الانكشاريون الجدد وذيل الأسد

حجم الخط
0

الانكشاريون الجدد وذيل الأسد

د. محي الدين عميمورالانكشاريون الجدد وذيل الأسد كتبت مقالي الأخير عن القضية الفلسطينية ثم توقفت لأحاول فهم حقيقة ما يجري علي الساحة العربية بعد كل التطورات التي عرفتها القضية، وآخرها الفيتو الأمريكي ضد قرار مجلس الأمن الذي كان مفروضا أن يُندد بجرائم اسرائيل في بيت حانون، التي رفضت المبادرة الاسبانية الفرنسية الايطالية، لأنها تريد أن يظل كل شيء بيد الولايات المتحدة الأمريكية، كأصدقائنا في شمال العراق وحلفائهم.ومنذ سنوات وأنا أنادي بضرورة اللجوء الي الجمعية العامة للأمم المتحدة لتنصفنا، بلاغيا علي الأقل في المرحلة الأولي، من مجلس الأمن الذي تتحكم فيه واشنطن بالمقايضات تارة وبالابتزاز تارة وبحق النقض عندما تغلق دونها الأبواب.لكن كثيرين سفّهوا رأيي، وكانوا يتصورون أن من يُسيّر مجلس اللا أمن ويتحكم فيه قد يتفهم وضعية حكامنا، العرايا أمام شعوبهم، فيحاول أن يعطيهم شيئا يسترون به عوراتهم السياسية ليضمن بقاءهم وبالتالي سلطته علي المنطقة، وكنا نأمل أن رفقاء العم سام سيجدون من أساليب الضغط ما يمكنهم من مساومته علي ذلك، في حدوده الدنيا علي أقل تقدير، والتي يمكن أن تتضمن مجرد لوم اسرائيل علي تجاوزاتها.كل ذلك لم يحدث، وكان الموقف الأمريكي من مأساة بيت حانون لا يختلف عن موقفه قبل ذلك من مجزرة جنين، التي لم يمكن حتي انشاء لجنة دولية للتحقيق فيها.وفي الوقت نفسه يتزايد الهياج ضد ايران وحول سورية وبخصوص دارفور وعلي كوريا الشمالية، وكأن مشاكل العالم كله يستقطبها هذا المربع الآسيوي الافريقي الذي يُضاف له عنصر أمريكا الجنوبية المتمثل في شافيز.وأطرح السؤال المحدد حول السبب الذي يجعلنا في مؤخرة الأمم، بحيث يكون ممثل الكونغو في مجلس الأمن أكثر رجولة من بعض قياداتنا، وأصل الي الاستنتاج بأن التنديد بحكامنا وحده لا يكفي، ان لم أقل انني أحس أحيانا بالعطف علي هؤلاء الذين يستقطبون عداء شعوبهم من جهة واحتقار الخصوم والأعداء من جهة أخري، وهم لا يملكون من أمر أنفسهم شيئا.والواقع هو أن الحاكم الذي يستطيع اتخاذ القرار المنسجم مع ارادة شعبه هو الحاكم الذي يُعبّر فعلا عن ارادة ذلك الشعب ويُمسك فعلا بمقاليد الأمور في ذلك البلد.ببساطة أكثر، السلطان الذي جيء به، بشكل أو بآخر، أو السلطان الذي يدين ببقائه لآخرين، لا يُمكن أن يتصرف الاّ طبقا لارادة من جاء أو جاءوا به، واذا كان وجود الحاكم علي عرشه جزءا من طبخة سياسية معينة فان من المؤكد في أغلب الأحيان أن يكون الخارج جزءا من تلك الطبخة، ان لم أقل أنه غالبا ما يكون الطباخ الحقيقي الذي يجد في البلد من ينسجم مع ارادته وينفذ مطالبه.ولقد أمكن التخلص من الحكام الفاعلين من أمثال جمال عبد الناصر وفيصل بن عبد العزيز وذو الفقار علي بوتو وآخرين، وكثيرون ممن تولوا الحكم عبر الوطن العربي وجدوا أنفسهم غالبا أسري وضعية لا تماثلها الا وضعية السلاطين الذين أقاموا انكشارية لحمايتهم فتحول هؤلاء في مرحلة أولي الي حاجز بينهم وبين شعوبهم، ثم الي قوة ضاغطة تجعل من السلطان حبيس قصره وأسير من فيه، ومعظمهم أعين لأعدائه المباشرين أو للطامعين في أكل الشوك بفم السلطان المُغيب عن الوجدان.وما نعيشه اليوم في معظم أقطار الوطن العربي هو انكشارية جديدة استفادت من كل تطورات العصر وخلقت سرطانا حقيقيا يرتبط بقيادة لامرئية تسير كل شيء وتتحكم في كل شيء وتفرض ارادتها علي كل شيء.وكان خلق الانكشارية الجديدة ضريبة دفعها كل حاكم انتصر بهم علي خصومه، وكان يتصور أن قصة محمد علي باشا ومماليك القلعة يمكن أن تتكرر بدون نهاية، وتغافل عن أن مماليك اليوم استطاعوا تكوين مكاتب دراسات تستخدم كل ما وصل اليه العصر من انجازات، وتضع أمامهم كل التجارب عبر السنين والبلدان وتستخلص عبرها ونتائجها، وهكذا أصبح لهم رجالهم في كل مكان، من القصر الملكي أو الأميري أو الجمهوري الي أصغر مجموعة ادارية في البلاد، وعبر كل المواقع التي يمكن أن تشكل مراكز نفوذ للسلطان وسواء كانت مواقع سياسية كالأحزاب أو مواقع فكرية كالصحف أو مواقع ردعية كالجيش والشرطة.وأنا أعرف أن هناك استثناءات بدرجات متفاوتة من عناصر الاختلاف ولكن المحصلة النهائية هي أن السلطان يجد نفسه مقيدا باعتبارات كثيرة تجعل قراره مجرد جنين لا يمكن أن يولد لأنه لا يجد منفذا للخروج، فيموت مختنقا بنفس السائل الذي كان يستمد منه الحياة.ولقد كانت معظم تعيينات السلاطين أو الملوك أو القادة تمر علي أجهزة متعددة يتسم أداؤها بحجم من التناقض المنبثق من تناقض الطموح السلطوي أو المصالح المادية، بما يجعلها لا تتفق غالبا علي رفض اختيار معين يمكن أن يكون ذا فائدة استشارية للحاكم، ولكن تطور الأوضاع وشلل الحكام أو سذاجتهم في بعض المراحل قلصت الي حد كبير من حجم التناقض بين سلطات الفرز والبحث والاستقصاء، وهكذا أصبح من الممكن أن تكون هناك عمليات مقايضة بينها قد تصل أحيانا الي الاتفاق علي اختيار لا يخدم بأي حال سلطة الحاكم بقدر ما يدعم نفوذ المصالح والأجهزة.وأتصور أن هذه كانت وضعية الرئيس عبد الناصر في حزيران/ يونيو 1967، ووضعية بهوتو وهو يختار ضياء الحق حارسا أمينا له وقائدا لأركان حربه، ووضعية آخرين ارتاحوا لملمس الثعبان وكانوا يتصورون أن ترويضه أمر مفروغ منه. هذا هو الوضع الذي يعيشه معظم الحكام في العالم العربي والاسلامي، فجلهم لا يملك من السلطان الا مظاهره الخارجية في حين أن القرار الحقيقي هو في يد كائن سرطاني يتسرب الي كل المواقع بل والي كل الأفكار. فكيف يُمكن اذن للمفعول به أن يكون فاعلا، وكيف لنائب الفاعل أن يتخذ القرار المتناقض مع ارادة الفاعل، وكيف للخبر أن يكون له معني بدون المبتدأ؟والواقع أن طرح الأمر بهذه الصورة يعني بكل بساطة أن البلد المعني لا يضم طبقة سياسية مستنيرة ولا مجتمعا مدنيا يتكامل معها لخلق الديناميكية المطلوبة والنشاط السياسي الاجتماعي المطلوب.وهنا بيت القصيد.فمعظم الأقطار العربية والاسلامية لا تضم طبقة سياسية فاعلة تتشكل من أحزاب حقيقية منبثقة من الارادة الحرة للمواطنين، ومعظم التشكيلات الحزبية هي تنظيمات كرتونية تتمحور حول عدد من الأشخاص الذين يحتفظون بروابط حسنة مع أجهزة نفوذ مؤثرة، بعضها مالي والبعض الآخر مخابراتي، وجل تلك الأحزاب الفوقية لا تستطيع أن تجند عددا من المواطنين يكفي للتأثير علي مركز القرار في هذا الاتجاه أو ذاك. وهذه هي مأساة الوطن العربي الحقيقية، فالانكشارية الجديدة تسيطر علي كل شيء في معظم الأقطار، وأنا شخصيا، وقد سمعت تصريح أولمرت الذي يحيي المملكة العربية السعودية علي موقفها المتفهم للغزو الاسرائيلي علي لبنان لا يمكن أن أتخيل لحظة واحدة أن المقصود هو الملك عبد الله بن عبد العزيز، وهو عروبي أصيل وبدوي صادق ومسلم حقيقي ومؤمن خاشع، لأن رجلا كهذا لا يمكن أن يُفكر لحظة واحدة في أمر كهذا، بل ويقف ضده بكل حزم واصرار.لكن مباركة ما جاءت من السعودية، كما جاءت من بلدان أخري قد لا يختلف حكامها كثيرا عن الملك، وهو ما يطرح سؤالا يصبح كألم الأضراس: من صاحب القرار النهائي في بلادنا؟ويبقي أن الخروج من هذه الوضعية الكافكاوية مرهون بارادة مواطنين يبدأون من قاعدة القاعدة باجراء عمليات فرز للمستويات التي تعلو القاعدة مباشرة، وأقصد بها وحدة الاختيار القاعدي سواء كانت بلدية أو قبيلة أو لجنة شعبية أو تجمعا عائليا.وعندما يبدأ الفرز في الاتجاه نحو المستويات العليا ومع الاطمئنان الي عدم وجود اختراقات تنحرف بالعمل كله يمكن أن نقول ان الأمة هي في الطريق السليم، الذي يجب أن يؤدي الي خلق طبقة سياسية مشكلة من أحزاب حقيقية مبنية بشكل هرمي، تتكامل مع مجتمع مدني مبني بنفس الطريقة.وقد يري البعض أن الطريق السريع هو عمل انقلابي مباشر لرجال وطنيين أحرار، يقطف رؤوس القيادات المهترئة ويلجأ الي الشعب مباشرة لتحقيق الانتفاضة المطلوبة، ولكن هذا هراء، فأي قيادة انقلابية جديدة سيتم احتواؤها في الأيام الأولي أو في الشهور الأولي علي أكثر تقدير، وستضطر الي الاستعانة بمن جاءت للتخلص منهم بمجرد أن ينجح هؤلاء في استثارة الفزع الأمني لدي الحكام الجدد.وأنا لا أدعي هنا بأنني أمسكت بالأسد من ذيله ولكنني أزعم أنني أحاول التفكير بصوت عالٍ، لعل أحدا يُفكر معي في مخرج لأمتنا من هذا المصير المخجل، مصير غثاء السيل.ہ وزير سابق وكاتب من الجزائر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية