الفلاسفة والنقاد العرب بحثوا عن القوانين المتحكمة في الجمالية المعنوية
علم الجمال في الفكر العربي القديم لمحمد المعزوز:الطاهر الطويلالفلاسفة والنقاد العرب بحثوا عن القوانين المتحكمة في الجمالية المعنويةعندما تولي الباحث المغربي محمد المعزوز مهمة الكشف عن حقيقة وجود علم جمال عربي إسلامي بموضوعه ومفاهيمه، من خلال إنصاف النص القديم وحسن الإنصات إليه، فإنه في الوقت نفسه، لم يكن يهدف إلي بخس الفكر الآخر (الغربي) حقه وإلغاء إسهاماته في توطيد الجماليات علي المستوي الإنساني.في مؤلَّـفه “علم الجمال في الفكر العربي القديم” الصادر ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب (237 صفحة من القطع المتوسط)، فحص محمد المعزوز الكيفية التي رصد بها الناقد الجمالي القديم حدوث الظاهرة الجمالية، فأكد أنه قد انشغل انشغالا نظريا بمعرفة الشيء الذي أصبح به هذا النظام متناسق الصور والمعاني، أي أن الناقد العربي القديم جاوز مرحلة التقويم الواصف لحدوث المضمون الجمالي إلي مرحلة البحث عن الآليات المولّدة لهذا المضمون نفسه.في القسم الأول من الكتاب، سعي المؤلف إلي الإمساك بالسياق النظري لما صاغه الفلاسفة المسلمون وهم يؤسسون نظرياتهم في علم الجمال، فأكد أن هؤلاء تمكنوا من تنميط آرائهم في نطاق نظري قائم علي الشمول.وعمل في القسم الثاني علي تبيين مدي استمرار المفهوم الفلسفي في المفهوم النقدي الأدبي، أو مدي انقطاعه عنه، لما ينطوي عليه المفهوم الأول من قوة الحجاج واعتماد التعليل والتدليل. وأوضح أن المفهوم النقدي الأدبي المنتسب إلي النقد الجمالي، كلما كان مزودا بطاقة المفهوم الفلسفي كان إلي التعليل والتدليل أقرب، وكلما كان بمنأي عنها كان حظه من الاتساق النظري والتفسير المبرر ضعيفا. والناتج عن هذه العلاقة ـ حسب المؤلف ـ حصول مفهوم شمولي يعمّ مختلف القضايا النقدية الجمالية، وهذا ما تحصل في نطاق الجمالية العربية القديمة، حيث استبان أن المفهوم الجمالي في ضوئها قد ينطلق إما من مفهوم خاص يرتبط بالشعر ليرتقي إلي مفهوم جمالي عام يتعلق بالإدراك واللذة، أو نجده منطلقا من العام (الإدراك واللذة) ليتوغل في الخاص (الشعر). ويستدل الكاتب علي شمولية المفهوم الجمالي بانطلاق المباحث الفلسفية والأدبية القديمة من النفس، باعتبارها مصدر التلقي وأصل التفاعل ما بين الموضوع الجمالي والذات المتقبلة له، فضلا عن اعتماد هذه المباحث علي قرائن من خارج الشعر أو النثر، مثل تركيزها علي النحت وفنون التشكيل والتصوير.وأشار إلي أن “ابن طباطبا” ـ علي غرار ما ذهب إليه الفلاسفة بخصوص اللذة ـ اجتهد في مقاربة هذا المبدأ مقاربة نفسية، ربط فيها القضية الفلسفية بالقضية الأدبية ربطا مكنه من استخراج جملة من القواعد المعتمدة في إطار النقدية الجمالية، ومنها قاعدة التناسب والانسجام، وقاعدة النموذج المصاغ بالوضع والاتفاق، وقاعدة الذوق وغيرها من القواعد التي استحصلها في ضبطه للعيار الذي قوم به الشعر الجيد. لهذا، اعتبر المؤلف كتاب “عيار الشعر” لابن طباطبا، بما جاء فيه من إجراءات منهجية، عملا مختلفا عن ما سبقه من أعمال نقدية، لأنه تناول المسألة الجمالية بما يتفق وشروط النقدية الجمالية.ولاحظ أنه إذا كان “ابن طباطبا” قد عمل بالمعايير استنادا إلي مبدأ التعليل والتدليل، فإن استمرار المفهوم الفلسفي مرسخا في الكتابات النقدية القديمة قد تَـكرَّس مع “قدامة بن جعفر” في “نقد الشعر”، الذي رام جعل الممارسة النقدية ممارسة عقلية مستندة إلي علم المنطق. ورأي الكاتب أن أهمية “قدامة” لا تكمن في إضافته النظرية فقط، وإنما في حرصه علي الإسهام في بناء منهجية مستمدة من صميم المنطق. وهذا ما يفسر غني عمله بإجراءات تفسيرية قائمة علي التقسيم المعلل، وخاصة في بحثه في الجمالية المعنوية ولاسيما تلك المتصلة بالشعر. وأضاف أن “قدامة” سلك مسلكا نقديا مخالفا لما هو رائج في عصره، لأنه اشتغل بوضع المفاهيم وتحديدها ثم اعتماد التفسير والأمثلة التطبيقية الدالة علي الهدف المقصود، فكان التعليل لديه حادثا داخل فعليْ التحليل والتركيب لاستقصاء البنيات أو القوانين المتحكمة في المسمي بـ”الجمالية المعنوية”.وأضاف قوله إن استمرار المفهوم الفلسفي والمنطقي في الدراسات النقدية القديمة هو الذي أكسبها تلك القوة النظرية المفعِّـلة لحقل النقدية الجمالية. وقسم الدراسات التي جرت بهذا الصدد إلي ضربين: ضرب قوي تفرّد بأسبقية نظرية ومفهومية صحّ إدراجها في علم الجمال، وضرب آخر انقطع فيه المفهوم الفلسفي وبقي مستقلا بطريقة نظره إلي النصوص الأدبية التي كان يعوزها التعليل وتفسير واستقصاء القوانين استقصاء نظريا. وكما ذهب إلي ذلك الباحث، فمما يؤكد قوة الضرب الأول وصحة اندراجه في نطاق النظرية الجمالية، ما أتي به “عبد القاهر الجرجاني” في “أسرار البلاغة” و”دلائل الإعجاز”، حيث تبين أنه ضبط بوعي مجالين نظريين قويين، وهما جمالية التصوير المعنوي وقاعدة النظم. وفي هذا ألفيناه غير ناظر في هذين المجالين نظرا مضمونيا، وإنما نظرًا آليا، بحث خلاله عن كيفية تولد المعنوية الجمالية وانتظامها انتظاما تهش له النفس وترتاح.وتابع أنه، بالاستناد إلي ما صاغه الفلاسفة في الموضوع، أثبت “الجرجاني” أن التصوير ليس إلا تمثلا نهائيا لتفاعل المادة بالصورة تفاعلا إنتاجيا، وأنه إجراء يُصار به إلي الجمال الحادث باكتمال آلياته الداخلية لمعرفة نظرية وإجرائية، تمكّن من فهم مجريات وقوعه وكيفية حصوله. من هـــــــذه الجهة، عمد “الجرجاني” إلي تعليل وتفسير كيفية حدوث الصورة، فوقف عند التشبيه والتمثيل والاستعــارة بوصفها آليات كبري مولّدة للجمالية المعنوية. وحتي يحقق لمجاله النظري طابعه الشمولي، ركز علي مقتضيات النفس وخاصيتها في عملية التلقي بنفس الأهمية والدرجة التي أفردها “ابن سينا” لمبحث النفس وعلاقتها بمسألة استشعار الجمال. وفي هذا الاتجاه، ضبط عموم أنساقه النظرية في مبدأ تناسب وانسجام التأليف الملخص في نظرية عامة، وهي نظرية النظم.ثم توقف عند “حازم القرطاجني” في “منهاج البلغاء وسراج الأدباء” لالتقاط ملاحظاته وإضافاته المقوية لشمولية النظرية العربية القديمة بخصوص الجمال، فثبت معه أنه قد أتمّ بلورة ما وضعه سابقوه بخصوص “سيكولوجية التلقي”. وحيث إن “القرطاجني” اعتمد كثيرا علي “ابن سينا” في نظريته في النفس، فإنه ـ كما استنتج الباحث ـ لم يكتف بما ذكره “الجرجاني” في مسألة التلقي، وإنما طوّر إفادته من “ابن سينا” ليجعل المحاكاة والتخييل مبحثين نظريين شاملين لعموم الإدراك الجمالي، وأن النفس أصل مفعّـل لهما بما تقتضيه أهواؤها ونوازعها. لذا لم ينظر “حازم” إلي المحاكاة والتخييل بوصفهما موضوعات للنفس فقط، وإنما اعتبرهما آليتين شموليتين لتوليد الموضوع الجمالي وفق إملاءات النفس وظروفها الملخّصة في ما يلذها أو يؤلمها. ومن ثمة، اعتبر الكاتب “منهاج البلغاء وسراج الأدباء” إضافة نوعية مثمرة لحقل النقدية الجمالية العربية القديمة.بعد ذلك، خصص مبحثا مستقلا بـ”أبي حيان التوحيدي” للدلالة علي قوة استمرار المفهوم الفلسفي في المفهوم الأدبي، إلي حد يصعب معه تمييز المفهوم الواحد عن الآخر. وبتقصي ما جاء في مختلف كتاباته عن الجمال والأدب، ثبت لدي الباحث أن “التوحيدي” تمكّن من وضع نظرية جمالية قائمة الذات بموضوعها ومفاهيمها، إلي درجة دفعت بعض النقاد إلي اعتباره أول عربي وضع علم الجمال العربي مأخوذا عن آراء معاصريه ومدبجا بأسلوبه، بل لعله ـ كما يقول عفيف بهنسي ـ أضاف إليه من أفكاره وحصر فيه من الآراء المتفقة مع آرائه، ما يجعله أقرب إلي فلسفته الخاصة.واستنتج الكاتب، من مختلف القضايا المتناولة في قسم الفلاسفة وقسم نقاد الأدب، أن العرب قد تمكنوا، بحق، من استحكام موضوع الجمال في سياق نسقي مضبوط يطبعه الشمول والغوص في عمق الإشكال وقوة المفهوم.كاتب من المغرب[email protected]