من أيام شامية إلي باب الحارة : الملا أسير الحارة الدمشقية حتي التكرار!
محمد منصورمن أيام شامية إلي باب الحارة : الملا أسير الحارة الدمشقية حتي التكرار!فجأة وجد المخرج بسام الملا نفسه أسير البيئة الدمشقية في عدد من المسلسلات الدرامية، التي استطاعت ان تكتسب، بفضل إصراره علي تحقيق أفضل صورة فنية ممكنة، صفة (الانتاج الضخم) من جهة.. و(العمل الجماهيري) من جهة أخري.. ومسلسله الأخير (باب الحارة) الذي كتبه محمد مروان قاووق وكمال مرة، وعرضته قناة (إم.بي.سي) في دورة رمضان، يأتي تكريساً لحالة الأسر التي اشتكي منها بسام في تصريح صحافي مؤخرا.. وعللها برغبة شركات الإنتاج في تكليفه بهذا النوع من المسلسلات البيئية حصرا!ومن يعرف قصة بسام الملا مع مسلسلات الحارة الدمشقية، يدرك أن الأمر بدأ حقا بـ (مفاجأة) وكان ذلك قبل أكثر من أربعة عشر عاما، حين كلفه التلفزيون السوري بنص مسلسل(أيام شامية) الذي كتبه أكرم شريم، والذي كان من المقرر أن يخرجه أستاذه المخرج علاء الدين كوكش.. لكن لأسباب لا مجال لسردها انتهي النص بين يدي بسام الملا، الذي كان قد قدم من قبل مسلسلا للأطفال بعنوان(كان يا مكان) كتبه داوود شيخاني، ومسلسلا اجتماعيا معاصرا كتبه د.فؤاد شربجي بعنوان (الخشخاش) ولم تكن له أي تجربة مع دراما الحارة الدمشقية التي كانت حاضرة بشكل أو بآخر في الدراما السورية، باستثناء سهرات المنوعات المتميزة التي كان يخرجها بسام للتلفزيون السوري في المناسبات الهامة، ويضمنها لوحات من الفلولكلور الشامي وطقوسه الأثيرة في نفوس الدمشقيين.كان بسام متخوفا من نص (أيام شامية) الذي رأي بعض أبطاله أنه يفتقر للعقدة الدرامية، ويتمحور حول قضية شارب محمود الفوال الذي رهن بعض شعيراته لقاء مبلغ من المال.. ثم ضاعت تلك الشعيرات.. وياللعار وتداعياته في مجتمع كان يري في الشارب رمزا للرجولة!!ولم يكن احد يراهن علي أي نجاح يذكر للمسلسل المذكور، حتي عرض في رمضان عام 1992، وحقق نجاحا جماهيريا كاسحاً، لأنه في ثنايا هذه القصة البسيطة والطريفة، عرض نماذج حياة حارة شامية في مطلع القرن العشرين، تعيش حياتها الأليفة والجميلة والمثيرة لكوامن الشجن والحنين، ثم دخل هذا العمل تاريخ الدراما السورية بعد ذلك باعتباره من (الكلاسيكيات) لكثرة ما أعيد عرضه علي مختلف الشاشات التلفزيونية العربية.مجزرة رقابية ومع الاستقبال الجماهيري الفاتر نسبيا لمسلسل بسام الملا التاريخي الذي تلاه (العبابيد) الذي يتحدث عن مملكة تدمر السورية، وملكتها زنوبيا التي تحدت روما والتي جسدت دورها الممثلة السورية رغدة والذي كان أضخم إنتاج للتلفزيون السوري في حينه.. عاد بسام الملا في عمله التالي (الخوالي) الذي كتبه أحمد حامد وعرض في رمضان عام 2000 عاد إلي دراما الحارة الدمشقية، عبر إنتاج القطاع الخاص وبميزانية ضخمة.. وحقق النجاح الجماهيري الكبير، رغم ما تعرض له العمل أثناء عرضه علي شاشة التلفزيون السوري حينذاك من مجزرة رقابية بسبب ادعاء بعض الجهات حينذاك بأن هناك احتجاجات جاءت من السفارة التركية، علي المبالغة في تصوير قسوة الأتراك أثناء حكمهم لبلاد الشام.. وهو أمر لم يتأكد من أوساط تركية، وإنما عزاه بعضهم إلي الخوف من أن يوتر العمل الأجواء مع تركيا، فيما ذهبت تقارير رقابية إلي أن العمل يدعو إلي ثورة أهل الشام ضد حكامهم.. وهو يعمل علي تجييش المشاعر (المعاصرة) في هذا الاتجاه!في كل الأحوال ورغم الأزمة الصحية التي ألمت ببسام الملا، أثناء عرض المسلسل، بسبب إرهاق العمل للحاق بركب العرض في رمضان، وغيبته عن الوعي فلم يقف علي ما تعرض له العمل من تشويه وإعادة مونتاج علي يد رقابة التلفزيون السوري.. فقد عرض العمل في المحطات الفضائية كاملا، وأعيد عرضه مرات ومرات.. وغدت شخصية البطل الشعبي الثائر ضد الظلم (نصار ابن عريبي) التي جسدها في المسلسل بسام كوسا، نموذجا ملهما لأطفال الأحياء الدمشقية الشعبية في الشهامة والرجولة والتفاخر البطولي.. فضلا عن أن بسام الملا، خرج رابحا جماهيريا وإنتاجيا، حيث تكرس حضوره لدي شركات القطاع الخاص، باعتباره مخرج الأعمال الجماهيرية، ذات الحبكة الدرامية المشوقة، والصورة الإخراجية المتقنة، والتي تتسابق المحطات علي عرضها!وبعد خمس سنوات من الغياب.. عاد بسام الملا العام 2005 ليقدم مسلسلا جديدا عن الحارة الدمشقية هو (ليالي الصالحية) الذي أعد له السيناريو التلفزيوني أحمد حامد عن مسلسل إذاعي كانت الكاتبة سلمي اللحام قد قدمته منذ سنوات في إذاعة دمشق، ثم أعادت كتابته للتلفزيون.. ورغم أن المسلسل ظهر بالصورة الإخراجية المتقنة، وحقق الجماهيرية الطاغية التي اعتادت أعمال بسام الملا تحقيقها، فإن العمل لم يخل من حديث عن تشابه أجوائه مع أعماله السابقة عن الحارة الدمشقية، فضلا عن أن العمل قد وضع نفسه في مأزق درامي حين أطلق علي نفسه اسم (ليالي الصالحية) وقال إن أحداثه تدور في حي الصالحية، دون أن يعكس خصوصية هذا الحي، الذي أسسه علي سفوح جبل قاسيون مجموعة من الفلسطينيين الذين هاجروا من القدس بعد الاحتلال الصليبي لها، والذين أسسوا هذا الحي خارج أسوار دمشق التقليدية وأبوابها، فكان أشبه ببلدة مستقلة فيها الأسواق والمدارس والجوامع.. قبل أن يغدو جزءا من مدينة دمشق وامتدادا لها في قرون لاحقة!أما في العمل الأخير، الذي نحن بصدده (باب الحارة) والذي يعدنا بجزء ثان منه في رمضان القادم، تم الانتهاء من تصويره مع الجزء الأول، فلا مشكلات تاريخية فيه، وإنما نفس الدوران في إطار قيم الماضي. صراع بين الخير والشر.. بين قانون الحارة الصارم، المتسم بالتكافل الاجتماعي العالي والتشدد الاجتماعي العالي أيضا.. وصراع بين التخاذل والبطولة، واستحضار لقيم وطنية، في ثوب حكائي شعبي، شخصياته حادة الملامح مفروزة بين الأبيض والأسود، بين الخير والشر.. والمشاهد مشدود إلي صراع القيم، وإلي صراع أبطال الحكاية في آن معا.معادلة قاتلة في العمل الأخير لا يقدم بسام الملا جديداً.. إنه يضيف حكاية أخري إلي رصيد الحكايات المتقنة الإخراج عن الحارة الدمشقية أيام زمان، بممثلين، تكرر حضور بعضهم كثيرا في هذه (الحكايات)، وإن كان قد اختيروا لأدوارهم بعناية، وتمت ادارتهم بشكل جيد، وتألقوا بين الممتاز والجيد والوسط في أضعف الحالات.. لكن (باب الحارة) الذي يتعامل فيه بسام الملا مع كاتبين جديدين ولأول مرة.. يؤكد لنا في المحصلة أن المخرج هو صانع مناخ وأجواء وتقاليد هذه الدراما.. فالكتاب يتغيرون، ويتفاوتون في مواهبهم وحرفيتهم، لكن الأعمال كلها تنتمي لروح كاتب واحد، يصوغ المشاهد أمام الكاميرا، فيدخلنا في حالة متحفية موغلة في التفاصيل في استذكار الأجواء، واستحضار اكسسوارات الزمن الماضي، وضبط اللهجة، وصياغة منطق الشخصيات مع تصاعد ميلودرامي حاد في اللحظات المأساوية، التي ترتكز إلي مفهوم العقاب الإلهي، وخزان القيم في الحارة الدمشقية أيام زمان.طبعا لا أريد أن أنكر هنا جهود الكتاب، لكن من يتابع هذه الأعمال كلها، يكاد يجد الأسلوب الإخراجي الملتزم بتقاليده الفنية والبيئية الصارمة، هو الذي يطغي علي روح العمل ككل، ويعطيه تلك الصورة التي نختلف حول بعض تفاصيلها الفنية والموضوعية، لكننا قد نتفق أنها صورة تلقي هوي ومتابعة حتي من الذين يرون فيها تكريسا لتخلف المجتمع وانغلاقه علي عصر شرقي مضي.. وولي إلي غير رجعة.نعم بسام الملا يكرر نفسه.. ولا يقدم جديدا.. وهو يتعامل مع الحارة الدمشقية باعتبارها متحفا للتقاليد الشعبية، وليس مدينة متجددة لم تنقطع فيها الحياة علي مر التاريخ.. والأحري ألا تنقطع اليوم(!!) لكنه يكرس أسلوبا فنيا كلاسيكيا متقناً في صياغة الأعمال البيئية.. وهو يقدم عملا رائجاً ومطلوبا علي صعيد التسويق، لكن إلي متي علي الفنان أن يضحي بالتجدد في سبيل الرائج، وفي سبيل إعادة إنتاج نجاح يطمئن هو وشركات الإنتاج إليه.. تلك معادلة قاتلة علينا أن نصحو منها جميعا، حتي لا تختلط الأعمال والصور والحكايات والأبطال في الذاكرة!ناقد فني سوري