عدي مدانات وتجربة ثرية من الكتابة السردية التي تجمع الغبطة بالأسي

حجم الخط
0

عدي مدانات وتجربة ثرية من الكتابة السردية التي تجمع الغبطة بالأسي

صدرت له الاعمال القصصية والروائية الكاملة بدعم البنك الاهلي الاردني:عدي مدانات وتجربة ثرية من الكتابة السردية التي تجمع الغبطة بالأسيعمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: ضمن سلسلة ابداع التي يترأس تحريرها الكاتب ناهض حتر صدرت عن منشورات البنك الاهلي الاردني ودار ورد للنشر والتوزيع الاعمال القصصية والروائية الكاملة للاديب الاردني عدي مدانات والتي جاءت في مجلدين، وقد ضم المجلد الاول المجموعات القصصية: (المريض الثاني عشر) واحتوت علي 8 قصص قصيرة، (صباح الخير ايتها الجارة) وضمت 27 قصة، (شوارع الروح) وضمت 17 قصة، وقد قدم للاعمال بدراستين الاولي للناقد الراحل د. احسان عباس كان كتبها ونشرها في الصحافة المحلية، والثانية للقاص يوسف ضمرة وهي مخصصة كمقدمة لهذه الاعمال، اما المجلد الثاني فهو الاعمال الروائية الكاملة وضمت كلمة قصيرة للروائي هاشم غرايبة اضافة الي روايتين هما الدخيل وصدرت عام 1991، و ليلة عاصفة 1996 ، وتعد تجربة مدانات من التجارب الادبية المحترمة في الاردن والوطن العربي والتي تتميز بخصوصيتها سواء من ناحية تناول الموضوعات او في لغتها، فهو يغوص عميقا في النفس البشرية ويتناول هواجسها تجاه الآخر، وهي تنشغل بالجانب الاسري ايضا والانكسارات التي يتعرض لها الرجل او المرأة، وتلك الآمال التي تتكسر فيما هي تنمو، ولغة مدانات متميزة برشاقتها ووضوحها، وتكاد تكون من نوع السهل الممتنع، فهي توحي اكثر مما توضح، وتخاتل فيما هي تبدو ذاهبة الي غاياتها.يقول القاص يوسف ضمرة في دراسته المطولة عن الاعمال القصصية والتي جاءت بعنوان قصص الغبطة والاسي : عدي مدانات، هو القاصّ العربي الوحيد الذي يشعرك بالمتعة والرعب، وهي مفارقة لا تتوفر عليها قصص الكاتب العادي، غير المعني بكل ما يتعلق بالحياة البشرية من قيم وهواجس واحلام وافكار، والغريب، هو ان عدي مدانات يفعل ذلك كلّه بالقاريء في هدوء تام، ومن دون ضجيج، وكأنه يشبه ذاته في اختيار كلماته برويّة واناة، لئلا تسير الامور في طريق اخري غير المقصودة . ويتابع ضمرة قائلا نشر عدي مدانات ثلاث مجموعات قصصية فقط، وهي (المريض الثاني عشر غريب الاطوار) و(صباح الخير ايتها الجارة) و(شوارع الروح)، وهو ربما يُعِدّ مجموعةً رابعةً للايام القادمة. لكنّ الاصدارات تبدو قليلة من حيث الكمّ، وهو ما يعرفه عدي مدانات، بل هو ما يحرص عليه، اي ان يكتب ما يشعر انه قادر علي تحريك اعماقنا، اثارتنا، ودفعنا للتفكير في حيواتنا التي قد تبدو ظاهرياً علي ما يرام.هذا العالم يغري بالارتياد، لانه خاصّ بنا كبشر، ولانه ينوب عنا في اضاءة ركنٍ من اعماقنا الحقيقية، ثم يكسبنا شيئاً من الشجاعة الذاتية كي نلتفت الي الخلف، وكي نسأل انفسنا: هل نحن كذلك حقاً ؟ هل فعلنا هذا وذاك؟ هل كنّا كذلك يوماً ما؟ هل فرّطنا بكل هذه الغبطة الممكنة، سعياً وراء نمطيّة هشّة؟ينبّهنا عدي مدانات الي حقيقة مؤلمة، وهي اننا نُمضي حياتنا جاهدين لابراز الصورة التي شكّلها لنا الآخرون. وهو ما يتطلّب منّا جهداً مضاعفاً لاخفاء عالمنا الداخلي، وملامحنا الحقيقية، وعندما نكتشف ذلك، نصاب بارتجاجٍ نفسيٍّ لثلاثة اسباب: اولاً: ادراكنا الصريح لنفاد قدرتنا علي الانعتاق من تلك الصورة التي خطّها الآخرون.ثانياً: ادراكنا المفجع لحقيقةٍ قاسيةٍ، وهي اننا خلال هذا الشوط الذي قطعناه من اعمارنا، لم نربح شيئاً سوي خساراتنا. ثالثاً: الحسرة التي نتشرّبها جرّاء معرفتنا بان الزمن لا يعود الي الوراء لكي نقوم بتصحيح اخطائنا، وبان ما تبقّي من الوقت لم يعد كافياً لاستئناف الحياة من نقطة الصفر.من الصعب ان نحيط بعالم عدي مدانات القصصي بشكل تفصيلي ودقيق، لان كل ما في هذا العالم يستحق الملامسة والتأمل، ولكنّنا سنتوقف عند ابرز الخصائص التي تميّز هذا العالم من سواه، وتجعله ممتعاً ومرعباً في آن واحد .اخيرا يحدد ضمرة العناصر الاساسية التي يرتكز عليها الاديب مدانات في بناء عالمه الفني وهي التفاصيل الدقيقة، والحكي ـ او تراجع الحكاية لصالح الحكي، والحوار الخارجي والداخلي، والحافز، مع التركيز علي ضرورة النفاذ الي الجوهر الانساني..علي انه ينبغي لنا ان نؤكّد الوحدة المتينة التي تشكل هذا العالم، بحيث يكتسب الكلّ قوّته من خلال العلاقة بين الجزء والجزء، وبين الجزء والكلّ، ومن خلال العلاقة بين الداخل والخارج.. بين النص وما وراء النص!ثمة انسجام هنا لا ندرك جماليّاته من خلال البحث عما نريد ـ مثلما هي الحال في القراءة العادية ـ اي تلك التي تتوقف عند الحدود الخارجية للنص و/او تضع العربة امام الحصان، حيث يجري البحث عما تقوله القصص مباشرة، وعن جماليات اللغة ـ من الخارج ـ وما شابه ذلك. وهي قراءة اشبه ما تكون بقانون تعسّفي، تنحصر مهمّتها في اختزال العمل الفني الي مقولات وافكار محددة. ولعلّ قصص عدي مدانات تشكل نموذجاً للفن الذي يصوغ قوانينه بذاته، رافضاً الانصياع لايّ معيار خارجيّ نسقطه عليه من الاعلي . ويدلل القاص ضمرة علي تحليلاته تلك بايراد بعض الامثلة من القصص التي ضمتها المجموعات الثلاث.قصص تشيخوفية من الحياة اليومية اما الناقد د. احسان عباس فقد انشغل في دراسته بمجموعة صباح الخير ايتها الجارة التي صدرت عن وزارة الثقافة عام 1991، وعنها يقول اول ما جذبني فيها اخلاصها للمفهوم الذي تمثله القصة القصيرة بين الفنون الادبية الاخري. فهي قصص لم تنحرف نحو الشعر، ولم تصعد علي جناحٍ كسيرٍ من مبني الرواية، ولم تمتلئ بفيوض اللاوعي، ولم تقف عند حدود اللوحة، ولم تحاول ان تتصدي لقضايا كبري موهمة انها تستطيع احتواءها.اذن لاقل: انها قصص بسيطة واقعية في منزعها، تشيخوفية في طابعها العام، ومعظم شخوصها طيبون بسطاء، المعلم المخلص، والشرطي المتعاطف مع الناس، والمحاسب الامين، والموظف ذو الطموحات المعقولة، والمجرم المحبوب، والزوجة الوفية، والاخيرة من بين هؤلاء هي النموذج الاعلي لدي المؤلف نفسه، وتمثلها نوال بطلة قصة المستأجر اول قصة في المجموعة، فهي تدرك ابعاد الحياة التي تحياها مع زوج ابله، كما تدرك ما ينقصها بسبب تلك الحياة، ومع ذلك فهي مصممة علي ان تظل تمثل الصدق والنبل والتضحية فلا تسمح لرغبة طارئة ان تخرج بها عن الخط الذي رضيته لنفسها.ويتابع د. عباس دراسته بالقول كل هؤلاء الشخوص يشغلهم الهمّ اليومي، ويقنعون بالمتع البسيطة، ويحبون الحياة الاسرية الهادئة، ولا يفلسفون نظرتهم الي الاشياء، وان خامرتهم بعض الاحلام في تمنياتهم، تملؤهم بالغبطة ساعات الشروق، ويحس الواحد منهم مع طلوع الشمس كل يوم كأنه يبدأ حياة جديدة، ينتمون الي قطاع اجتماعي متقارب العناصر ولا يحسون باي تفاوت طبقي، ولهذا لم يحتج القاص ان يسلط علي بعض شخوصه سيف النقد، ولا ان يلجأ الي السخرية من المتنفّذين والاغنياء المغرورين ومنتحلي العظمة. ومشكلاتهم هي مشكلات الانزلاق عن القاعدة الايجابية المألوفة دون ان يظن انها كذلك. تتميّز اكثر قصص المجموعة بتسلسل طبيعي، وتأتي التحولات المفاجئة غير مصحوبة بهزّات عنيفة .اما النموذج التشيخوفي فيحدد عباس ملامحه واثره في قصص مدانات: من الطبيعي ان يتأثر اي كاتب قصة قصيرة بأنطون تشيخوف، وبخاصة اذا كان يسيطر عليه الاحساس بضرورة الواقعية في الاتجاه القصصي.ان التأثر بأنطون تشيخوف هو عودة الي النبع، الي مؤسس القصة القصيرة الذي يصفه مكسيم غوركي بقوله: كان نقياً في تواضعه ولم يكن يسمح لنفسه بان يقول للناس بصوت عال وبصورة سافرة فلتكونوا اكثر استقامة بل كان يأمل عبثاً بان يفطنوا بانفسهم الي الحاجة الماسة لهم بان يكونوا اكثر استقامة، وكان هو يمقت كل ما هو مبتذل وقذر، يصف كل حقارات الحياة بلغة نبيلة لشاعر، وبضحكة ناعمة لفكاهي.. (انطون تشيخوف، ترجمة د.ابو بكر يوس)، ولا اقول ان قصص عدي مدانات تمثل كل هذه الابعاد، ولكنه كان صادقا في محاولته ان يكون تشيخوفي الطريقة. وهو لا يخفي اعجابه بهذا القاص البارع بل تراه في قصته الاولي النموذجية يقول لنوال: احضرت لك كتاباً لكاتب آخر يدعي تشيخوف، سيروق لك كثيراً .ثم يدخل الناقد عباس بمقارنة بين قصة المرثية لتشيخوف، وقصة حين تجاوز الخمسين لمدانات بطريقة تحليلية تضيء عناصر القصتين والتقاء كل مبدع منهما في هواجس ابداعية مشتركة، اضافة الي تحليله لقصص اخري من مجموعة مدانات صباح الخير ايتها الجارة .متعة القراءة والتأمل والحيرة من جهته قدم القاص والروائي هاشم غرايبة للاعمال الروائية لمدانات بنص صغير قال فيه بين ايديكم، ثمة سرد يبعث علي التساؤل والحيرة، بقدر ما يهبنا متعة القراءة والتأمل، ونحن امام كاتب شغفنا بقصص تشيخوفية رائعة. ولكنه في عالم الرواية يشتق نسقاً مختلفاً عمّا ألفناه في قصصه القصيرة، رواية الدخيل ورواية ليلة عاصفة روايتان جديدتان ـ بمعني مختلفتان ـ يذهب فيهما عدي مدانات الي المناطق الجوّانية في اغوار شخوصه، ويطلقهم في شوارع عمان ليوائم بين عالمهم الداخلي وعالم المدينة الخارجي.الحسّ الانساني العميق ورهافة الروح الانسانيّة في حالة اصطدامهما مع العالم الخارجي القاسي، المتمثل بشوارع منتصف الليل ودوائر الشرطة، والحوانيت المغلقة، والافق المسدود، او تلك الحالة المتمثلة بعالم داخلي مضطرب للعائلة، يمتد اضطرابها الي العالم الخارجي العاصف. هاتان الحالتان تلتقيان عند ثيمة اساسية تشكل مفصلاً هامّاً في عملي عدي مدانات المجتمعين في هذا الكتاب، وهي الروح ، ولكن ليس بالمعني اللاهوتي لهذه الكلمة، بل بمعني نبض الاشياء والناس والاماكن التي تنظم الحياة بحلوها ومرّها.ثمة سرد يضفي شفافيّة وحناناً علي السرد، من جهة، ومن جهة ثانية ثمة قسوة وريبة تكمن في التفاصيل ذات الدلالات العميقة، فيقيم السارد من المتضادّات والمتناقضات بين العوالم الداخلية للاشخاص والتفاصيل الدقيقة للاماكن في العالم الخارجي معماراً يؤكد انحياز الكاتب اولاً واخيراً لانسانية الانسان.اننا امام روايتين تفتحان نوافذهما للارواح المعذبة لتبحث عن افق فسيح يساعدها علي صياغة احلامها الخاصّة ولتوازن بها قسوة الواقع.عدي مدانات سارد متميّز في القصة والرواية، وفي روايتيه هاتين يخوض تجربة جديدة في الرواية العربية يغاير بها المألوف، ويذهب بنا الي الهامش ليجعله متناً وللزوايا المعتمة فيضيئها، ويجعل القريب بعيداً والمختلف مألوفا .0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية