين مغمضة. بدلا من بناء بلادهم يقول الاسرائيليون مستغربين، ها هم يطلقون النار علينا. إلا أن الحقيقة معاكسة لذلك تماما: غزة تواصل العيش تحت احتلال لاانساني، وما حدث فقط هو أنه غير موقعه ومكانه، وما صواريخ القسام إلا تذكير دموي بذلك.

يتنافس اولئك مع هؤلاء حول الأفكار الوحشية، وزير الدفاع يقترح سياسة التصفيات، ووزير الزراعة يقترح شن عمليات أشد ضراوة. هناك من يؤيد سياسة العين بالعين، وآخر يدعو الي إزالة بيت حانون عن الوجود، وثالث يقترح قضم بيت لاهيا. هذا من دون أن يتوقف أحد للحظة ليفكر بما يقوله. ماذا تعني بالضبط إزالة بيت حانون عن الوجود؟ ماذا تعني هذه الكلمات المرعبة؟ بيت حانون هي بلدة يقطنها 30 ألف نسمة اغلبيتهم من الاطفال الذين قد تعمقت معاناتهم وتجذرت، عاطلين عن العمل جياعا من دون حاضر ولا مستقبل، ضعفاء بلا حماية في مواجهة الردود العسكرية الاسرائيلية العنيفة التي فقدت كل كوابحها.

النسبية في الأفعال وردود الأفعال مطلوبة ايضا عند التحقق من درجة معاناة البلدة المجاورة سديروت. يتوجب أن نقول باستقامة: معاناة سديروت مهما كانت مؤلمة وصعبة إلا أنها لا تُقاس بتاتا بمعاناة جارتها بيت حانون. سديروت تبكي الآن قتيلة واحدة، أما بيت حانون فتبكي 80 قتيلا. سديروت تملك جيش الدفاع الاسرائيلي وغايدميك، أما بيت حانون فلا تملك شيئا. هذا من دون أن نقول كلمة بعد حول الحرية والوضع الاقتصادي. هل يتوجب أن يكون ذلك عزاء لسكان سديروت؟ بالتأكيد لا. ولكن هل أسهم الناس الذين قُتلوا سدي في بيت حانون بشيء ما في خدمة أمن سكان سديروت؟ أحداث الايام الأخيرة تبرهن بصورة صارخة أن الجواب علي ذلك هو لا.

من هنا خسارة أنه لا تنطلق من سديروت نداءات شجاعة تطالب برفع اليد عن بيت حانون لانه طالما بقي الناس يُقتلون هناك فسيُقتلون عندنا ايضا.

بعد قليل ستصبح غزة مثل دارفور، ولكن في الوقت الذي يقدم فيه العالم لدارفور شيئا ما، هو يتجرأ حتي في تشديد قبضته علي غزة. بدلا من مقاطعة من ينكل بسكان غزة، يقوم هذا العالم بمقاطعة الضحية ويمنع عنها المساعدة التي تتعطش لها. عشرات آلاف العاملين الذين لا يتلقون رواتبهم البائسة بسبب المقاطعة هم هدية العالم لغزة، هذا في الوقت الذي لا تقوم فيه اسرائيل بقتلهم فقط، وانما تُقدم علي سرقة اموالهم ايضا وتحبسهم من كافة الاتجاهات ولا تُقدم لهم أي أمل بالخلاص.

ما الذي تتوقعه اسرائيل؟ كيف استفدنا من عبرة حرب لبنان التي تقول لنا ان اطلاق الصواريخ علي اسرائيل لا يتوقف إلا بالاتفاق؟ وما الذي ينتظره العالم؟ بدلا من أن يهب لارسال قوة دولية فورية للدفاع عن السكان وإزالة المقاطعة، يواصل العالم تجاهله القاسي. اذا أعدنا التفكير في الأمر فربما تعتبر فكرة اعادة المستوطنات الي غزة فكرة غير ناجحة جدا، ولكن في غياب هذه الفكرة من الذي سيقوم بتخليص سكان غزة؟

جدعون ليفيكاتب متخصص في حقوق الانسان(هآرتس) ـ 19/11/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية