عن الحرب وعن المقاومة.. بعد العدوان الاسرائيلي علي لبنان

حجم الخط
0

خليل قانصو

نقل رودلف الكاره (Rodolf El-Kareh) في مقالة له تضمنها العدد 101 لمجلة دراسات فلسطينية (خريف 2006) الصادرة في فرنسا، الصفحة 100، الفقرة التالية من نص نشرته صحيفة امريكية في 25 تموز (يوليو) الماضي، أي أثناء الحرب الاسرائيلية علي لبنان، لواحد من منظري المحافظين الجدد: هل أن تطور الديمقراطيات الليبرالية بقي دون المستوي، بحيث هي غير قادرة علي خوض حرب حاسمة بسبب تأثير هواجسها الانسانية تجاه الآخرين؟.. وماذا لو أن خطأنا التكتيكي في العراق كان ناتجا عن عدم قتلنا، في بداية تدخلنا، ما يكفي من السٌنّة، لارهابهم ولافزاعهم منا حتي يقبلوا أي شيء؟ أليس بقاء من هم بين 15 ـ و35 سنة، من رجال السُنّة علي قيد الحياة، باعثا للتمرد ومسببا أساسيا للعنف الطائفي حاليا؟… كيف سيكون الحال، اذا كانت اسرائيل تملك كل القدرات للوصول الي أهدافها، ولكنها لا تستطيع اظهارها دون قيود، ضد عدو أكبر خطرا، وأقل احساسا والتزاما بالمبادئ، وأكثر بربرية من الوحوش الذين يقودون الانتفاضة ذاتهم؟.

اذن المسألة ليست، هل انتصرت المقاومة أم لم تنتصر، بل هي الحرب التي تشنها اسرائيل والولايات المتحدة علي المنطقة العربية، لاجبار شعوبها علي القبول بأي شيء يقرره المعتدون. هذه الحرب ليست من صنع خيال المتطرفين ولا هي نتيجة اثارة المقاومين من أجل المقاومة لها. بدليل أنها شاملة في استهدافها لانسان، سُمِّي، ووٌصِف طبعه ونُمِّط، دون أن يُسأل، ودون أن يُسمع، انكارا لذاتيته ولقدرته ولحقه في أن يكون، حسب قناعاته الفردية وحسب مؤهلاته المكتسبة. وهذا ما يؤدي ضمنيا الي الاقصاء والافناء، وما يشير الي وجود جامع بين هذه الحرب وبين تلك التي شهدتها المجتمعات الغربية في بدايات القرن الماضي، للتخلص من كل الذين صِنفوا يهودا، بمعني أن ما يواجهه العربي سواء المقيم في بلاده أو المهاجر، يشبه الي حد ما، ما كان يواجهه اليهودي، قبل رد الاعتبار اليه في الغرب وقبل اعادة حقوقه له كانسان، ينتمي الي العالم المتحضر وليس الي عالم البرابرة. أي أن الذين ارتكبوا جريمة اعدام اليهود لم يتغيروا. ان ما تغير هو نظرة هؤلاء المجرمين الي اليهود، واعترافهم بخطأ ارتكبوه عندما عدوا اليهود من البرابرة. كان بعض مرشحي اليمين الفرنسي، في سنوات العشرين من القرن الماضي، يستطيعون الجهر بأن من يقترع لصالحهم، انما يقترع ضد اليهود، وقلما تخلو اليوم معركة انتخابية في فرنسا دون تصريحات مماثلة بعد أن استبدل فيها اليهودي بالعربي. هناك مؤشرات كثيرة تظهر طبيعة هذه الحرب وتكشف مدي خطرها علي كينونة العربي وعلي وجوده، أينما كان، حتي في البلاد الغربية التي هاجر اليها. من الواضح أن ما يجري في العراق، يتجاوز قضية نظام غير مرغوب به، الي اعادة هيكلة منطقة والي فرض وصاية امريكية كأمر واقع. وكذلك هو الحال في فلسطين في ظل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، حيث تصطف الدول الغربية، الي جانب اسرائيل، لابتزاز الشعب الفلسطيني بالقوة وبالتجويع من أجل التخلي عن حقوقه مقابل الخبز. وتجلت الغاية من هذه الحرب أيضا في لبنان، حيث تحول الجيش الاسرائيلي، بطيرانه وبمدافعه وبجراراته الي مؤسسة أشغال عامة لهدم المنازل ولدفن من بداخلها تحت الأنقاض. أما في بلاد الغرب، فكل الوسائل التي استخدمها في الماضي المعادون للسامية، بوجهها اليهودي، هي الآن متاحة أمام العنصريين المعادين للسامية في وجهها العربي بعد أن عُمِّد اسلاميا. لقد رُسم اليهودي أيضا في أوروبا، رُسِمت طبائعه و قبائحه، وصدرت الكتب المليئة بالافتراءات ضده، وأطلقت الشائعات حول دوره في زعزعة الأمن الاجتماعي وفي نشر الأوبئة كالطاعون، وفي تسميم الأنهار والينابيع. وبالتالي فان حملة الكراهية ضد العرب حاليا، لا تختلف عن سابقتها من حيث الجوهر، أي أن الهدف منها هو ايجاد مبررات للحرب الدائرة في المنطقة العربية، اضافة الي اثارتها ضمنيا لقضية التعارض بين المواطنة في مجتمعات الغرب وبين الأصل العربي. مثلما كان لليهودي في السابق قضية في بلاد الغرب، جاء الآن دور العربي ليحدد الرسّام الغربي شكله، وليحلل النفساني أو المختص بعلم الاناسة طبائعه وعاداته ومعتقداته، وليستخرج المفكر المعاني التي يعبر عنها كلامه أو التي تفصح عنها تصرفاته. لا يتعلق الأمر بحرية الرأي، ولكن مشكلة هذا الانتاج الفكري والفني أنه ليس جديدا لا من حيث الأسلوب ولا من حيث المضمون. اذاً الحرب دائرة ومستعرة ومرشحة للتصاعد، وهي مفروضة علي العرب، وليس لهم أي دور في التحريض عليها، أو في أسبابها. انها حرب عدوانية استعمارية تشن عليهم في ديارهم، وتلاحق المهاجرين منهم. وبالتالي فان السؤال ليس ما اذا كانت المقاومة مبررة أو لا، لأن الخيار بين المقاومة أو عدمها غير موجود أصلا، أو أنه يساوي الخيار بين الحياة والموت.. االمقاومة رد فعل اضطراري من الذين يتعرضون للاعتداء. هذا لا يعني أن جميع المعتدي عليهم يتحولون، آليا الي مقاومين. فالناس ليسوا سواسية في القدرة علي تحمل نتائج العدوان. النازحون اللبنانيون لم يلجأوا كلهم الي المدارس أو الي حديقة الصنائع في بيروت. كثيرون منهم كان لديهم الوسيلة لاستئجار دار، وبعضهم تمكنوا من مغادرة البلاد بامكانياتهم الذاتية، وآخرون تم اجلاؤهم كرعايا أجانب الي البلاد التي يحملون جنسياتها. ومن المعروف أيضا أن العدوان لا يطال، غالبا أصحاب الثروات ولا كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، فهؤلاء يملكون شققا وقصورا في أحياء الأغنياء في لندن وباريس وجنيف، من المؤكد أن بدلات أتعابهم الوظيفية لا تكفي لشرائها، وهم في ذلك لا يختلفون عن أمثالهم من حكام بلاد العالم الثالث. ثم ان في الأوطان المجزأة، تكون علاقة الأجزاء أحيانا ببعضها علاقة عدائية، كعلاقة الاخوة الأعداء يتحاسدون ويتباغضون ويستقوون بالغريب علي بعضهم البعض. من الطبيعي اذن أن تتباين المواقف، ظاهريا في مواجهة العدوان كباعث قاطع للمقاومة. ما هو أساسي، ومركزي، هو العدوان، وليس المقاومة، وبالتالي فان المنطق والوضوح يُلزمان الخطاب السياسي، كما الاجتهاد الفكري، في ظروف ما بعد الحرب الأخيرة علي لبنان، تحديد من هو المعتدي ومن هو المعتدي عليه، أي بتعبير آخر يجب معرفة ما اذا كانت اسرائيل معتدية علي الجنوبيين وعلي البقاعيين، أو أن هؤلاء هم الذين اعتدوا علي اسرائيل. ومن بعد ذلك، يكتسب الخطيب أو المفكر مصداقيته بادراج الحجج التي يبني عليها موقفه من المعتدي ومن المعتدي عليه. ولا بد استطرادا في السياق ذاته من الاشارة الي أن تعريف المعتدي، ينفي من حيث المبدأ امكانية الاعتداء عليه. ومهما اختلفت الأساليب البيانية، والممارسات العملية، تجاه الصراع الناتج عن العدوان، فانها تفضي كلها في النهاية الي موقفين اثنين: مؤيد وداعم للاعتداء، أو مقاوم ومناهض له، بمعني أن الموضوع الأساسي هو الاعتداء، وليس المقاومة وما اذا كانت قد انتصرت في معاركها الأخيرة أو أنها لم تنتصر بعد. أن الذين يدعون الحياد أمام صراع يتواجه فيه المستعمِر والمستعمَر هم في الحقيقة ماكرون ومنافقون، أما اذا كان الصراع الدائر علي أرضهم وضد شعبهم، لا يمنعهم من الالتئام حول مائدة المعتدي، فإن المكر والنفاق لا يكفيان لحجب ما هو في الواقع خيانة. هل تعتدي أسرائيل علي لبنان وهل تغيرت طبيعتها الاستعمارية؟ هذا هوالسؤال الذي يتوجب علي الشعوب العربية، ومنهم اللبنانيون طبعا، الاجابة عليه، لما له من دور عظيم في انتاج أزمتهم المتفاقمة بحيث تجاوزت قضية تصلب أنظمتهم السياسة، الي اصابة مجتمعاتهم بالعجز الفكري وبالانحلال الثقافي.

ولا بد في معرض البحث عن هذه الاجابة، من ادانة الفارق الكبير بين القول وبين الفعل بين الشكل وبين المضمون، الذي يطبع تصرفات الكثيرين من الفاعلين في المجتمعات العربية علي كافة الساحات، السياسية والفكرية والدينية. أي أن البون يبدو كبيرا بين الدين وبين المتدينين، بين ادعاء الفضيلة وبين الممارسة الحقيقية، بين البيانات السياسية وبين السياسة الفعلية، فعلي سبيل المثال، جاء في النظام الأساسي لحزب البعث، الذي أقر في 17 حزيران (يونيو) 1947 ما يلي: حرية الكلمة والاجتماع والمعتقد والفن مقدسة. ليس من حق أي سلطة قمعها أو الغاؤها ــ ان موقع المواطنين، بعد أن يكون قد تحقق تكافؤ الفرص، مرهون بالعمل الذي يؤدونه خدمة لتقدم وازدهار الأمة العربية، دون الأخذ بأي أعتبار آخر ــ حزب البعث العربي هو ديمقراطي، انطلاقا من قناعته ان السيادة هي للشعب، هو وحده مصدر السلطة والحكم. ان شرعية الدولة تأتي من انبثاقها عن ارادة الجماهير وحرمتها مصانة بقدر حريتهم في الاختيار.

ان ما سبق يدلل علي أن العرب أضاعوا المعني، أو أنهم مصابون بشرود ذهني، وكأن المواطن والحاكم في البلاد العربية، يقومان باداء مسرحية تصور الأول يهذي ويحلم بالحلول مكان الثاني، بينما هذا الأخير يوهمه باستمرار علي طريقة المشعوذين أن الهلوسة يمكن أن تصير واقعا شرط عدم الاستفاقة منها.

أن أسرائيل معتدية علي لبنان منذ قيامها في 15 أيار (مايو) 1948، وتجدد هذا العدوان بعد سنة 1968، ليتحول في السبعينيات الي انتهاكات متكررة للسيادة اللبنانية، ثم الي غزوات مع ابقاء مواقع دائمة في الجنوب، والي مشاركة، مباشرة وغير مباشرة في الحرب الداخلية اللبنانية التي اندلعت نارها سنة في 13 نيسان (ابريل) 1975. وتطورت هذه المشاركة سنة 1982 الي احتلال جزء كبير من لبنان اشتمل علي العاصمة بيروت وعلي محاولة صياغة هيكليته السياسية. وهذا يكفي للدلالة علي خطأ من يدعي أن اسرائيل لا تشكل قضية كبيرة، أو تحديا، للسلام الاجتماعي في لبنان. وبالتالي فان أقل ما يتوجب علي اللبنانيين، ان هم أرادوا التعاون ليكون لهم وطن موحد الأجزاء، هو ابطال مفعول هذه القضية عليهم، أي التخلص من أدوات فعلها في السياسة اللبنانية. ولكن الواقع يُبقي الأمل في أن يتحقق ذلك ضعيفا للغاية. قد لا يكون تنشيط الاحتجاجات من وقت الي آخر، ضد امتهان الرموز الدينية في الغرب بواسطة الرسوم والكتابات والمحاضرات، من باب الصدفة. ان من حق الآخر أن يفصح عن رأيه، ولا يجوز لأحد من حيث المبدأ، أن يطالب بالحد من حرية التعبير. أما اذا كانت الافتراءات ضد الدين، تدخل في اطار حملة سياسية عنصرية معادية، فان استهداف الدين ليس في الحقيقة بقدر استهداف فئة من الناس عن طريق صناعة صيغة غلوطة لمعتقداتهم ومن ثم تفسير ما يفعلون وما سيفعلون تطبيقا لها واهتداء بتعاليمها. المسألة اذا لا علاقة لها بالدين، انها رسالة، لا تختلف عن الرسالة التي وجهت في السابق الي اليهود قبل تجميعهم مقدمة لنفيهم أو للالقاء بهم في لهب الكراهية. وهنا يمكن القول ان الذين تظاهروا مطالبين بالاعتذار عن الرسوم وعن التلاعب بالتاريخ، لم يتبينوا ما وراء ذلك من مقاصد، من ضمنها بلا شك احداث ضجيج لتغطية أخبار القتل في العراق وفي فلسطين وفي لبنان احراجا لمناهضي السياسات الاستعمارية في الغرب واثارة للشبهات حول المواطنين الغربيين من أصل عربي. ومن هذه المقاصد أيضا خلق حركة مقاومة جديدة للدفاع عن الله وعن أنبيائه، هذا اذا افترضنا أن الحاجة موجودة لمثل هذه المقاومة من منظور ديني، وأن هناك ما يبررها في هذا الوقت حيث يُضرب الانسان في بلاد العرب في منزله وفي أطفاله، كما تكافح الجراثيم الناقلة للأمراض الوبائية، باتلاف بيوضها في الأمكنة التي توضع فيها، وبتقطيع حلقات نموها، وفصلها عن بعضها البعض. وليس مستبعدا، وهذا ما يحدث عادة، أن تحصل المقاومة الجديدة، ومن دون أن تعلم أحيانا، علي دعم يمكنها من ابتلاع المقاومة التي سبقتها، وهكذا حتي تنتفخ بطن المقاومة بالمقاومات التي تملأ جوفها كالطفيليات، حتي تقتلها. ان المقاومة الحقيقية، تكون من أجل انتزاع الحرية، حرية التعبير عن الرأي وحرية التجمّع والالتقاء والتبادل واقرار مشروع جمعوي. فالحرية حاجة للذات كي تحقق كيفية ومعني وجودها، كما هي شرط ضروري لاستقلال الجماعة ولتمكينها من الدفاع عن نفسها، ضد نزعة العدوان، ليس فقط رغبة منها بالبقاء، بل احتراما للانسانية. من البديهي أن موقفا بربريا هو الذي يتخذه طرف عربي أو دولي، لا يعلن استنكاره واشمئزاره من الساسة الاسرائيليين، عندما ينسفون منزل عائلة، نفّذ أحد أبنائها عملية ضد الاحتلال. أي صفة يستحقها هؤلاء الساسة، وأصدقاؤهم وهم كثر، عندما يرسلون طائرة لتلقي قنابلها ليلا، دون أي سبب، علي دار يبيت فيها أطفال وأولاد مع أمهم وأبيهم. وما هو هذا العالم الذي لا يحاكم نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي، الذي قال يجب أن تـُمحي كل قرية في الجنوب اللبناني تطلق منها قذيفة علي اسرائيل (نقله أ. الكاره، المصدر ذكر أعلاه). ان حصار القرية أو المدينة يعني أن علاج الحالا ت المرضية المستعجلة هو ممنوع، وأن المرأة الحامل يجب أن تموت، هي ووليدها اذا احتاجت لعملية قيصرية، وأن مريض السكري محروم من الدواء، اذا استمر الحصار شهرا ً كاملا. لم تصدر أية ادانة من المجتمع الدولي لحصار القري اللبنانية، ولم يعتبره أحد انتهاكا للشرعية الدولية. وهذا يثبت، أن عالم اليوم، هو عالم بربري، عالم متوحش لم تكتمل أنسنته، يخضع لقانون القوي. ألغي حكم الاعدام في المجتمعات الغربية المتقدمة، وهذا بالتأكيد اجراء ايجابي، ولكن الدول الغربية لم تطالب حكومة اسرائيل التي تلجأ يوميا الي ما يسمي اغتيال المستهدف، بالكف عن اعدام الناس عشوائيا في الطرقات وعلي الشواطئ في فلسطين وفي لبنان. ستمائة وخمسون ألف عراقي، ماتوا بسبب أحداث العنف، منذ احتلال الأمريكيين لبلادهم. فهل يستطيع الانسان، ولا سيما اذا كان ضعيفا، أن يحيا وأن يكون في مثل هذا العالم، دون مقاومة، وكيف يمكنه أن يقاوم؟ السؤال اذا، كيف تقاوم وليس أبداَ لماذا تقاوم أو بأي سلاح تقاوم، ومن هم الذين يدعمون مقاومتك. المقاومة تكون أولا في الامتناع عن تنفيذ ما يريده العدو منك، في الرفض وفي عدم القبول، في المقاطعة، وفي تحريم التعامل مع ممثليه، وفي أن لا تكون اداة أو رسولا له. ان المستعمِر هو كالذي يُخرج بالقوة عائلة من منزلها ويستولي عليه. من البديهي، أنه أقوي، ولو استطاع أهل البيت صده ومنعه، لما صاروا بلا مأوي. ينجم عن ذلك أن الاستعمار هو في جوهره صراع بين القوي من جهة وبين الضعيف من جهة ثانية، ينتهي اما بدمار المكان المتنازع عليه، واما بابادة أصحابه الشرعيين، وهذا يسمي الحل النهائي، الذي ُطبق علي الهنود الحمر في أمريكا، وكاد النازيون أن ينجزوا تطبيقه علي اليهود في أجزاء أوروبا التي وقعت تحت سيطرتهم، واما، أخيرا برحيل المستعمِر وبعودة الحقوق الي أصحابها. ولكن القوة التي تتيح للمستعمِر الاستيلاء علي الدار، لا توفر بالضرورة له الراحة والهدوء، لأن الذين حل مكانهم سوف يتحيّنون دائما الفرصة، رغم ضعفهم، لتحطيم زجاج المنزل بحجارتهم، أو لالقاء زجاجة حارقة علي مركبته، الي غير ذلك من أعمال القصد منها ازعاجه واقلاقه وإيلامه، وصولا به الي أ قصي حدود طاقته علي الاحتمال، ودفعا له الي اللجوء الي خيارات نهائية كارتكاب الحماقات الاجرامية، أو الرحيل. وبالطبع فان المقاومة هذه، لا تخدم مصالح المستفيدين، سياسيا واقتصاديا من وجود المستعمِر. اذ ما من شعب احتلت أرضه وامتهنت كرامته، الا وخرجت منه فئة استغلت ظروف الوطن الصعبة. ولم تسلم الشعوب العربية، بالتأكيد من هذه الشائبة، لا في لبنان ولا في غير لبنان، ولكن ما يميزها حقيقة، هو أن أعداء المقاومة باتوا يجهرون بعدائهم لها، ولايخفون استقواءهم عليها بدول الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، بينما هي معقودة اللسان، حبيسة نطاق الطوائف والمذاهب والعشائر. وهذا ما يجعل من سماتها الأساسية سمة الجزئية التي تنعكس في الخطاب المقاوم، في معظم الأحيان خلوا من الاشارة الصريحة الي الانتهازيين الذين يستقدمون المستعمِر الي الداخل، دعما لأسوار قلاعهم الطائفية والمذهبية والعشائرية، والفئوية. وبالتالي فان المعتدي لا يجد صعوبة، مهما اشتدت المواجهة بينه وبين المقاومة علي ساحة عربية، في ايجاد طرف علي الساحة ذاتها يقبل التفاوض معه في سبيل اضعاف المقاومة وفي سبيل اخراج حلول تتعارض مع أهدافها. وأحيانا كثيرة يستطيع المعتدي استدعاء أطراف عربية أخري، لدعم مناورته لمحاصرة المقاومة في مكان ما وللقضاء عليها. وهنا قد يكون مفيدا تسليط الضوء علي استفحال تشظي المنطقة العربية الي ولايات حكامها دائنون للمستعمِر طائعون له مما يفسح المجال امامه لاستنباط ما يناسبه من أدوار يوزعها عليهم ارباكا واحباطا لكل تحرك مضاد لوجوده.

خلاصة هذه القراءة للواقع العربي بشكل عام، وللواقع اللبناني بشكل خاص، هي أن المقاومة ضد المستعمِر ما تزال غير قادرة علي حسم اشكالية موقفها في الداخل، من السلطة ومن الفرقاء، الذين يعتبرون وجودها بالذات تجاوزا لنطاق نفوذهم وخطرا علي مواقعهم. السبب الذي يدفعهم الي البحث عن سبل الخلاص منها. وربما يكون، الانقسام بين المقاومة وبين أعدائها في الداخل، وكذلك اطمئنان كل من الطرفين الي صلابة قاعدته الشعبية، أيا كانت التصرفات التي يقدم عليها، مرجعهما الي الذهنية القبلية، التي تقمصت الفكر الديني التوحيدي، بما هو اقصاء للآخرين، ليس فقط رفضا للتبادل وللتباحث معهم في شأن المشاركة والمعاضدة، بل وأيضا انطلاقا من ارادة فرض الهيمنة والاستعلاء عليهم. ولا شك أن لهذه الذهنية، دورها في انتاج أزمة المجتمعات العربية المتفاقمة تأخرا وتراجعا، حتي كادت تستعيد سيرتها الأولي قبائل متنازعة يغزو بعضها بعضا.

ان مثل هذه المجتمعات لا تلد بالطبع مقاومة تجتذب الأنصار اليها من وراء سياجات الاقطاعات. ولكن بؤرة مقاومة قد تظهر في حضن فئة من الفئات المكونة للشعب، اذا أخضعت هذه الفئة، بالصدفة وقبل الفئات الأخري، بفعل عوامل داخلية وخارجية، لتجربة قاسية ومؤلمة. ولا تتحول هذه البؤرة الي مقاومة حقيقية، يشارك فيها المجتمع كله دون البدء بازالة السياج من حولها، علامة علي أن معايير علاقتها بالفئات الأخري قد تغيرت، لأن هذه الفئات مرشحة، مثلها للمعاناة، وبالتالي لا سبيل أمام الجميع الا التوحد والاهتداء معا الي وسيلة لمواجهة المحنة التي تعترض وجودهم ونموهم وتقدمهم. ولا بد من الاشارة في هذا السياق الي الفرق بين تأييد المقاومة من جهة انطلاقا من القناعة بعدالة قضيتها وبين الانضواء في صفوفها دفاعا عن النفس. بمعني أن دعم المقاومة ضد المحتل هو انتصار للحق وللمساواة بين الشعوب. وهذا موقف انساني وحضاري وليس موقفا تمليه العصبية دينية كانت أو قبلية. وأما المشاركة الفعلية بالمقاومة فهي شأن المعتدي عليهم. هم الذين يقررون أساليبها ووسائلها، بالقدر الذي ُيمكنهم من ذلك، وعيهم للظروف المحيطة بهم، مع الأخذ بالحسبان أن العدو يبادر دائما الي الهجوم سعيا لاجهاض كل فعل مقاوم لوجوده أيا كان الشكل الذي يتخذه هذا الفعل، وأحيانا يستبقه باحتجاز الآلاف من الأشخاض في معتقلاته علي ذمة تقارير واستطلاعات، تنبه الي احتمال استجابة هؤلاء لنداء المقاومة. لا يمكن اجبار أحد علي مقاومة من يعتدي عليه، خاصة اذا كان هذا الأخير من فصيلة القوي المتوحشة والمفترسة التي ُتخضع العالم اليوم لهيمنتها اشباعا لرغباتها. ما جري في لبنان، وما يحدث في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان، هي دلالات علي أن هذه القوي لا تقيم وزنا للقوانين وللأعراف، ولا تتورع عن دك المنازل، وعن حبس الطعام، وعن قصف جموع الناس. لقد تسببت الولايات المتحدة بقتل ستمئة وخمسين ألفا من العراقيين في أقل من ثلاث سنوات، أما اسرائيل فان حصيلة عدوانها خلال شهر علي لبنان، قاربت الألف ضحية اضافة الي مليون لبناني نزحوا عن بيوتهم، والي تدمير الأبنية السكنية ومحطات توليد الطاقة، والي تخريب الطرقات. ولا شك أن الفلسطينيين يتعرضون لأعمال أشد فظاعة، ولكن الأسوار المحيطة بهم كاتمة للصوت، حاجبة للنظر. المقاومة هي فعل من أجل تغيير هذا الواقع، هي اسماع صوت الشعوب العربية المحتجة ضد احتلال بلدانها وضد تدمير عمرانها وضد قتل أبنائها، الي الشعوب الغربية التي يعلّلها حكامها ووسائل اعلامهم بأوهام عن قرب بزوغ الديمقراطية في سماء بغداد وعن مناقبية الجيش الاسرائيلي الذي لم ُتزل جرارته منزلا واحدا في الجنوب والذي لم تمزق صواريخ طائراته جسد طفل لا في الدوير ولا في قانا ولا في الشياح.

ولا بد من التوقف أخيرا، أمام المقاومة التي أرادت اسرائيل، بحربها علي لبنان، القضاء عليها، والتي استقدمت أفواج من الجيوش الغربية بعتادها المتقدم، مرفقة بوحدات من القوات الخاصة، وبمجموعات من الاختصاصيين في أمور الاستقصاء العسكري، لتقييد حركتها ولرصد مواقعها. لهذه المقاومة عنوان، هو حزب الله، ولها أيضا انجاز، تمثل في قدرتها علي مواجهة العدو، طيلة مدة تزيد عن الشهر، وعلي منعه من تحقيق أهدافه رغم استخدامه لكل أنواع الأسلحة حتي المحرم منها دوليا. والدليل علي ذلك ما خلفه هذا الاخفاق من فوضي في الوسط السياسي الاسرائيلي، وما ترتب عليه من استدعاء للقوات الغربية الي لبنان. وبالطبع، فان هذا يضفي علي المعركة التي خاضها حزب الله، أهمية بالغة، ويفرد لها مكانة خاصة في التاريخ العربي المعاصر، لأن أبعادها تتجاوز بالتأكيد حدود لبنان، وهرطقات ورثة السياسيين التقليديين وغير التقليديين فيه. والا لما استنفرت دول الغرب جيوشها وأساطيلها. يرتكز هذا الاستنتاج علي وقائع المواجهة الميدانية، بين مقاتلي المقاومة من جهة وبين جنود العدو من جهة ثانية. وهنا لا بد من الاعتراف أن هؤلاء المقاتلين قاوموا بثبات وبجدارة، ولا بد من اضافة، بايمان جيشا استخدم ضدهم جميع أنواع الأسلحة. والايمان يحتوي ضمنيا علي قناعة المؤمن المقاتل، بأنه أقرب الي الله من خصمه، وبأن الله سوف يكون معينا ومؤيداً له، وفي هذا المعني، يشمل الايمان من اختارهم الله وفضّلهم، وهم استنادا الي عقيدة حزب الله، أهل بيت النبي والذين ينضوون تحت لوائهم ذودا عن ديار المسلمين. ان للصراع ضد الاستعمار الاسرائيلي اذا ً، من وجهة نظر هؤلاء الايمانيين، طابعا دينيا، موازيا ومضادا في الوقت نفسه، للطابع الديني الذي وسمت به الحركة الصهيونية مشروعها الاستعماري لاجتذاب اليهود الي فلسطين باسم حق الشعب المختار في استعادة الأرض التي وعده الله بها. وهذا كله، لا علاقة له بالطروحات التبسيطية، سواء التي تروجها وسائل الاعلام في الغرب عن العداء للسامية، او تلك التي يرددها الغوغائيون، المعممون وغير المعممين، عن مساوئ اليهود. ان عنوان حزب الله يختزل ضمنيا، اجابة دينية من المعتدي عليه، علي مسألة دينية يتغشّي بها المستعمِر. ولكن الجانب الأهم في معركة حزب الله، هو انعكاساتها في المنطقة العربية. لقد سحب هذا الحزب، بعد معركة دامت أكثر من شهر، ذرائع الحكام العرب التي يبررون بواسطتها، تخلفهم عن معاضدة الشعب الفلسطيني، وصمتهم عن جرائم السلطة الاسرائيلية وتنازلاتهم المتواصلة أمامها. ولهذا السبب تحاول الحكومات العربية، ابراز الدمار في لبنان أمام شعوبها، فزاعة واستغباء لها، في الوقت الذي تستقبل فيه مبعوثين من قبل الذين تسببوا به. ان الذين اعتدوا علي لبنان، وأرادوا تخليصه من مقاومة حزب الله، هم ذاتهم أعداء الشعوب العربية، في فلسطين، وفي العراق. هؤلاء الأعداء هم الثلاثي أسرائيل والولايات المتحدة وأنكلترا، هذه حقيقة بات يعرفها كل طفل عربي. ولكن بالرغم من ذلك لم تتورع بعض الحكومات العربية أثناء الحرب، من الانضمام اليهم لتخليص لبنان من حزب الله. وأخيراً، وهذا هو الأهم، تضمنت معركة المقاومة، ادانة لا لبس فيها، من قبل حزب الله لكل عربي، يتعامل بشكل أو بآخر مع المستعمِر الاسرائيلي ومع المحتل الأمريكي، ولا سيما اذا كان يدعي أنه مسلم ينهج نهج أهل بيت النبي ضمن اطار ما ذكر أعلاه. وهذا ينطبق علي اللبنانيين طبعا، ولكنه موجه من هذا الحزب، بصورة خاصة الي العراقيين. قد يكون تصاعد أعمال المقاومة العراقية في الفترة الأخيرة ذا صلة بحرب لبنان، وقد يكون اجتماع بعض رجال الدين في مكة مثلها، وكذلك لقاء الحكام العرب المعتدلين في القاهرة برئاسة وزيرة الرئيس الأمريكي الذي لا يمكن وصفه بالاعتدال في العراق، كما لم يكن معتدلا في لبنان. ومهما يكن، فان ما قدمه حزب الله، للعرب هو أنه باستطاعتهم مقاومة أعدائهم، شرط أن يبطلوا أولا مفعول حكوماتهم. وليس مؤكدا، أن فصيلا مقاوما، غير حزب الله، كان باستطاعته اعتراض المخططات الامريكية والاسرائيلية، كما فعل في لبنان وفي العراق.

ہ كاتب من لبنان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية