عبر الأربع والعشرين سنة التي قضاها صدام حسين في الحكم، كانت له مواقف واضحة وثابتة من قضايا الأمة وعلي رأسها القضية الفلسطينية التي قدم لها دعما متواصلا علي جميع الأصعدة. كما قدم عراق صدام العون للعديد من الدول العربية بأشكال مختلفة كالكتب المدرسية وغيرها. كل هذا رسم له صورة البطل في ذهن المواطن العربي الذي يبحث دائما عن ذلك المنقذ الأسطوري أو صلاح الدين الذي طال انتظاره. وقبيل الغزو الأمريكي جاء رفض صدام تسليم العراق لقمة سائغة نظير سلامته مع أهله ثم ما تلا ذلك الغزو من مقاومة كان ولايزال يمثل أحد أهم رموزها، كل ذلك جاء ليعزز صورة البطل المقاوم في مقابل صورة المتخاذل الجبان أو حتي الخائن لبقية الزعماء العرب.
لا غرابة اذن أن يحزن هذا المواطن أو يغضب أو يثور بعد صدور حكم الاعدام علي صدام في أعقاب محاكمة صورية وغير شرعية أقل ما يقال عنها أنها كانت مهزلة بكل المقاييس. لكن الغريب فعلا هو أن ينجر بعض مثقفي العالم العربي ونخبة من نشطاء ومدافعين عن الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الانسان وراء هذا التيار فيصدرون بيانات المساندة ويرسلون بتحيات الاكبار والتقدير لصدام حسين الذي يعد أحد أشرس أعداء تلك المبادئ والقيم التي يدافعون عنها وأحد أعتي طغاة العالم العربي وديكتاتورييه. ودون أن أدخل في تفاصيل جرائمه وجرائم أبنائه وأقاربه في حق العراقيين فان فوزه في الانتخابات بنسبة 100% (!!!) لأكبر دليل علي أنه كان دكتاتورا وهذه الصفة وحدها يجب أن تكون كافية لادانته والتنديد به وبفترة حكمه أو علي الأقل للصمت والحياد وهذا أضعف الايمان في الواقع. أن يجاهر بعض حاملي لواء الحرية والديمقراطية بمساندة صدام بحجة مواقفه الوطنية يفقدهم مصداقيتهم أمام من يسعون لاقناعهم بضرورة الذود عن هذه الحقوق المسلوبة منهم لأنهم ببساطة يعطون لأنفسهم الحق في تحديد ما الذي يمكن أن يشفع للدكتاتورية في حين يرفضون أن يكون لغيرهم حق الشفاعة لدكتاتور ما عبر مقاييس أخري كنجاحه مثلا في بسط الاستقرار والأمن بعد سنين حرب أو ارهاب أو نجاحه في تحقيق تقدم اقتصادي أو اجتماعي رغم محدودية الموارد الطبيعية المتوفرة. وحتي وان جادلوا بأن أي من تلك النجاحات كان يمكن أن يكون أكبر لو توفر مناخ أفضل من حرية وديمقراطية فان نفس هذا الطرح ينطبق علي صدام الذي لو لم يكن دكتاتورا لكانت مواقفه الوطنية أكثر نفعا لقضايانا وأمتنا بل ان غروره وجبروته وتفرده بالرأي جلب علينا المصائب كغزو العراق والتدمير الذي لحقه. أما مغامرته في الكويت فقد دعمت التفرقة العربية وانجر عنها اضعاف موقف منظمة التحرير الفلسطينية وبالتالي اضطرارها للاعتراف باسرائيل وتقديم تنازلات أخري مهينة. ان الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان أصبحت اليوم خيارا استراتيجيا لكل العالم العربي لن تقوم لنا قيامة بدونها أبدا لذلك يجب علي الجميع أن يدين كل الدكتاتوريات ورموزها دون استثناء بأقصي درجات الادانة وأن نعي جيدا، فكرا وممارسة، أنه لا شيء مهما كان يشفع للدكتاتورية أو يبررها أو يخرج دكتاتورا ما من دائرة الادانة الي خانة البطولة والتبجيل. وان لم نفعل فسنظل نراوح مكاننا ولن نقنع ذلك المواطن العربي البسيط أن ينظم الينا للمطالبة بحقوقه وحريته.
د فراس جبلون[email protected]