هل يتبدّل العالم قريباً؟
محمد خليفةهل يتبدّل العالم قريباً؟العالم الذي نعيش فيه هو عالم الفوضي تحكمه قوة غاشمة بطيشها وبطشها وهواها والمتمسكة بالمبدأ المتعالي المستمد من المصلحة المادية تجاه نوع آخر من البشر فيتحكّم فيه نحو عشرين في المئة من الشعوب بنحو ثمانين في المئة من ثروات الأرض. وأما باقي الشعوب فتعيش في فقر وتبعية. وتلك الثروات الهائلة التي تكدّسها الدول الغنية تصرف في معظمها علي الملذات وعلي صنع آلات الحرب الجهنمية لقمع الشعوب المغلوبة وتحطيم الأوطان وقواعد المجتمع الانساني كله لابقائها تحت رحمتها وسيطرتها.والشعوب الغنية لا تعطي الشعوب الفقيرة الاّ من فتات موائدها ، وكثيراً ما يكون هذا العطاء علي شكل ديون تستحق بفوائد باهظة، وهي الديون التي تقدمها الدول الغنية للدول الفقيرة عن طريق المؤسسات المالية الدولية. وهناك دول فقيرة أصبحت بكل ما فيها مرهونة لهذه المؤسسات.وقد تضافرت عدة عوامل أدّت الي اخراج هذا الواقع العالمي الذي يتخبّط في التيه وبشكل مزري، لعل أهمها علي الاطلاق ظاهرة الاستعمار. فقد وقعت شعوب العالم النامي في أمريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا، منذ القرن السادس عشر ضحايا الاستعمار الأوروبي الظالم. فقد اكتشف الاسبان والبرتغاليون أمريكا واستعمروها منذ القرن السادس عشر، ومدّوا استعمارهم الي جهات أخري في افريقيا وآسيا. وطمعـــــت الدول الأوروبية الأخري في أن يكون لها هي الأخري نصيب من الاستعمار، فنهضت هولندا وبريطانيا وفرنــــسا وبلجيكا باحثة عن الاستعمار.ومن ثم استطاعت بريطانيا أن تقضي علي جميع منافسيها الاستعماريين وأن تتسيّدهم في مجال الاستعمار. وبسبب مجدها الاستعماري، فقد أصبحت بريطانيا الدولة الأولي في العالم، وأصبحت الليرة الانكليزية هي العملة العالمية الوحيدة التي تقاس علي أساسها العملات الأخري علي مدي قرن من الزمان من النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتي النصف الأول من القرن العشرين. وكانت فرنسا التي اختارت صفة الحليف التابع لبريطانيا قد نالت هي الأخري حصة استعمارية مهمة في العالم. لكنها ورغم استعمارها الواسع في آسيا وافريقيا، فانها ظلت تؤدي فروض الطاعة للقوة الانكليزية الطاغية ، وظلت تأتمر بأمر هذه القوة. ولذلك استمر التحالف الاستعماري بين هذين الحليفين، لكن الزمن لم يصفُ لهما. فقد وقعت الحرب العالمية الأولي عام 1914، بسبب رغبة ألمانيا والنمسا في اعادة رسم العالم بحيث يكون لهما دور أساسي فيه. لكن الحليفين الاستعماريين العريقين بريطانيا وفرنسا ، استطاعتا سحق أعدائهما، ودخلت الولايات المتحدة التي كانت تبحث آنذاك عن دور استعماري عالمي الي جانب بريطانيا وفرنسا. وتمكّنت من حصد بعض جوائز تلك الحرب المدمّرة. لكن الشرر تطاير من جديد واندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939، وسقطت فرنسا بكل جبروتها الاستعماري أمام ألمانيا عام 1940. ووقفت بريطانيا تقاتل وحيدة، واشتدّت الضائقة بها، وطلبت مساعدة الولايات المتحدة التي استجابت فوراً، وراحت تمدّ بريطانيا بالسلاح والعتاد والمؤن الغذائية مقابل المال. ولم يطلْ الأمر ببريطانيا حتي أفلست، فاضطرت الي استخدام الذهب الذي سرقته من قوت الشعوب الفقيرة كوسيلة لشراء ما تحتاج اليه من الولايات المتحدة. ولم تنتهِ الحرب العالمية الثانية حتي كانت بريطانيا قد خسرت كل مخزونها الذهبي الذي أصـــبح في خزائن الولايات المتحدة.ومن ثم أصبح الدولار هو العملة العالمية الوحيدة، وأصبحت الولايات المتحدة تنتج لوحدها ثلثي الانتاج العالمي والثلث الباقي كان ينتجه الاتحاد السوفييتي السابق. وكانت أوروبا الغربية مدمّرة، والعالم الثالث يرزح في معظمه تحت نير الاستعمار البريطاني والفرنسي. ومن أجل مواجهة الاتحاد السوفييتي اضطرت الولايات المتحدة الي مساعدة دول أوروبا الغربية الواقعة تحت سيطرتها وكذلك اليابان من أجل الوقوف في وجه المدّ الشيوعي. وأصبحت هذه الدول مربوطة بعجلة الاقتصاد الأمريكي مما أدي الي انتشار الثراء فيها اسوة بالوضع في الولايات المتحدة. فظهرت منظومة الدول الغنية التي اتخذت عنواناً مميزاً لها عام 1975 وهو مجموعة الدول السبع الكبري . وقد شرعت هذه المجموعة في ممارسة دور الرقيب علي الاقتصاد العالمي لضمان استمرار تفوّقها الاقتصادي علي باقي دول العالم.لكن استماتة الدول الغنية في منع تقدّم الدول الفقيرة لم يمنع من ظهور قوي اقتصادية عالمية جديدة، وتأتي الصين في مقدمة هذه القوي. فقد أصبحت الصين تنتج أكثر مما تنتجه الولايات المتحدة، وأصبح لدي دولة مثل ماليزيا بنية صناعية متقدمة لا تقلّ عن تلك الموجودة لدي كوريا الجنوبية أو اليابان، مما أدّي الي تغيير المعادلة العالمية، لأن محور الاقتصاد ينتقل من الغرب الي الشرق وينقل معه مركز القوة من الولايات المتحدة الي الصين. وفي المقابل، فان الولايات المتحدة باتت تنتقل من ضعف علي ضعف، وهي بوصفها قاطرة اقتصاد الدول السبع الكبري، فان ضعفها سينعكس مباشرة علي حلفائها.واذا حدث وانهارت، وهو شيء أصبح قريباً، فانها لن تنهار وحدها، بل ستجر خلفها كندا ودول أوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية فكل هذه الدول ستنهار اقتصاداتها. والناظر الي واقع حياة هذه الدول يلحظ بوادر أفول هذه الحضارات التي تدلّ جميع الشواهد وبعض الأمارات التي أخذت تبدو واضحة بعد تدرجهم الي الضعف وتضييعهم جانباً كبيراً من ثرواتهم في الرخاء المادي والحروب التي قرّبتهم الي هوة الانقراض وهاوية الدمار، حيث تكون القاصمة. ولن يبقي العالم علي ما هو عليه، بل ان المستقبل هو للشعوب المغلوبة، فهذا هو التوازن والعدل والتقدير الدقيق لناموس الكون والمنهج الانساني لحياة البشرية.ہ كاتب من الامارات [email protected]://www.mohammedkhalifa.com8