تجربة موريتانية تستحق التقدير
تجربة موريتانية تستحق التقديرظلت دول المركز العربية مهيمنة هيمنة مطلقة علي الحياة السياسية والثقافية العربية، طوال القرن الماضي، بينما ظلت دول الاطراف تعيش في الهامش، وتلعب دور المتلقي او التابع، ولكن الأوضاع في القرن الواحد والعشرين تسير في اتجاه معاكس تماماً.فاللافت ان دول المركز العربية تعاني حالة من العطب، اما بسبب هيمنة انظمة ديكتاتورية فاسدة علي مقدرات الأمور فيها مثلما هو حال مصر، او هجمات استعمارية تستهدفها لانهاء دورها الريادي، مثلما هو حال العراق.وفي ظل تراجع دور المركز، بدأت الاطراف تتولي زمام التطور، وتقديم نماذج متقدمة في الديمقراطية وحقوق الانسان ودولة المؤسسات واطلاق الحريات والانفتاح الاقتصادي.وما يجري حاليا في موريتانيا من تجربة ديمقراطية يجسد المثل الابرز في هذا الخصوص. فبعد انقلاب عسكري حميد اطاح بحكومة فاسدة، ومجموعة من ناهبي المال العام، تشهد البلاد حالياً انتخابات تشريعية وبلدية، اجمع المراقبون علي نزاهتها وحريتها، مثلما اظهرت المشاركة الشعبية غير المسبوقة فيها مدي تعطش الشعب الموريتاني للتحضر والسير علي خطي الديمقراطية الحديثة.المنطقة العربية عاشت مرحلة خصبة من الانقلابات العسكرية، كانت دائماً ترفع شعارات الحرية والديمقراطية ومقاومة الاستعمار وتحرير فلسطين، ولم تنجح اي منها في تحقيق الاهداف التي جاءت من اجلها او حتي واحد منها، بل انتهت في معظمها حليفة لهذا الاستعمار، ووقعت معاهدات او اتفاقات سلام مع الدولة العبرية. وصادرت الحريات، ونهب قادتها وابناؤهم واقاربهم المال العام من خلال شركات وسماسرة وحسابات سرية.موريتانيا شهدت انقلابا عسكريا، ولكنه لم يكن مثل الانقلابات الاخري، مشرقية كانت ام مغربية، انقلاب وعد اصحابه باعادة السلطة الي الشعب، من خلال صناديق الاقتراع، والتعددية السياسية الحقة، والمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وها نحن نشاهد تجسيدا عمليا لكل هذه الوعود، وبعد اقل من عام واحد من الانقلاب.الكراسي لم تغر الانقلابيين بهجر ثكناتهم الي الابد، والبقاء علي كرسي العرش، مثلما فعل اقرانهم في المشرق، بل وتوريثها الي ابنائهم بعد انتقالهم الي الرفيق الاعلي، وشاهدنا عسكر موريتانيا يقدمون مثلا في التواضع والعزوف عن مباهج الحكم والثروة، والانحياز الي الفقراء والمحرومين وقيم العدالة والديمقراطية.نتمني ان يكون حكام المشرق والمغرب العربي، خاصة حكام مصر وسورية وليبيا والسعودية وكل الانظمة التي تزور الديمقراطية وتصادر الحريات، تابعوا تجربة الشعب الموريتاني وعسكره، وتعلموا منها، وحاولوا ان يقتدوا بها.شكراً للرئيس الموريتاني وزملائه في المجلس العسكري، لانهم وعدوا ووفوا بالوعد، وشكرا للشعب الموريتاني الذي ضرب مثلا في ادب الاختلاف، واحترام التعددية السياسية، والاحتكام الي صندوق الاقتراع.9