فــاروق وادي
إن الموت يجتاح الشوارع، بيد أن الحياة تسري في الحدائق الخلفيّة جوزيه ساراماغو (العمي)أشعر بأن جورج بوش وإيهود أولمرت قد أصبحا يتدخلان في كتابتي ويحددان لي، بسماجة لا حدود لها، ما أكتبه وما لا أكتبه هذا الأسبوع. إنهما يحرفان قلمي عن كتابة الوردة، ويضطراني، بما يصنعانه من مجازر يوميّة، إلي كتابة الدم.
لم أعد أطيق هذا الأمر. فما بين كتابة المقال ونشره، تُرتكب مجزرة. ما بين الفقرة والفقرة ثمّة اجتياح، وما بين الكلمة والكلمة يسقط عشرون شهيداً!
يتراجع فرح الكتابة لتغمرنا موجة دمويّة كاسحة، تصفعنا وتذكرنا بعبء شعارٍ حملناه “بالدم نكتب لفلسطين”، وبواجب تفرضه الكتابة الفلسطينيّة علينا. نتحوّل كلنا، بإرادتنا أو رغماً عنّا، إلي كتّابٍ سياسيين أو شبه سياسيين. نخجل إذا ما كتبنا شيئاً آخر ينأي قليلاً عن همّ السياسة، ونخاف أن نتهم أنفسنا بالاستنكاف.. بالابتعاد عن نبض الشارع وهمومه، وغضّ أبصارنا عن مشهد دمنا الذي يملأ الشوارع.. يتسلّق الجدران.. ويُغرق نشرة الأخبار. عندما أتطلع إلي شواغلي الكتابيّة الأخيرة، أشعر بأنني أخذل قارئتي التي كتبت إليّ ذات يوم ماطر من غزّة، أنها تحرص علي قراءة مقالي لأنه يأخذها بعيداً عن السياسة وركام المقالات اليوميّة المتشابهة. نعم أشعر انني أخذلها وأستجيب لشروط واقع قاسٍ يفرض عليّ أن أكتب، بإرادتي أو بقوّة الأحداث العاتية، ما يمكن أن يندرج ضمن هذا التشابه.
ولكن هل يستطيع الواحد منّا الانسحاب إلي الظلّ ليكتب قصيدة عشق لامرأة القلب وهو يتفرّج علي نساء بيت حانون، اللواتي اندفعن موجاً بشرياً عاتياً أفلح في كسر حصار الدبابات التي تتطوِّق الشباب؟!
هل يمكن لي أن أذهب إلي كتابة أخري بعد أن رأيت جثّة أمي ملقاة علي رصيف الشارع في بيت حانون؟ أقسم أن المرأة المستلقية علي الرصيف مع دمها كانت تشبه أمي تماماً. حقيقة أنني لم أشاهد أمي عندما رحلت ودفنت في رمال الصحراء البعيدة، فقد كنتُ مُحاصراً، ولم أتمكن من مغادرة المكان لألقي عليها نظرة الوداع. غير أن الفرصة التي فاتتني قبل ربع قرن من الزمان، جاءتني قبل أيّام في نشرة الأخبار.. أمي ممددة علي الرصيف تتخبّط بدمها. فكيف أكتب عن شيء آخر، وما الذي يمكن أن يُحرّك القلب أكثر من هذا المشهد؟ وهل يمكن أن تغيب عن أعيننا وهموم الكتابة، صورة امرأة صبيّة أخذها “خطأ تقني” للميركافا إلي موت مجّاني، مع طفليها النائمين إلي جوارها، دون أن تتيحح لهم القذيفة فرصة للدهشة أو السؤال. وكيف للعيون التي تأمّلت الصورة أن تكون قادرة علي تأمُّل عشبة طالعة من باطن الأرض؟
ثم، أين هي الكتابة التي تصل في بلاغتها حدود بلاغة الصورة، ثابتة كانت أم متحرِّكة؟
تشعر أقلامنا بالخجل من تراجع قدرة الكلمات علي القول، في لحظة نشهد فيها تفجُّر الطاقة التعبيريّة لإحدي صبايا بيت حانون. فتاة بعمر الورد تقف لتروي أمام الكاميرا قصّة الفقد والغياب إثر المجزرة المروِّعة. ترتجل علي شاشة “الجزيرة” أعظم مونودراما فلسطينيّة يمكن أن تُشاهد. نصّ غير مكتوب صاغته التجربة والسليقة. لم تكن الفتاة تمثِّل.. لم يكن ثمّة مخرج يوجِّه حركتها وطريقة نطقها وانفعالاتها، فقد صنعت هي حركتها بنفسها. اختار الصوت نبرته بنفسه، وبلغ التعبير الانفعالي ذروته دون أن يسعي إلي الذروة. لم تكن الفتاة تُمثِّل، ولكنها كانت تُقدِّم بأدائها المشحون بأصدق المشاعر شيئاً يختلف عن كلّ ما يمكن أن يُنتجه المبدعون. فماذا نكتب بعد أن كتبت المرأة كلّ ما لا ينكتب، وقالت كلّ ما ينقال وما لا ينقال؟! وكيف يمكننا أن ننأي عن السياسة ونحن نُصغي إلي المبررات الإسرائيليّة لارتكاب المجزرة: “خطأ تقني”، ثم تمضي الأمور إلي حالها، ليتهيّأ القتلة إلي مجزرة أخري. ألم يكن الخطأ التقني هو الذريعة الإسرائيليّة للذين ارتكبوا مجزرة قانا الثانيّة؟ لكن مرتكبي المجازر لا يضيِّعون خبرتهم بالأخطاء التقنيّة هباءً، فيبعثث القتلة الكبار الجنود أنفسهم إلي بيت حانون ليمارسوا أخطاءهم التقنيّة من جديد، ويمارس المندوب الأميركي في الأمم المتحدة عُهراً سياسياً مُعولماً وهو يسهب في تبرير المجزرة، ويمعن بصفاقة في إدانة الضحيّة، ليُعلن الفيتو، مكافأة أميركا الجاهزة للقاتل، والتي تؤكد أن الخطأ التقني الحقيقي يكمن في صناعة إسرائيل نفسها، وصناعة صانعيها. ہہہحقيقة إننا لا نرغب في كتابة تُشبه غيرها، ولا نريد أن يتدخّل جورج بوش وإيهود أولمرت في كتاباتنا. لكن الكتابة الفلسطينيّة، والتي هي أصعب أنواع الكتابة، تبقي غير قادرة، في معظم الحالات، علي الهروب من نفسها ومسؤوليتها.
ومع ذلك، فليس ثمّة مواصفات جاهزة للكتابة. والموت الذي يجتاح شورارعنا، لا يمكنه أن يحول دون تفتُّح الورد في حدائقنا الخلفيّة. لا يمكنه أن يحول دوننا وفرح الحياة المزدهية بالكتابة الأخري.. بالشِّعر، بالموسيقي، بالأغنية، باللون، بالسّرد، وبالتردد علي ما تتيحه لنا العتمة اللذيذة من مُتعة الفُرجة.. والانفتاح علي كلّ ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش!
كاتب من فلسطين[email protected]