مقاتل اللبنانيين

حجم الخط
0

مقاتل اللبنانيين

د. عبدالوهاب الافنديمقاتل اللبنانيين(1)هنالك مركب تراجيدي عميق في المشهد اللبناني، وخاصة الساحة المارونية منه، يتمثل في السلسلة الطويلة من القادة الشباب الذين اختطفهم الموت العنيف، في أحيان كثيرة علي أيدي شباب مارونيين آخرين، في مشاهد غاية من العنف والدموية: طوني فرنجية، بشير الجميل، داني شمعون، إيلي حبيقة، إلخ… إلخ…(2)اقتربت بالرغم مني أحياناً من هذه المشاهد، بحيث لامسني الجانب الإنساني من هذه التراجيديا المستمرة. فحينما انتهي إلي سمعي خبر اغتيال داني شمعون استعدت في ذهني المراوغات التي دخلنا فيها حين كنا نغطي مفاوضات لوزان (1984) لاستنطاقه وبقية المتفاوضين (أمين الجميل، وليد جنبلاط، نبيه بري، إلخ). كانت أول مرة أقترب فيها بهذا القدر من لوردات الحرب اللبنانيين، واستوقفني داني شمعون بخيلائه واعتداده الزائد بالنفس. تذكرت أيضاً لحظة بعينها وقفت وهو نتحدث في بهو الفندق، فجاء شخص آخر فهمس في أذنه بما قدرت أنه كان تحذيراً قطع معه الحديث علي الفور وانصرف مسرعاً.(3)لم يكن جبران تويني بين من التقيت، أو علي الأقل لا أذكر لقاءنا، ولكنني سعدت منذ عامين بالتعرف علي والده الأستاذ غسان تويني، الذي يعتبر نموذجاً لـ الجنتلمان العربي: رجل يفيض حكمة ودماثة خلق وعمق بصيرة. وهذا جعل فاجعة مقتل جبران أشبه بفقد شخصي لي، حتي لم أجد ما أعبر به عن عمق الإحساس بالحدث.(4)تراجيديا الموت العنيف، خاصة وسط القيادات الشابة المسيحية، تتناقض مع روح لبنان المحب للحياة لدرجة الوله، والمحتفل بالدنيا لدرجة التنسك في محاريب المتعة. وتتعمق التراجيديا بكون بعض القيادات المسيحية الشابة كانت أيضاً وراء نشر ثقافة العنف والتمايز الطائفي. فهي إذن مأساة مزدوجة.(5)لسبب ما حذر بعض أنصار القيادي الماروني ميشيل عون من أن البعض يحاول إذكاء فتنة تشق الصف المسيحي. فبيير الجميل، وزير الصناعة الذي قتل الثلاثاء الماضي قتل في قلب ضاحية مسيحية، وبأيدي أشخاص كانوا حاضرين، ثم انسحبوا بسلام بعد الحادث. لم يكن الأمر إذن قنبلة انفجرت في غياب الفاعل. وهذا أمر له دلالاته، ويشير إلي ثقة كبيرة بالنفس لدي الفاعلين.(6) المسارعة باتهام سورية كما فعل لفيف من الزعماء اللبنانيين تصرف فيه من التهور أكثر مما فيه من الإقناع. ويمكن اتهام القيادة السورية بأشياء كثيرة ليس من بينها الغباء. سورية تعرف منذ اغتيال الحريري (الذي لعله كان آخر جرائمها في لبنان) أن أي حادث اغتيال يقع في لبنان لشخص مناهض لها ستتهم به حتي لو كان الشخص انتحر أمام شبكات التلفزة. وعليه تكون حماقة كبري من الأجهزة السورية ارتكاب مغامرة من هذا النوع في هذا الوقت. هذا المزعم يتناقض تماماً مع مشهد وزير الخارجية السوري وليد المعلم وهو يؤدي فروض الولاء والطاعة للباب العالي الأمريكي في بغداد ويعلن توبة وأوبة دمشق عن المروق والعصيان.(7)في العراق كما في لبنان، يكثر السياسيون اتهام الأجانب بالمسؤولية عن محنتهم. وفي كلا الحالين، القاتل والمقتول مواطن، والأجنبي المشارك إما مدعو من أهل البلد أو مدعوم من قبلهم. قتلة بيير الجميل (مثل قتلة معظم العراقيين) هم (إذا تم الكشف عنهم يوماً ما، وهو أمر محير آخر) هم في الغالب من مواطني البلد المنكوب. قد يكونون يعملون لحساب سورية أو (وهو الأرجح) لحساب إسرائيل. وقد تكون لهم مصلحة خاصة في ذلك الموقف. ولكنهم في الغالب لبنانيون.(8)في لبنان كما في العراق، يحتاج البعض إلي النظر في المرآة ليعرفوا من المسؤول عن محنة بلده.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية